قتل المرتد:
قال الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [البقرة: 217].
قال أهل التفسير: الفتنة هي الكفر أو الشرك. قلت: فإذا كان جزاء القتل هو القتل والفتنة أكبر من القتل فأن يكون جزاء المرتد القتل من باب أولى.
وعن توبة المرتد يقول الله تعالى: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ٨٦ أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ٨٧ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ٨٨ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 86 - 89].
قال الشوكاني عن الآية: (وفيه دليل على قبول توبة المرتد إذا رجع إلى الإسلام). اهـ
قلت: ويستتاب المرتد وتُترك له مدة للتوبة ما لم يكن هناك فساد عظيم على المجتمع من بقائه وعدم قتله؛ كما قال الله تعالى فيما حكى من نبأ الخضر وموسى عليهما السلام: ﴿ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴾ [الكهف: 80]، فأمر اللهُ الخضرَ بقتل الغلام الكافر خشية أن يفسد دين والديه وهذه العلة موجودة في المرتد.
1212- عن معاذ بن جبل رضي الله عنه -فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ-: «لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَأُمِرَ بِهِ، فَقُتِلَ». متّفق عليه. وفي رواية لأبي داود: «وَكَانَ قَدْ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ».
1213- وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، رواه البخاريّ.
1 - في حديث معاذ وجوب قتل المرتد، وقد أجمع العلماء على قتله، لكن اختلفوا في استتابته هل هي واجبة أم مستحبة؟ وفي قدرها؟ فقال مالك والشافعي وأحمد والجماهير من السلف والخلف: يستتاب، ونقل بن القصار المالكي إجماع الصحابة عليه.
وقال طاوس والحسن وابن الماجشون المالكي وأبو يوسف وأهل الظاهر: لا يستتاب، ولو تاب نفعته توبته عند الله تعالى ولا يسقط قتله.
واختلفوا في أن الاستتابة واجبة أم مستحبة: والأصح عند الشافعي وأصحابه أنها واجبة [وهو قول الجمهور]، وأنها في الحال، وله قول أنها ثلاثة أيام، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد واسحاق[1].
2 - يُفرّق في المرتد: بين الردة المجردة: فيقتل إلا أن يتوب، وبين الردة المغلظة: فيقتل بلا استتابة، والردة المجردة: هي ردة لا يتبعها فساد، ولا طعن في الإسلام، ولاحرب على المسلمين، والمغلظة بعكس ذلك.
قال شيخ الإسلام: (وقد رأينا سنة رسول الله ﷺ فرقت بين النوعين، فقبل توبة جماعة من المرتدين، ثم إنه أمر بقتل مقيس بن حبابة يوم الفتح من غير استتابة؛ لما ضم إلى ردته قتل المسلم، وأخذ المال، ولم يتب قبل القدرة عليه، وأمر بقتل العرنيين لما ضموا إلى ردتهم نحوًا من ذلك، وكذلك أمر بقتل ابن خطل لما ضم إلى ردته السب، وقتل المسلم، وأمر بقتل ابن أبي سرح لما ضم إلى ردته الطعن عليه والافتراء)[2].
3 - لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل؛ روي ذلك عن أبي بكر، وعليٍّ رضي الله عنهما وبه قال جماعة.
وقال آخرون: لا تقتل المرأة لأن أبا بكر استرق نساء بني حنيفة وذراريهم، وأعطى عليًا منهم امرأة فولدت له محمد بن الحنفية، وكان هذا بمحضر من الصحابة، فلم ينكر فكان إجماعًا، وقال أبو حنيفة: تجبر على الإسلام بالحبس والضرب ولا تقتل؛ لقول النبي ﷺ: «لا تقتلوا امرأة»، ولأنها لا تقتل بالكفر الأصلي، فلا تقتل بالطارئ، كالصبي.
وأجيب عن ذلك بعموم قوله ﷺ: «من بدَّل دينه فاقتلوه»، رواه البخاري، وقوله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، متفق عليه. وروى الدارقطني، «أن امرأة يقال لها: أم مروان، ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي ﷺ فأمر أن تستتاب، فإن تابت، وإلا قتلت». ولأنها شخص مكلف بدَّل دين الحق بالباطل، فيقتل كالرجل. وأما نهي النبي ﷺ عن قتل المرأة، فالمراد به الأصلية؛ فإنه قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة، وكانت كافرة أصلية، ولذلك نهى الذين بعثهم إلى ابن أبي الحقيق عن قتل النساء، ولم يكن فيهم مرتد. ويخالف الكفر الأصلي الطارئ؛ بدليل أن الرجل يقر عليه، ولا يقتل أهل الصوامع، والشيوخ والمكافيف، ولا تجبر المرأة على تركه بضرب ولا حبس، والكفر الطارئ بخلافه، والصبي غير مكلف؛ بخلاف المرأة.
وأما بنو حنيفة، فلم يثبت أن من استرق منهم تقدم له إسلام، ولم يكن بنو حنيفة أسلموا كلهم، وإنما أسلم بعضهم، والظاهر أن الذين أسلموا كانوا رجالا، فمنهم من ثبت على إسلامه، منهم ثمامة بن أثال، ومنهم من ارتد منهم الدجال الحنفي [3].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - شرع الله تعالى إقامة حد الردة تحقيقًا لأهم مقاصد الشريعة وهو حفظ الدين، وهذا الذي يرتد عن الإسلام ويعلن ذلك، ويجاهر بارتداده، فإنما يعلن بهذا حربًا على الإسلام، ويدعو المنفلتين للتجمع في مجموعة معادية لأهل الإسلام، فهو بردته يكون محاربًا للمسلمين، يؤخذ بما يؤخذ به المحاربون لدين الله.
2 - جاء التشديد في عقوبة المرتد لأمور، منها:
أولًا: أن هذه العقوبة زجر لمن يريد الدخول في الإسلام مصانعة أو نفاقًا، وباعث له على التثبت في الأمر، فلا يقدم إلا على بصيرة وعلم بعواقب ذلك في الدنيا والآخرة، فإن من أعلن إسلامه، فقد وافق على التزامه بكل أحكام الإسلام برضاه واختياره، ومن ذلك: أن يعاقب بالقتل إذا ارتد عنه.
ثانيًا: من أعلن إسلامه فقد دخل في جماعة المسلمين، ومن دخل في جماعة المسلمين، فهو مطالب بالولاء التام لها ونصرتها، ودرء كل ما من شأنه أن يكون سببًا في فتنتها أو هدمها أو تفريق وحدتها، والردة عن الإسلام خروج عن جماعة المسلمين ونظامها الإلهي، وجلب للآثار الضارة إليها، والقتل أعظم الزواجر لصرف الناس عن هذه الجريمة ومنع ارتكابها.
ثالثًا: أن المرتد قد يرى فيه ضعفاء الإيمان من المسلمين وغيرهم من المخالفين للإسلام أنه ما ترك الإسلام إلا عن معرفة بحقيقته وتفصيلاته، فلو كان حقًا لما تحوّل عنه، فيتلقون عنه حينئذٍ كل ما ينسبه إليه من شكوك وكذب وخرافات بقصد إطفاء نور الإسلام، وتنفير القلوب منه، فقتل المرتد إذًا هو الواجب؛ حماية للدين الحق من تشويه الأفّاكين، وحفظًا لإيمان المنتمين إليه، وإماطة للأذى عن طريق الداخلين فيه.
رابعًا: إذا كانت عقوبة القتل موجودة في قوانين البشـر المعاصرة حماية للنظام من الاختلال في بعض الأحوال ومنعًا للمجتمع من الانسياق في بعض الجرائم التي تفتك به، كالمخدرات وغيرها، فإذا وُجد هذا لحماية قوانين البشر، فدين الله الحق الذي لا يأيته الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي كله خير وسعادة وهناء في الدنيا والآخرة أولى وأحرى بأن يُعاقب من يعتدي عليه، ويطمس نوره، ويشوه نضارته، ويختلق الأكاذيب نحوه لتسويغ ردته وانتكاسه في ضلالته[4].
دلَّ قوله: «من بدل دينه فاقتلوه» بعمومه على قتل المرتدة، وأنها كالمرتد. ويؤيده اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلها؛ الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف، ومن صور الزنا رجم المحصن حتى يموت، فاستُثني ذلك من النهي عن قتل النساء، فكذلك يستثنى قتل المرتدة[5].
قتل سابِّ الرسول ﷺ:
قال الله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ٦٥ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65، 66].
وقال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴾ [التوبة: 12].
قال ابن كثير: (ﱡ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ﴾ أَيْ: عَابُوهُ وَانْتَقَصُوهُ. وَمِنْ هَاهُنَا أُخِذَ قَتْلُ مَنْ سَبَّ الرَّسُولَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، أَوْ مَنْ طَعَنَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ أَوْ ذَكَرَهُ بِتَنَقُّصٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﱡ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴾ ).
1214- عن ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدَ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَخْذَ الـمِعْوَلَ، فَجَعَلَهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «ألا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ»، رواه أبو داود، ورواته ثقات. [قال ابن عبد الهادي في التنقيح (4/ 621): إسناده جيد].
- المعول: هي: آلة حديدية تستعمل للحفر في الأرض.
- وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا: أي تحامل عليها.
- دمها هدر: الهدر الذي لا يضمن بقصاص ولا دية ولا كفارة.
1 - أجمع العلماء على أن من سب النبي ﷺ من المسلمين فهو كافر مرتد يجب قتله[6].
2 - السب يتحقق بكل ما يكون فيه عيب أو انتقاص، قال القاضي عياض: (اعلم أن جميع من سب النبي ﷺ أو عابه، أو ألحق نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرّض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه والعيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب؛ يقتل، ولا نستثني فصلا من فصول هذا الباب على هذا المقصد، ولا نمتري فيه تصريحًا أو تلويحًا، وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه، على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور، أو عيّره بشيء مما جرى من البلاء أو المحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشـرية الجائزة، والمعهودة لديه، وهذا كله إجماع العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة إلى هلم جرا. قال أبو بكر بن المنذر: (أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ يقتل)[7].
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - يحتمل أن هذه المرأة كانت كافرة ولم تكن مسلمة، فإن المسلمة لا يمكن أن تقدم على هذا الأمر الشنيع، ولأنها لو كانت مسلمة لكانت مرتدة بذلك، وحينئذ لا يجوز لسيدها أن يمسكها ويكتفي بمجرد نهيها عن ذلك، ويحتمل أنها كانت منافقة تظهر الإسلام ثم أظهرت ما في قلبها من الخبث!
2 - النبي ﷺ هو خير الأنبياء وسيد الناس، أرسله الله رحمة للعالمين هاديًا ومبشـرًا ونذيرًا، ليُنقذهم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ويُنجيهم من سخط الله وعذابه، فكان له فضلٌ على كل مسلم، ولما كان هو الواسطة بين الله وبين خلقه، وهو المبلّغ عن الله، والمزكى من عند الله، كان الإيمان به وتعظيمه وتوقيره من دلائل الإيمان وأصوله وأركانه، والطعن فيه خروج عن مقتضى الإيمان، وطعن فيما جاء به من الدين.
الحديث يدل على عدم وجوب الاستتابة في هذه الحالة، فإن الرجل قتلها مباشرة دون أن يستتيبها، فيكون سب النبي ﷺ خاصًا من عموم الأدلة الدالة على وجوب الاستتابة.قال ابن تيمية: (وهذه المرأة إما أن تكون زوجة لهذا الرجل أو مملوكة له، وعلى التقديرين فلو لم يكن قتلها جائزًا لبيَّن النبي ﷺ له أن قتلها كان محرمًا، وأن دمها كان معصومًا، فلما قال: «اشهدوا أن دمها هدر» -والهدر الذي لا يضمن ولا دية ولا كفارة- علم أنه كان مباحًا مع كونها ذمية، فعلم أن السب أباح دمها، لا سيما والنبي ﷺ إنما أهدر دمها عقب إخباره بأنها قتلت لأجل السب، فعلم أنه الموجب لذلك، والقصة ظاهرة الدلالة في ذلك) [8].