باب
الديات
مقادير ديات جنايات العمد في النفس وما دونها:
قال الله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [المائدة: 45].
إذا تنازل صاحب الحق عن القصاص في النفس أو في العضو وطلب دية فمن رحمة الله أن شرع جواز ذلك. ومقاديره قد فصلها النبي ﷺ كما أخبر الله سبحانه بقوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44].
1188- عن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ... فَذَكَرَ الْـحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَنَّ مَنْ اعْتَـبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الـمَقْتُولِ، وَإِنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ مِائَةً مِنْ الإِبِلِ، وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفِي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْـمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الـجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْـمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الإِبِلِ، وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِ اليَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنْ الإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الإِبِلِ، وَفِي الْـمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الإِبِلِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْـمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ الفُ دِينَارٍ»، أخرجه أبو داود في المراسيل والنّسائيّ وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان وأحمد، واختلفوا في صحته. [قال يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (2/ 216): لا أعلم في جميع الكتب كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم وقال: كان أصحاب النبي ﷺ والتابعون يرجعون إليه ويدعون آراءهم. وقال ابن عبد البر في التمهيد (11/188-189): (هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة). وقال ابن تيمية في شرح العمدة (1/ 102): (هو صحيح بإجماعهم)].
1189- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اِثْنَيْ عَشَرَ ألفًا»، رواه الأربعة ورجح النسائي وأبو حاتم إرساله. [وكذلك البخاري في علل الترمذي الكبير (391)، والنسائي في الكبرى (7179)، وغيرهما].
1190- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما عن النّبيّ ﷺ قال: «هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ -يَعْنِي: الخُنْصَـرَ وَالْإِبْهَامَ»، رواه البخاري. ولأبي داود والتّرمذيّ: «دِيَةُ الأَصَابع سَوَاءٌ، وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ: الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ». ولابن حبان: «دية أصابع اليدين والرجلين سواء، عشرة من الإبل لكل إصبع». [هو من قول ابن عباس أشبه].
1191- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنّ النّبيّ ﷺ قال: «فِي الْـمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ مِنْ الإِبِلِ»، رواه الخمسة، وزاد أحمد: «وَالْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، كُلُّهُنَّ عَشْـرٌ مِنَ الإِبِلِ»، وصحَّحه ابن خزيمة وابن الجارود. [وحسَّنه الترمذي في السنن (1390)].
عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الخزرجي، أول مشاهده الخندق، واستعمله رسول الله ﷺ على أهل نجران، وهو ابن (17) سنة، ليفقههم في الدين، ويعلمهم القرآن، ويأخذ صدقاتهم، وكتب له كتابًا فيه الفرائض والسنن والصدقات والديات، ومات بالمدينة سنة (51).
- مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا: أي: قتله بلا جناية، ولا جريرة.
- فَإِنَّهُ قَوَدٌ: أي: فإن القاتل يقتل به.
- أوعب: الوعب هو استئصال الشيء وأخذه كله.
- المأمومة: هي الشجة التي تصل إلى جلدة الدماغ وأم الرأس، والجراح في الرأس والوجه يقال لها: شجة.
- الجائفة: هي الجراح التي تصل أو تنفذ إلى الجوف.
- المنقلة: هي التي تنقل العظم بعد الكسر.
- الموضحة: هي التي توضح العظم وتبينه.
1 - في حديث أبي بكر بن حزم بيان لمقادير الديات، وهو الأصل في هذا الباب، وقد تلقته الأمة بالقبول والعمل.
2 - في الأحاديث بيان دية أعضاء الإنسان إذا حصل الاعتداء عليها، والإنسان يوجد فيه من الأعضاء ما منه عضو واحد: كالأنف، واللسان، والذكر. ويوجد فيه ما منه عضوان: كالعينين، والأذنين، والشفتين، واللحيين واليدين، والرجلين، والخصيتين، وثديي المرأة...الخ.
3 - إذا أتلف إنسان من إنسان آخر هذا العضو الواحد، أو هذين العضوين جميعًا: وجبت الدية كاملة، وإذا أتلف أحد العضوين: وجب نصف الدية.
4 - تجب الدية كاملة أو نصفها فيما يلي:
- الأنف؛ لأن منفعته في تجميع الروائح في قصبته، وارتفاعها إلى الدماغ، وذلك يفوت بقطع المارن.
- قطع اللسان؛ لفوات النطق الذي يتميز به الآدمي عن الحيوان الأعجم.
- قطع الذكر، ولو كان المقطوع منه الحشفة فقط؛ لأن فيه منفعة الوطء، واستمساك البول.
- وتجب الدية إذا ضرب الصلب، فعجز عن المشي.
- وتجب الدية كاملة في العينين، وفي العين الواحدة نصفها، وفي الجفنين نصفها، وفي جفني إحدى العينين نصفها، وفي واحدة منها ربعها.
- وفي الأذنين كمال الدية، وفي الواحدة نصفها.
- وفي الشفتين كمال الدية، وفي الواحدة نصفها، يستوي فيهما العليا والسفلى.
- وفي اليدين كمال الدية، وفي اليد الواحدة نصفها.
- وفي الرجلين كمال الدية، وفي الرجل الواحدة نصفها.
- وفي الخصيتين كمال الدية، وفي إحداهما نصفها، ومثل ذلك في الإليتين، وشفري المرأة وثدييها، وثندوتي الرجل، ففيهما الدية كاملة، وفي إحداهما نصفها[1].
5 - وأما ديات الأصابع: ففي أصابع اليدين والرجلين الدية كاملة، وفي كل أصبع عشر من الإبل، والأصابع سواء، لا فرق بين خنصر وإبهام، وفي كل أنملة من أصابع اليدين أو الرجلين ثلث عشر الدية، في كل أصبع ثلاث مفاصل، والإبهام فيه مفصلان، وفي كل مفصل منهما نصف عشر الدية.
6 - وأما ديات الأسنان: ففي الأسنان كمال الدية، وفي كل سن خمس من الإبل، والأسنان سواء من غير فرق بين ضرس وثنية.
7 - تجب الدية في منافع الأعضاء: فتجب الدية كاملة إذا ضرب إنسان إنسانًا فذهب عقله؛ لأن العقل هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان، وكذلك إذا ذهبت حاسة من حواسه: كسمعه، أو بصره، أو شمه، أو ذوقه، أو كلامه بجميع حروفه؛ لأن في كل حاسة من هذه الحواس منفعة مقصودة، بها يكون جماله وكمال حياته، وإذا فقئت عين الأعور الصحيحة، يجب فيها كمال الدية، قضى بذلك عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر؛ لأن ذهاب عين الأعور ذهاب البصر كله، إذ إنه يحصل بها ما يحصل بالعينين[2].
8 - وأما ديات الجروح، فالذي جاء في الأحاديث:
أ - المأمومة، وفيها ثلث الدية بالإجماع[3].
ب - الجائفة، وفيها ثلث الدية بالإجماع أيضًا[4].
ج - المنقلة، وفيها خمس عشرة من الإبل بالإجماع[5].
د - الموضحة، وفيها خمس من الإبل بالإجماع[6].
9 - يجب أن تكون الدية مائة من الإبل: إذا كان القاتل من أهل الإبل، ومائتي بقرة: إن كان من أهل البقر، وألفي شاة: إن كان من أهل الشياة، ومائتي حلة: إن كان القاتل من أهل الحلل، وألف دينار من الذهب إن كان من أهلها. وقال الباجي: (يجب أن ينظر إلى غالب أموال الناس في البلاد فأي بلد غلب على أموال أهلها الذهب فهم أهل ذهب، وأي بلد غلب على أموالهم الورق فهم أهل ورق، وربما انتقلت الأموال فيجب أن تنتقل الأحكام)[7].
10 - دلَّ حديث ابن عباس على أن الدية إن قدرت بالفضة فقدرها الواجب هو اثنا عشـر ألف درهم، وهو ما ذهب إليه الجمهور[8]، بينما ذهب الحنفية إلى أن الواجب من الفضة عشرة آلاف درهم[9]، واستدلوا بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (الدية عشـرة آلاف درهم)[10]. وقد تقرر في الدلالة السابقة أن تقدير الدية يختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة، وعليه فالدِّية في زماننا لا تقدر بالفضة، لأنها قد فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها، بينما بقي الذهبُ محافظًا على سعره إلى وقتنا الحاضر.
1- خبر الواحد إذا احتفت به القرائن أفاد العلم القاطع، وهذا ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وجمهور الأمة[11]. قال ابن تيمية: (ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له أو عملًا به أنه يوجب العلم. وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك؛ ولكن كثيرًا من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك)[12].
2 - لم يثبت حديث ابن عباس في تحديد مقدار الدية من الفضة، وقد جاءت مخالفته عن عمر رضي الله عنه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، مما يدل على أن المسألة غير مقدرة، وأن الأمر راجع فيها إلى المصلحة.
3 - لم يرد النص في أجفان العين، ولكن حصل قياس أجفان العينين على العينين في وجوب الدية، بجامع تفويت جنس المنفعة على الكمال، وإزالة جمال في الآدمي على الكمال في كلٍّ. وقد قال الجمهور بجريان القياس في المقدرات، خلافًا للحنفية[13].
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 92] القتل إما عمد أو خطأ، وما يسمى بشبه العمد من الخطأ غُلِّظت فيه الدية لشبهه بالعمد، وتفاصيل مقادير الدية بيَّنها النبي ﷺ.
1192- عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النّبيّ ﷺ قال: «دِيَةُ الخَطَأَ أَخْمَاسًا: عِشْـرُونَ حِقَّةً، وَعِشْـرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْـرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْـرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْـرُونَ بَنِي لَبُونٍ»، أخرجه الدّارقطنيّ، وأخرجه الأربعة بلفظ: «وَعِشْـرُونَ بِنِي مَخَاضٍ»، بدل لبون، وإسناد الأوّل أقوى، وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر موقوفًا، وهو أصحّ من المرفوع. [قال البيهقي في الكبير (16/ 310): الموقوف هو الصحيح. وينظر: علل الدارقطني (2/ 292 - 293)].
1193- وأخرجه أبو داود والترمذيّ من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه رفعه: «الدِّيَةُ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا». [قال الدارقطني في السنن (4/231): فيه مقال].
1194- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنّ رسول الله ﷺ قال: «ألا إِنَّ دِيَةَ الـخَطَأِ شِبْهِ العَمْدِ -مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا- مَائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا»، أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصحَّحه ابن حبّان. [فيه اختلاف أشار إليه البخاري في التاريخ الكبير (6/ 434)، وأنكره النسائي في الكبرى (7176) ولم يشر إلى الخلاف].
1195- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «عَقْلُ شِبْهِ العَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ العَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ، وَذَلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ، فَتَكُونُ دِمَاءٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي غَيْرِ ضَغِينَةٍ، وَلَا حَمْلِ سِلَاحٍ»، أخرجه الدراقطني وضعَّفه[14].
- حِقَّة: بكسر الحاء وتشديد القاف؛ وهي من الإبل ما استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة إلى تمامها؛ سميت بذلك لاستحقاقها أن يحمل عليها ويركبها الفحل.
- جذعة: بفتح الجيم والذال، وهي التي أتت عليها أربع سنين ودخلت في الخامسة.
- بنت مخاض: هِيَ مِنْ الْإِبِلِ مَا اسْتَكْمَلَ السَّنَةَ الْأُولَى وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ إلَى آخِرِهَا؛ سُمِّيَ بِذَلِكَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى لِأَنَّ أُمَّهُ مِنْ الْمَخَاضِ أَيْ الْحَوَامِلِ.
- ابن لبون: هُوَ مِنْ الْإِبِلِ مَا اسْتَكْمَلَ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ إلَى تَمَامِهَا سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ ذَاتُ لَبَنٍ وَيُقَالُ: بِنْتُ اللَّبُونِ لِلْأُنْثَى.
- خَلِفَةً: هي الحامل من النوق.
- القتل شبه العمد: هو أن يتعمد الجناية عليه بما لا يقتله غالبًا مثل: أن يرميه بحجر صغير لا يقتل مثله غالبًا، فيموت من ذلك، ومنه: أن يطعنه بسكين ونحوها في غير مقتل كيده أو رجله، فيموت بسبب ذلك.
- القتل الخطأ: أن يصل ضرره بالقتل إلى إنسان لم يقصده، كأن يريد قتل صيد، فيقتل إنسانًا معصومًا، أو يتسبب إلى قتله بحفر بئر أو نحوه في طريق، فيقع فيها فيموت.
- وذلك: أي قتل شبه العمد.
- أن ينزو: النزو: الوثوب والتسرع إلى الشر.
- ضغينة: الحقد والعداوة والبغضاء.
1- في حديث ابن مسعود دليل على أن دية الخطأ مائة من الإبل مخففة المقدار من حيث أسنانها، فهي أخماسًا: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشـرون ابن مخاض (وعند المالكية والشافعية: عشرون ابن لبون)، وعشرون حقة، وعشـرون جذعة. والقول بهذا التقسيم إجمالًا، وأن دية القتل الخطأ مائة من الإبل مخمسة، هو قول الأئمة الأربعة[15].
2 - تجب الدية فى القتل الخطأ على عاقلة الجاني، لا من مال الجاني، ومقدار ما تتحمله العاقلة: ثلثيها، ويتحمل الجاني الثلث إذا كان له مال، فإن لم يكن له مال: تحملت العاقلة عنه ثلثه.
3 - وفي رواية الترمذي تقسيم الدية أثلاثًا: ثلاثون حقه، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها؛ وهي على هذا دية مغلَّظة، فهي إذًا في القتل العمد، وشبه العمد، وهو مذهب الشافعية، ورواية عند الحنابلة [16].
4 - وفي الحديث الذي يليه دليل على أن دية شبه العمد مغلظة كذلك.
5 - والحديث الأخير يدل على أنه إذا وقعت الجراح من غير قصد، ولم تكن بسلاح، بل بحجر أو عصا أو نحوهما، فإنه لا قود فيه، وأنه شبه العمد، فيلزم فيه الدية مغلظة[17].
6 - في القتل شبه العمد لا يقتل القاتل، بل عليه دية مغلظة مثل دية قتل العمد، تجب على عاقلة الجاني، وهو قول الجمهور، وذلك أن شبه العمد قتل لا يوجب القصاص، فوجبت ديته على العاقلة كالخطأ، وفي كليهما عدم تقصد القتل[18].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
قتل شبه العمد يأتي من غير عداوة ولا ضغينة، ولا حمل سلاح، وإنما ينزو الشيطان بسبب مزاح أو لعب، فيحصل القتل الذي لم يقصد[19].
1 - حديث ابن مسعود موقوف وله حكم الرفع؛ لأن الظاهر أن مثل هذا التحديد بتلك الطريقة لا يكون عن اجتهاد والله أعلم.
2 - تخلف الحكم مع وجود العلة: إن كان تخلف الحكم عن علته بسبب نص شرعي، كإيجاب الدية على العاقلة، فإنه من المعلوم أن جناية الشخص علة لوجوب الضمان عليه، وإنما تخلفت هنا وصارت على العاقلة بسبب النص، فهذا ما يسمى بالمستثنى من قاعدة القياس، أو المعدول به عن سنن القياس.
والصحيح أنه لا يوجد حكم على خلاف القياس. قال ابن تيمية: (وحقيقة الأمر أنه لم يشرع شيء على خلاف القياس الصحيح، بل ما قيل: إنه على خلاف القياس فلا بد من اتصافه بوصف امتاز به عن الأمور التي خالفها، واقتضى مفارقته لها في الحكم، وإذا كان كذلك، فذلك الوصف إن شاركه غيره فيه فحكمه حكمه، وإلا كان من الأمور المفارقة له)[20].
وقد تقدم فيما سبق كلام ابن القيم في وجه تشريع الدية على العاقلة وموافقته للقياس.
مَنْ تَطَبَّبَ بدون خبرة فهو ضامن:
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ [النساء: 92].
قال ابن عبد البر في الاستذكار: (وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْخَطَأَ مَا لَمْ يَقْصِدْهُ الْفَاعِلُ وَلَمْ يُرِدْهُ وَأَرَادَ غَيْرَهُ، وَفِعْلُ الْخَاتِنِ وَالطَّبِيبِ فِي هَذَا المَعْنَى). اهـ قال الخطابي في معالم السنن: (وَسَقَطَ الْقَوَدُ عَنْهُ لأنه لَا يَسْتَبِدُّ بِذَلِكَ دُونَ إِذْنِ الْمَرِيضِ).
1196- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه قال: «مَنْ تَطَبَّبَ -وَلَمْ يَكُنْ بِالطِّبِ مَعْرُوفًا- فَأَصَابَ نَفْسًا فَمَا دُونَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ»، أخرجه الدارقطني، وصحَّحه الحاكم، وهو عند أبي داود والنسائي وغيرهما، إلا أنَّ من أرسله أقوى ممَّن وصله. [أعلَّه الدارقطني في السنن (4/266). وينظر: علل الترمذي الكبير (186)].
- مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يكن بالطب معروفًا: أي من تعاطى الطب ولم يسبق له تجربة. فـ«تطبَّب»؛ أي تكلَّف الطبَّ ولم يكن عارفًا له.
- فَهُوَ ضَامِنٌ: لمن طبَّه بأرش الجناية لما أتلفه، أو بالدية كاملة إن مات المطبوب بسببه؛ لتهوره بالإقدام على ما يقتل بغير معرفة.
1 - في الحديث دليل على أنّ من تعاطى علم الطب وأعماله، وهو لا يعرفه معرفة جيدة، فهو ضامن لما أتلفه، وهذا محل اتفاق بين العلماء[21].
2 - الضوابط التي وضعها الفقهاء فيمن يباح له مباشرة الطب، أهمها ما يلي:
الأول: أن يكون المعالج من ذوي الحذق في صناعته، وله بها بصارة ومعرفة.
الثاني: أن يكون الباعث على عمله علاج المريض وشفاءه، فإذا حدث أن طلب شخص منه أن يقطع له جزءًا سليمًا من جسمه، حتى يعفى من الخدمة العسكرية مثلًا؛ حقت عليه المؤاخذة.
الثالث: يجب أن تكون أعماله على وفق الرسم المعتاد، أي موافقته للقواعد الطبية التي تتبع في كل حادثة على حدتها.
الرابع: إذن المريض، فإنه يشترط أن تكون المعالجة بناء على إذن المريض أو وليه، ولا بد أن يكون حرًّا بالغًا عاقلًا، فإن لم يأذن له وعالجه دون إذن ضمن ما جنت يداه، لخروج عمله من دائرة الإباحة إلى دائرة التعدي، فإن كان المريض قاصرًا؛ فإذن وليه[22].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - لا يجوز للإنسان أن يقول بشيء أو يُقدم على شيء دون علم، ويؤاخذ على إقدامه دون علم حتى ولو أصاب، نظرًا لما في إقدامه من المجازفة.
2 - العاقل الفطن لا يدَّعي ما لا علم له به، ولا يُقدم على أمر إلا بعلم وبصيرة.
3 - يقاس على ادعاء الطب كل عمل يدَّعيه الإنسان، أو صنعة ينسب إليها، وهو لا يحسن ذلك، ثم يفسد على الناس أموالهم، فإنه بادِّعائه هذا أو إقدامه على دعوى الإصلاح ضامن لكل ما خرب، أو فسد من جراء عمله، وما يأخذه من مال فهو حرام، وأكلٌ لأموال الناس بالباطل.
4 - أعظم من هذا كله: ادعاء العلم الشرعي، وتعاطي الفتوى مع الجهل، فإذا كانت الأبدان تضمن مع الجهل، فكيف الإضرار بالدين؟![23].
1 - قاعدة: (لا ضرر ولا ضرار):
هذه قاعدة كلية يرجع إليها في تطبيق جزئيات المسؤولية والمؤاخذة بها، وقد كانت هذه الوقائع وغيرها أساسًا لقواعد عامة ثبتت عند الفقهاء أصلًا من أصول الشريعة المسلَّم بها عند الجميع، ومن ذلك قولهم: (الضرر يزال)، (والضرر مرفوع بقدر الإمكان)، (والضـرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام)، وكان لهذه القواعد أثر كبير في تطبيق مبدأ المسؤولية عن الضرر، وكان لها في الوقت نفسه أثر بالغ في رفع المسؤولية، كما قرروه في أكل الميتة للمضطر، والتلفظ بكلمة الكفر للإكراه، وفي دفع الصائل أو المنتهب أو الباغي[24].
2 - من القواعد الفقهية المقررة: أن المتولد من فعل مأذون فيه لا يكون مضمونًا.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 92].
وقال الله تعالى: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ [البقرة: 178].
أطلق الله الدية ولم نعلم شيئًا ثابتًا من الوحي يفرق بين دية الرجل والمرأة ولا بين دية المسلم والذمي، ولذا فالأصل أن ديتهم سواء لولا ما ثبت من آثار الصحابة من أن دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل، ووقع عليه الإجماع، وما سوى ذلك يبقى الاجتهاد فيه واسعًا بحيث لا تكون دية الذمي أعلى من دية المسلم، قال ابن كثير عن دية المعاهد: (فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا فَدِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَكَذَا إِنْ كَانَ كَافِرًا أَيْضًا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ). اهـ
أما دية نساء الذميين فعلى النصف من دية رجالهم، وكذا الجراحات مبنية مقاديرها على مقدار الدية الكلية. والله أعلم.
1197- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «عَقْلُ الـمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا»، رواه النسائي وصحَّحه ابن خزيمة. [ضعَّفه النسائي في المجتبى (7180)، وعبد الحق في الأحكام الوسطى (4/ 60)، وابن عبد الهادي في التنقيح (4/ 519)، وابن الملقن في البدر المنير (8/ 443)].
1198- وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ الْـمُسْلِمِينَ»، رواه الخمسة. [وحسَّنه الترمذي في السنن (1413)، وينظر: أحكام أهل الملل للخلال (ص 305، 307)]. ولفظ أبي داود: «دِيَةُ الْـمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْـحُرِّ». [إسناده ضعيف].
- عَقْلُ المَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرجُلِ: أي دية الأنثى مثل دية الذكر.
- حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا: أي حتى تساوي المرأة الرجل فيما كان أقل من ثلث الدية، فإذا تجاوزت الثلث؛ صارت ديتها على النصف من دية الذكر.
- أهل الذمة: هم اليهود والنصارى المقيمون في بلاد المسلمين.
1 - في الحديث الأول دليل على أن أرش المرأة يساوي أرش الرجل في الجراحات التي يبلغ أرشها أرش السن والموضحة، وأما ما زاد على ذلك، فإن جراحات المرأة فيه على النصف من جراحات الرجل[25].
2 - وفيه دليل على أن دية المرأة الحرة المسلمة على النصف من دية الرجل الحر المسلم، وهو قول الجماهير، وحكي إجماعًا، قال القرطبي: (وأجمع العلماء على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، وإنما صارت ديتها -والله أعلم- على النصف من دية الرجل من أجل أن لها نصف ميراث الرجل، وشهادة امرأتين بشهادة رجل، وهذا إنما هو في دية الخطأ، وأما العمد، ففيه القصاص بين الرجال والنساء)[26].
3 - ودل الحديث الثاني أنه يلزم في قتل أهل الذمة الدية، وأن دية الرجل الكتابي على النصف من دية الرجل المسلم، وأن دية المرأة الكتابية على النصف من دية المرأة المسلمة، وهو مذهب المالكية، والحنابلة[27]، ويرى الحنفية أن ديته كدية الرجل المسلم، ويرى الشافعية أنها على الثلث من دية الرجل المسلم.
الأصل أن دية الرجل والمرأة سواء لولا ورود الإجماع أن دية المرأة نصف دية الرجل.
قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [الأنعام: 164].
مما يدل على أن الحكم في قوله: ﱡ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ يتعلق بالدنيا التعقيبُ بذكر حكم الآخرة بعدها بحرف ﱡ ثُمَّ ﴾ .
1199- عن أبي رمثة قال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي ابْنِي. فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» قُلْتُ: ابْنِي، وأَشْهَدُ بِهِ. قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ»، رواه النسائي وأبو داود، وصحَّحه ابن خزيمة وابن الجارود.
1200- وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النّبيّ ﷺ قال: «إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى الله ثَلَاثَةٌ: مَنْ قَتَلَ فِي حَرَمِ الله، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ لِذَحْلِ الـجاهِلِيَّةِ»، أخرجه ابن حبّان في حديث صحَّحه. [أصله في البخاري من حديث ابن عباس].
أبو رمثة: حبيب بن حيان البلوي، ويقال: التيمي من تيم الرباب، ويقال: التميمي، اختلف في اسمه، كان من جلّة أهل المدينة، ومن الغزائين برًّا وبحرًا، مات بالكوفة على الأظهر.
جاء في مسند أحمد عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: «كفُّوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر»، فأذن لهم حتى صلوا العصر، ثم قال لهم: «كفوا السلاح»، فلقي من الغد رجل من خزاعة رجلا من بني بكر بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام خطيبًا، فقال: «إن أعدى..». فذكره
- لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ: أي: أن ما يستوجب العقاب من ذنوب كل امرئ إنما هي عليه، كما أن عمله له لا لغيره ولا عليه.
- لِذَحْلِ الـجاهِلِيَّةِ: الذحل: هو الثأر، وطلب المكافأة والعداوة.
- أعتى الناس: العاتى: المجاوز للحد في الاستكبار، والعاتى: الجبار أيضًا، وقيل العاتى هو المبالغ في ركوب المعاصي المتمرد الذي لا يقع منه الوعظ والتنبيه موقعًا.
1 - في حديث أبي رمثة دلالة على أنه لا يجوز أن يُطالب أحدٌ بجناية غيره، سواء كان قريبًا كالأب والولد وغيرهما، أو أجنبيًا، فالجاني يُطلب وحده بجنايته، ولا يطالب بجنايته غيره، قال الله تعالى: ﱡ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ [28] [الأنعام: 164، الإسراء: 15، ومواضع أخرى].
2 - وفيه دليل على أن دية القتل العمد تجب على القاتل في ماله وحده، ولا تحملها العاقلة؛ لأن الأصل في كل إنسان أن يسأل عن أعماله الشخصية من إتلافات، أو جنايات، ولا يُسأل عنها غيره.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - من القواعد الكلية التي انبنت على أصول من مقاصد الشريعة عدم مسؤولية الشخص عن فعل غيره، وأن كل نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى.
2 - في حديث ابن عمر أن هؤلاء الثلاثة المذكورين فيه أزيد في العتو على غيرهم من العتاة، فالأول: من قتل في الحرم، فمعصية قتله تزيد على معصية من قتل في غير الحرم، وظاهره العموم لحرم مكة والمدينة. وقد ذهب الشافعي إلى التغليظ في الدية على من وقع منه قتل الخطأ في الحرم، أو قتل محرمًا من النسب، أو قتل في الأشهر الحرم؛ لأن الصحابة غلظوا في هذه الأحوال. والثاني: من كان له دم عند شخص، فيقتل رجلًا آخر غير من عنده له الدم، سواء كان له مشاركة في القتل أو لا. والثالث: من طلب بدم في الجاهلية من أهل الإسلام[29].
1 - إن قيل: كيف لا يُطالب الإنسان بجناية غيره، وقد أمر الشارع بتحمل العاقلة الدية في جناية الخطأ والقسامة؟
أُجيب عنه: بأن هذا إما أن يكون مخصصًا من الحكم العام، أو أنه ليس من تحمل الجناية، بل من باب التعاضد والتناصر فيما بين المسلمين[30]؛ قال ابن رشد: لا خلاف بينهم أن دية الخطأ تجب على العاقلة، وأنه حكم مخصوص من عموم قوله تعالى: ﱡ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ ، ومن قوله ﷺ لأبي رمثة وولده: «لا يجني عليك ولا تجني عليه»[31].
2 - قوله: «أَعْتَى النَّاسِ»: المراد مِنْ أعتى الناس، وليس أعتاهم على الإطلاق، قال الشوكاني: (والمراد أن هؤلاء الثلاثة أعتى أهل المعاصي، وأبغضهم إلى الله، وإلا فالشـرك أبغض إليه من كل معصية) [32].
قال الله تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90].
قال ابن كثير: (كَانَتِ الْقسَامَةُ... مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي وَرَدَ الشَّـرْعُ بِتَقْرِيرِهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ). اهـ. قال غير واحد من المفسرين والفقهاء نزلِت الْقَسَامَةِ فِي التَّوْرَاةِ.
1201- عن سهل بن أبي حثمة عن رجال من كبراء قومه: أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ سَهْلٍ ومُحَيِّصَةَ ابْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأُتِيَ مَحَيِّصَةُ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ الله بْنِ سَهْلِ قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَالله قَتَلْتُمُوهُ! قَالُوا: وَالله مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لَيَتَكَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «كَبِّرْ كَبِّرْ» يُرِيدُ: السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنُوا بِحَرْبٍ». فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ كِتَابًا. فَكَتَبُوا: إِنَّا وَالله مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةُ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ سَهْلٍ: «أَتَحْلِفُونَ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟» قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ! فَوَدَاهُ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَائَةَ نَاقَةٍ. قَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ، متّفق عليه.
1202- وعن رجل من الأنصار: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَقَرَّ القَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الـجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى بِهَا رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَ نَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى اليَهُودِ»، رواه مسلم.
- القسامـة: هي أيمان مكررة يقسم بها أولياء القتيل لإثبات الحق لهم في دعوى القتل على المدَّعَى عليهم، أو يقسم بها المتهم على نفي القتل.
- مِنْ جَهْدٍ: أي: من تعب ومشقة.
- أَنْ يَدُوا: أي يعطوا الدية.
- أَنْ يَأْذَنُوا: من الإذن والإعلام.
- فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ: أي أعطى ديته.
- عَبْد اللهِ بْن سَهْلٍ: هو عبد الله بن سهل الأنصاري الحارثي أخو عبد الرحمن بن سهل وابن أخ حويصة ومحيصة.
- وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ: هو حويصة بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي بن مجدعة أخو محيصة ابن مسعود، شهد أحدًا، والخندق، وسائر المشاهد.
- عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ: هو عبد الرحمن بن سهل بن زيد الأنصاري، من بني حارثة أخو عبد الله المقتول بخيبر، ابن أخ حويصة ومحيصة، شهد بدرًا، وغيرها، وكان ذا فهم وعلم.
1 - شرع الله القسامة إذا وُجِدَ شخص ميت في مَحِلَّة، ووُجِدَ به أثر القتل كجرح أو ضرب أو خنق، ولا يُعْرف قاتله، وادَّعَى وليُّه القتل على أهلها أو على بعضهم عمدًا أو خطأً، ولا بيِّنَة لهم. وهي أيمان مكررة في دعوى القتيل، ولكنهم اختلفوا في كيفيتها، ومن يبدأ باليمين، هل المُــدَّعُون، أو المُــدَّعَى عليهم؟
2 - ظاهر حديث سهل: أن الذي يبدأ بالقسامة هم المدّعون، فيجب أن يحلف خمسون رجلًا منهم خمسين يمينًا على المدعى عليهم أنهم هم الذين قتلوه، فيثبت بذلك حقهم على المدعى عليهم، فإن لم يحلف المدعون؛ استحلف المدعى عليهم خمسون يمينًا، وبُرّئوا مما اتهموا به، وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية[33].
3 - تشرع القسامة بشروط:
الأول: أن تكون الدعوى على قتل عمد يوجب القصاص إذا ثبت القتل؛ لأن الأصل فيها حديث سهل، وفيه دعوى قتل عمد.
الثاني: أن تكون الدعوى على شخص واحد مُعَيّن، أو جماعة معينين، فإن كان مبهمًا، أو كانت الدعوى على أهل مدينة أو مَحِلَّة، فلا قسامة.
الثالث: اتفاق الأولياء في الدعوى، فإن ادَّعى بعضهم وأنكر بعضهم لم تثبت القسامة؛ لأنها دعوى قتل، فاشترط اتفاق جميع الأولياء، كالقصاص في غير القسامة.
الرابع: اللوث، و هو قرينة تثير الظن، وتوقع في القلب صدق المدعي، كالعداوة الظاهرة، نحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، قال الحافظ ابن حجر: (اتفقوا على أنها لا تجب القسامة لمجرد دعوى الأولياء حتى تقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها)[34].
الخامس: أن يكون المدَّعِي والمدَّعَى عليه القتل فيها مكلفين؛ فلا يصح الدعوى فيها من صغير ولا مجنون ولا عليهما.
السادس: إمكان القتل من المدَّعَى عليه، فإن لم يمكن منه القتل؛ لبعده عن مكان الحادث وقت وقوعه؛ لم تسمع الدعوى عليه.
السابع: ألا تتناقض دعوى المدعين، فإن قال القتيل قبل موته: قتلني فلان عمدًا، وقالوا: بل قتله خطأ أو العكس، فإنه لا قسامة لهم وبطل حقهم[35].
4 - وفيه أن الواجب بأيمان القسامة هو الدية فقط، وأنه لا يجب بها القصاص، وهو قول الجمهور؛ لقوله: «إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يأذنوا بحرب»[36].
5 - بعضهم يرى أن القسامة جاءت على خلاف القياس؛ ذلك أن البينة تكون على المدَّعِي، واليمين على من أنكر، والقسامة عكست الوضع، فصارت الأيمان مطلوبة من المدَّعِي، أو المدَّعين.
6 - عند التأمل يظهر أن القسامة على وفق القياس، وليست على خلافه؛ ذلك أن الضابط أن اليمين تكون في الجانب الأقوى من المتداعين، والقسامة لا تكون دعواها إلا مع قرينة قوية تدلُّ على صحة الدعوى، وقوة اتهام المدَّعَى عليه، وحينئذ صارت اليمين في حق المدَّعين؛ لأن جانبهم قوي بالقرينة[37].
7 - ومما تخالف فيه القسامة سائر الدعاوى:
أ - تكرير اليمين، وفي سائر الدعاوى يمين واحدة، إلا اللعان ففيه تكرار لليمين.
ب - أنه يبدأ بأيمان المدَّعِي أو المدَّعين إن كانوا أكثر من واحد.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1- شرعت القسامة لصيانة الدماء وعدم إهدارها، حتى لا يهدر دم في الإسلام أو يطل، وكي لا يفلت مجرم من العقاب، قال عليٌّ لعمر رضي الله عنهما فيمن مات من زحام يوم الجمعة، أو في الطواف: «يا أمير المؤمنين لا يطل دم امرئ مسلم، إن علمت قاتله، وإلا فأعطه ديته من بيت المال».
2 - في قوله ﷺ: «كبِّر كبِّر» أدب نبوي شريف في توقير الكبير وعدم التقدم عليه.
3 - عظم مكانة الأيمان وخطورتها ومسؤوليتها عند الله تعالى.
4 - قيام ولي أمر المسلمين بحقوقهم، فقد ودَى النبي ﷺ عبد الله بن سهل من بيت المال.
1 - القول بأن أيمان القسامة يبدأ بها المدَّعون مأخوذ من الحديث، وهو وإن كان آحادًا إلا أنه يجب العمل به، قال الخطيب البغدادي: (وعلى العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين، ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين في سائر أمصار المسلمين إلى وقتنا هذا، ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكارٌ لذلك، ولا اعتراضٌ عليه. فثبت أن من دين جميعهم وُجُوبَه؛ إذ لو كان فيهم من كان لا يرى العمل به لنقل إلينا الخبر عنه بمذهبه فيه. والله أعلم)[38].
2 - الواجب بأيمان القسامة هو الدية فقط: أما وجوب الدية، فلأن حفظ تلك المحلة عليهم، ونفعها عائد إليهم، وهم المتهمون في قتله، فكانت القسامة والدية عليهم.
وأما عدم وجوب القصاص؛ فلأن أيمان المدعين إنما هي بغلبة الظن، وحكم الظاهر، فلا يجوز إشاطة الدم بها؛ لقيام الشبهة المتمكنة منها.
فإن قيل: ألم يقل النبي ﷺ: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟».
أجيب: بأن معنى قوله ﷺ: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟»: يعني بدل دم صاحبكم، والبدل يتحقق بالدية؛ جمعًا بين الأدلة[39].