حجم الخط:

محتوى الدرس (137)

درء الحدود بالشبهات:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: 6].

أمرنا الله بالتبين، وعليه فلا حد بمجرد الشبهات؛ لأن هذا من الجهالة وهو فعل الزائغين نعوذ بالله من الجهالة والزيغ.

[الأحاديث]

1228- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ادْفَعُوا الـحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا»، أخرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف. [وضعَّفه البوصيري في مصباح الزجاجة (409)].

وأخرجه الترمذي والحاكم، من حديث عائشة رضي الله عنها، بلفظ: «ادْرَأُوا الْـحُدُودَ عَنْ الْـمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، وهو ضعيف أيضًا. ورواه البيهقي عن علي من قوله بلفظ: «ادْرَأُوا الْـحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ». [الحديث ضعيف، ينظر: كشف الخفاء (1/ 73)].

1229- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «اجْتَنِبُوا هَذِهِ القَاذُورَاتِ التِي نَهَى الله تَعَالَى عَنْهَا، فَمَنْ ألمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ الله تَعَالَى، وَليَتُبْ إِلَى الله تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ الله عز وجل»، رواه الحاكم، وهو في الموطأ من مراسيل زيد بن أسلم. [رجَّح الإرسال الشافعي في الأم (7/ 368)، والدارقطني في العلل (6/ 386)، وابن عبد البر في التمهيد (3/ 783)].

سبب ورود حديث ابن عمر الأخير:

سببه: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قام المصطفى ﷺ بعد رجم الأسلمي... فذكره[1].

التوضيح:

- مدفعًا: شيئًا تدفعون الحدَّ به تأويلًا، من شبهة أو نحوها.

- الشبهات: يقال: اشتبه الأمر: خفي والتبس، فالشبهة: التباس الأمر بالثبوت وعدمه، ويجمع على: شُبَه، وشُبُهَات.

- القاذورات: جمع قاذورة، وهي كل قول أو فعل يُستفحش ويُستقبح، والمراد هنا فاحشة الزنا.

- فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ: أي من يظهر لنا فعله الذي حقه الستر والإخفاء مما يوجب الحدّ.

- كِتَابَ الله: أي الحدّ الذي شرعه الله في كتابه، والسنة من الكتاب.

الدلالات الفقهية:

1 - في الروايات دليل على أنه يجب درء الحدود والقصاص بالشبهات، وهذا أصل عظيم عند تنزيل الأحكام على الأقضية الجنائية من الحدود والقصاص، فلا يؤخذ الإنسان إلا بثبوت فعل الخطيئة ببينة عادلة، أو قرينة قاطعة [2]. قال السعدي: (يدل الحديث على أن الحدود تدرأ بالشبهات. فإذا اشتبه أمر الإنسان وأشكل علينا حاله، ووقعت الاحتمالات: هل فعل موجب الحد أم لا؟ وهل هو عالم أو جاهل؟ وهل هو متأول معتقد حله أم لا؟ وهل له عذر عقد أو اعتقاد؟ درئت عنه العقوبة، لأننا لم نتحقق موجبها يقينًا)[3]. ولو تردَّد الأمر بين الأمرين، فالخطأ في درء العقوبة عن فاعل سببها أهون من الخطأ في إيقاع العقوبة على من لم يفعل سببها؛ فإن رحمة الله سبقت غضبه، وشريعته مبنية على اليسر والسهولة.

2 - إن لم يثبت الحد لم يحلّ أن يقام بشبهة؛ يقول شيخ الإسلام: (فإذا دار الأمر بين أن يخطئ فيعاقب بريئًا، أو يخطئ فيعفو عن مذنب، كان هذا الخطأ خير الخطأين، أما إذا حصل عنده علم أنه لم يعاقب إلا مذنبًا، فإنه لا يندم، ولا يكون فيه خطأ)[4].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - دل الحديث على رغبة الشارع الحكيم من المذنب أن يستر نفسه، ويتوب عن الذنب فيما بينه وبين ربه، والله سبحانه غفور رحيم: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى: 25].

2 - وفي حديث ابن عمر دليل على أنه يجب على من ألمّ بمعصية أن يستتر، ولا يفضح نفسه بالإقرار، ويبادر إلى التوبة، فإن أبدى صفحته للإمام وجب على الإمام إقامة الحد[5].

وهذا من محاسن الدين؛ فليس المقصود من إقامة الحدود التجسس على الناس وتتبع عوراتهم وإلصاق التهم بهم، إنما المقصود هو قمع كل بادرة تطفو على السطح وكل جريمة تظهر بيقين ودون شُبهة؛ كل ذلك حماية للأعراض ولئلا تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويفسد الناس بفشوّ المنكرات وظهورها في المجتمعات، وسهولة الوقوع فيها، وإلا فالأصل في الأعراض البراءة، والأصل في العبد أن يراقب ربه، وأن يتوب فيما بينه وبين مولاه.

طريقة الاستدلال:

الحديث المروي في درء الحدود بالشبهات وإن كان ضعيفًا من جهة السند فهو متفق على معناه، وتلقته الأمة بالقبول[6]، وقد نقل الإجماع عليه ابن المنذر وغيره[7]. والقاعدة أن: الحدود مبناها على الإِسقاط والدرء بالشبهات. والقاعدة أن: الشبهة كالحقيقة فيما يندرئ بالشبهات[8].

بابAdobe Systems حد القذف

[أحكام القذف]

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ٤ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٥ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ٦ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [النور:4- 7]. اتفق أهل العلم على أن المراد بالإحصان في هذه الآية: العفاف والإسلام والحرية؛ قال النووي في شرح مسلم: (لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنْ يُعَزَّرُ قَاذِفُهُ لِأَنَّ العبد ليس بمحصن). اهـ

وقال الله تعالى عن المملوكات: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء: 25]؛ الإحصان هنا بالنسبة للمملوكات هو الزواج، وقد استدل العلماء بهذه الآية على تنصيف حد القذف إذا وجب على مملوك وقاسوه على حد الزنا بجامع الملك.

[الأحاديث]

1230- عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لمَّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى الـمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا القُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا الْـحَدَّ»، أخرجه أحمد والأربعة، وأشار إليه البخاري. [تفرَّد به محمد بن إسحاق، واختُلِف عليه في وصله وإرساله].

1231- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أَوَّلُ لِعَانٍ كَانَ فِي الإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ بْنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِاِمْرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ: «البَيِّنَةَ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ»، الحديث أخرجه أبو يعلى، ورجاله ثقات. [وأصله في مسلم (3751)] وفي البخاري نحوه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

1232- وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: «لَقَدْ أَدْرَكَتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَمِنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ الـمَمْلُوكَ فِي القَذْفِ إِلَّا أَرْبَعِينَ»، رواه مالك والثوري في جامعه. [سنده صحيح].

1233- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَذْفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْـحَدُّ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ»، متفق عليه.

التوضيح:

- القذف: هو الرمي بزنا، أو لواط، أو شهادة بأحدهما، ولم تكتمل البينة.

- فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ: الرجلان هما حسان ومسطح، والمرأة هي حمنة بنت جحش.

- الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ: أي أقم البينة، وإن لم تقم البينة ثبت الحد في ظهرك.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث عائشة دليل على مشروعية حد القذف، وهو ثابت لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً الآية [النور: 4].

2 - ألفاظ القذف منها ما هو صريح، ومنها ما هو كناية، فإذا قال: يا زاني، أو يا من يعمل عمل قوم لوط، أو يا عاهر؛ وجب الحد، وهذا صريح القذف؛ لأن ذلك لا يحتمل غير القذف بما ذكر، والكناية مثل: فضحتِ زوجك، أو نكّست رأسه، أو: يا قحبة، أو: يا خبيثة، ونحو ذلك، وهذه لا تعتبر قذفًا إلا مع قرينة تدل على المراد[9].

3 - وفي حديثي أنس وابن عباس دليل على أن الرجل إذا قذف امرأته البالغة العاقلة الحرة العفيفة المسلمة بالزنا، لزمه الحد إن لم يلاعن، ولم يأت ببينة تثبت ما قذفها به، سواء صرح برؤيته لها تزني أو لا[10].

4 - الزوج إذا لاعن تخلَّص من حد القذف؛ وذلك أن الرجل إذا رأى الفاحشة في زوجته لا يتمكن من السكوت، كما لو رآه من الأجنبية؛ لأن هذا عار عليه وفضيحة له، وانتهاك لحرمته، وإفساد لفراشه، فلا يقدم على قذف زوجته إلا مَن تحقق؛ لأنه لن يقدم عليه إلا بدافع من الغيرة الشديدة؛ إذ إن العار واقع عليهما، فيكون هذا مقويًا لصحة دعواه[11].

5 - في أثر عبد الله بن عامر دليل على ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن حد الرقيق نصف حد الحر، وذلك أنه لما كان حد القذف الجلد؛ فهو يتنصَّف، فوجب تنصيفه، كحد الجلد في الزنا[12].

6 - وفي حديث أبي هريرة إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا، وهذا مجمع عليه، لكن يعزر قاذفه؛ أما في حكم الآخرة فيستوفى له الحد من قاذفه؛ لاستواء الأحرار والعبيد في الآخرة[13].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1- من مقاصد الإسلام حماية العرض، ومن أجل ذلك شرع حد القذف، الذي يقطع ألسنة السوء، ويسدّ الباب على من أراد أن يَلِغَ في أعراض المؤمنين، ويحذر من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا؛ لأن الذي يتعود على سماع القذف لا يتحرج من فعل الفاحشة؛ لأنه يسمع الاتهام بها، وتتداولها الألسن من غير نكير، فلا يتأثر منها، فيتبلد إحساس المجتمع، ويتطبع بها، ويستهين بهذا الفعل، على عكس ما لو عوقب على مجرد تلك الكلمة القبيحة، ولهذا قال الله تعالى عقيب حكم القذف: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النور: 19].

2 - قال ابن القيم في حكمة جلد قاذف الحر دون العبد: (وأما حدُّ قاذفِ الحُرِّ دون العبد فتفريقٌ بشَرْعه بين ما فرق الله بينهما بقدره، فما جعل الله سبحانه العبد كالحر من كل وجه لا قدرًا ولا شرعًا، وقد ضرب الله سبحانه لعباده الأمثال التي أخْبر فيها بالتفاوت بين الحر والعبد، وأنهم لا يرضون أن تساويهم عبيدُهم في أرزاقهم، فالله سبحانه وتعالى فضَّل بعض خلقه على بعض، وفضَّل الأحرار على العبيد في الملك وأسبابه والقدرة على التصرف، وجعل العبدَ مملوكًا والحُرَّ مالكًا، ولا يستوي المالك والمملوك، وأما التسوية بينهما في أحكام الثواب والعقاب فذلك مُوجَب العدْل والإحسان؛ فإنه يوم الجزاء لا يبقى هناك عبد وحر ولا مالك ومملوك)[14].

طريقة الاستدلال:

1 - دلَّ القياس على أن حد العبد القاذف أربعون جلدة؛ لأن حد القذف جلدٌ، وقد تنصَّف في حد الزنا؛ فوجب تنصيفه كذلك في حد القذف، وهو ما فهمه كبار الصحابة، وأطبقوا على تطبيقه بدون نكير.

2 - دلَّ مفهوم الوصف بالإحصان على عدم وقوع حد القذف على من قذف العبد، فقد قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً الآية [النور: 4]، فجعلت الآية الحد لقاذف المحصنة، وشرط الإحصان الحرية.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة