حجم الخط:

محتوى الدرس (153)

شروط الأضاحي:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة: 267]. قال ابن كثير: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُمْ بِالْإِنْفَاقِ مِنْ أَطِيبِ المَالِ وَأَجْوَدِهِ وَأَنْفَسِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّصَدُّقِ بِرُذَالَةِ المَالِ ودَنيه -وَهُوَ خَبِيثُهُ -«فَإِنَّ اللهَ طَيْب لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»).

[الأحاديث]

1364- عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قَامَ فِينَا رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا: العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالـمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا وَالكَسِيرَةُ التِي لَا تُنْقِي»، رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذي وابن حبان. [استحسنه الإمام أحمد فيما نقله المزي في تهذيب الكمال (12/ 33)، وصحَّحه الحاكم في المستدرك (1739)، والنووي في المجموع (8/ 399)].

1365- وعن عليٍّ قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ وَالأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا ثَرْمَاءَ»، أخرجه الخمسة، وصحَّحه الترمذي وابن حبان والحاكم. [أَعَلَّ المرفوع البخاري في التاريخ الكبير (4/ 229)، والدارقطني في العلل (1/398)، وغيرهما].

1366- وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ»، رواه مسلم.

1367- وعن عليّ رضي الله عنه قال: «أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ أَقُوْمَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أُقَسِّمَ لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا عَلَى المَسَاكِينِ، وَلَا أُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا»، متفق عليه.

التوضيح:

- العَوْرَاءُ: من ذهب بصر إِحدى عينيها.

- وَالـمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا: هي ذات المرض الذي يعيب اللحم.

- البَيِّنُ ظَلْعُهَا: أي الظاهر عرجها، واعوجاجها.

- وَالكَسِيرَةُ: التى لا تقوم ولا تنهض من الضعف.

- التِي لَا تُنْقِي: التي لا نِقْي لها، وهو مخ العظم.

- نَسْتَشْرِفَ: أي نشرف عليها ونتأملها؛ لئلا يقع نقص وعيب.

- وَلَا مُقَابَلَةٍ: هي ما قطع من طرف أذنها شيء، ثم بقي معلقًا.

- وَلَا مُدَابَرَةٍ: هي ما قطع من مؤخر أذنها شيء، وترك معلقًا.

- وَلَا خَرْقَاءَ: المشقوقة الأذنين، وفي رواية «خَرْمَاء».

- وَلَا ثَرْمَاءَ: وهو سقوط الثني من الأسنان، وهذا العيب ينقص من أكلها فتضعف.

- مُسِنَّةً: ما لها سنتان تامتان.

- جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ: هو ما كمل سنة، ودخل في الثانية، وقيل: الجذع من الضأن: ما تم له ستة أشهر.

الدلالات الفقهية:

1 - قال النووى -رحمه الله-: (وأجمعوا أن العيوب الأربعة المذكورة فى حديث البراء لا تجزئ التضحية بها، وكذا ما كان فى معناها أو أقبح منها؛ كالعمى وقطع الرجل وشبهه)[1].

2 - وفيه دليل على أن العيوب اليسيرة التي لا تنقص اللحم، ولا تؤثر فيه: لا تمنع الإجزاء. أما ما كان عيبه فاحشًا بحيث يؤثر في طيب اللحم وينقصه؛ فإنه يكون مانعًا من الإجزاء.

لكن كلما كانت الأضحية أسلم من العيوب وأسمن وأكمل، كانت أفضل.

3 - وفي حديث عليّ رضي الله عنه دليل على المنع من التضحية بالمقابلة التي شقت أذنها من الأمام عرضًا، والمدابرة التي شقت أذنها من الخلف عرضًا، والخرقاء التي خرقت أذنها، والثرماء التي سقطت ثنيتها، ولكن الحديث ضعيف لا تقوم به الحجة، فالراجح أن الضابط ما سبق: أن ما كان من العيوب مؤثرًا في اللحم يمنع الإجزاء، وما لا يؤثر لا يمنع.

4 - وفي حديث جابر دليل على أنه لا يجزئ الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال، وهذا مجمع عليه على ما نقل القاضي عياض. وأما الجذع من الضأن فمذهب العلماء كافة أنه يجزئ، سواء وجد غيره أم لا، وحملوا الحديث على الاستحباب؛ لحديث أم بلال أن رسول الله قال: «ضحوا بالجذع من الضأن»[2]، وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه: «ضحينا مع رسول الله بجذع من الضأن»[3]، والجذع هو ما تم له ستة أشهر، وهو مذهب الحنفية والحنابلة[4].

5 - لا يجزئ غير الثني في غير الضأن، وهذا مجمع عليه[5]، والثني من المعز هو ما تم له سنة، والثني من البقر: ما تم له سنتان، والثني من الإبل: ما تم له خمس سنين.

6 - وفي حديث عليّ دليل على أن المكلف إذا استأجر شخصًا لذبح الأضحية أو الهدي، أنه لا يعطيه الأجرة من لحمها، وهذا متفق عليه[6].

7 - ولا يجوز للمضحي بيع جلد الأضحية، ولا شيئًا من أجزائها؛ ككبد، أو رأس، أو كرش، ويجوز له الانتفاع بها، كما لو دبغ الجلد وانتفع به[7].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

الأفضل أن تكون الأضحية، والهدي، والعقيقة على أحسن الصفات، وأجمل الهيئات، وأن تكون بعيدة عن عيب تكون معه غير مجزئة، رغبة في استحسانها وجمالها؛ لأنها عبادة وقربة، وقد قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة:267]، وقال تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران:92][8].

طريقة الاستدلال:

1 - قوله: «البيّن عورها..، وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا»: مفهومه: أنه يعفى عما إذا كان الذاهب قليلًا، كالثلث فما دونه، وكذا في العرج، فالعرجاء إذا تأخرت عن الغنم لأجل العرج فهو عرج بيّن، وإلا فلا[9].

2 - حديث البراء فيه دلالة على أن المانع من إجزاء التضحية هو هذه الأربعة العيوب لا غيرها، وإن كان أشد منها، وقد ذهب إلى هذا الظاهرية، وقوفًا على ظاهر الحديث، وذهب الجمهور إلى أنه يقاس عليها ما كان أشد منها من العيوب، أو مساويًا بالقياس؛ وذلك كالعمياء ومقطوعة الساق ونحوهما.

3 - مفهوم حديث عليّ رضي الله عنه يدل على أن ما كان بأذنه أو قرنه خرق أو شق، أو قطع يسير؛ أنه يجزئ. ولكن الحديث ضعيف - كما سبق - فيكون الضابط: أن العيوب التي تؤثر في اللحم تُمنع، والتي لا تؤثر لا تُمنع.

الاشتراك في الأضحية والهدي:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الحج: 36].

[الأحاديث]

1368- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «نَحَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الـحُدَيْبِيَةِ: البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ»، رواه مسلم.

الدلالات الفقهية:

1 - في الحديث دليل على جوز الاشتراك في الأضحية إذا كانت من الإبل أو البقر، وأما الشاة فلا يجوز الاشتراك فيها، والقول بأن البدنة والبقرة يجزيان عن سبعة هو مذهب الجمهور[10].

2 - تجزئ البدنة والبقرة عن سبعة، سواء كانوا من أهل بيت واحد أو من بيوت متفرقين، وسواء كان بينهم قرابة أو لا؛ لأن النبي ﷺ أذن للصحابة في الاشتراك في البدنة والبقرة؛ كل سبعة في واحدة ولم يفصل ذلك[11].

باب العقAdobe Systemsيقة

[أحكام العقيقة]

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [النحل: 72]؛ فقد سمى الله الولد نعمة تستحق الشكر، قال ابن القيم: (كمَا فدى الله سُبْحَانَهُ إِسْمَاعِيل الذَّبِيح بالكبش... فالذبيحة عَن الْوَلَد فِيهَا معنى القربان...شكرًا لله وَإِظْهَارًا لنعمته الَّتِي هِيَ غَايَة الْمَقْصُود من النِّكَاح، فَإِذا شرع الْإِطْعَام للنِّكَاح الَّذِي هُوَ وَسِيلَة إِلَى حُصُول هَذِه النِّعْمَة فَلأَن يشـرع عِنْد الْغَايَة الْمَطْلُوبَة أولى وَأَحْرَى)[12].

[الأحاديث]

1369- عن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ، وَيُسَمَّى»، رواه الخمسة، وصحَّحه الترمذي. [قال الإمام أحمد فيما نقله ابن قدامة في المغني (13/359): (إسناده جيد)].

1370- وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَّ عَنْ الـحَسَنِ وَالـحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا»، رواه أبو داود وصحَّحه ابن خزيمة وابن الجارود وعبد الحق، لكن رجَّح أبو حاتم إرساله. [وكذا ابن الجارود في المنتقى (926)] وأخرج ابن حبان: من حديث أنس نحوه. [أعله أبو حاتم الرازي في العلل (1631)].

1371- وعن عائشة رضي الله عنها: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَمْرَهُمْ أَنْ يُعَقَّ عَنْ الغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنْ الـجارِيَةِ شَاةٌ». رواه الترمذي وصحَّحه.

التوضيح:

- العقيقة: هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم سابعه شكرًا لله سبحانه وتعالى على نعمة الولد؛ ذكرًا كان أو أنثى.

- مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ: أي فالعقيقة سبب لفك رهانه من الشيطان الذي يعلق به من حين خروجه إلى الدنيا.

- شاتان مكافئتان: أي متساويتان.

الدلالات الفقهية:

1 - في الأحاديث دليل على مشروعية العقيقة، وهي سنة عند جمهور العلماء[13].

2 - وفي حديث سمرة أن السنة أن تذبح العقيقة عن المولود في اليوم السابع من ولادته، ونسبه ابن المنذر إلى عامة أهل العلم[14].

3 - أجاز الشافعية والحنابلة ذبح العقيقة قبل اليوم السابع من الولادة، وقالوا بأن التقييد بالسابع للاستحباب[15]، والراجح ما ذهب إليه الحنفية والمالكية من أنه لا يجوز ذبح العقيقة قبل السابع؛ لمخالفته للنص.

4 - ودلَّ حديثا ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم على أنّ السنة أن يُذبح عن الغلام شاتان، وعن المرأة شاةٌ واحدة، وبه قال الشافعية والحنابلة[16].

5 - اكتفى المالكية بحديث ابن عباس، فقالوا: السنة عن الغلام شاة واحدة فقط، قال ابن حجر: (هذه الأحاديث حجة للجمهور في التفرقة بين الغلام والجارية، وعن مالك هما سواء فيعق عن كل واحد منهما شاة، واحتج بحديث ابن عباس، ولا حجة فيه، فقد أخرجه أبو الشيخ من وجهين آخرين بلفظ: «كبشين كبشين». وعلى تقدير ثبوت رواية أبي داود، فليس في الحديث ما يرد به الأحاديث الواردة في التنصيص على التثنية للغلام، بل غايته أن يدل على جواز الاقتصار، وهو كذلك، فإن العدد ليس شرطًا، بل مستحب)[17].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - جعل الله سبحانه النسيكة عن الولد سببًا لفك رهانِه من الشيطان الذي يعلق به من حين خروجه إلى الدنيا ويطعن في خاصرته... فكان المولود بصدد هذا الارتهان، فشـرع الله سبحانه للوالدين أن يفكا رهانه بذبحٍ يكون فداه، فإذا لم يذبح عنه بقي مرتهنًا به[18].

2 - قال ابن القيم: (ذبح العقيقة أفضل من الصدقة بثمنها؛ لأنها سنة، ونسيكة مشـروعة بسبب تجدد نعمة الله على الوالدين؛ ففيها معنى القربان، والشكران، والصدقة، والفداء، وإطعام الطعام عند السرور، فإذا شرع الإطعام عند النكاح، فلأن يشـرع عند الغاية المطلوبة منه، وهو وجود النسل أولى)[19].

3- الحكمة في تمييز الذكر عن الأنثى أن العقيقة هي نسيكة شكر الله تعالى على نعمة تجدد المولود، ولما كان الذكر أعظم نعمة، وامتنانًا من الله تعالى، كان الشكر عليه أكثر، فصار له شاتان، وللجارية شاة. قال ابن القيم: (التفضيل تابع لشرف الذكر، وما ميزه الله به عن الأنثى، ولما كانت النعمة به أتم، والسرور به أكمل، فكان الشكر عليه أكثر)[20].

طريقة الاستدلال:

1 - دلَّ على أن الأمر بالعقيقة للاستحباب: قول النبي ﷺ: «من ولد له ولد، فأحب أن يُنسك عنه، فليفعل عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة»[21]، ففي قوله: «فأحب أن يُنسك عنه» دليل ظاهر على عدم وجوب العقيقة خلافًا لما ذهب إليه الظاهرية.

2 - لا يجوز ذبح العقيقة قبل السابع؛ لأنه خلاف النص، فقوله: «تُذبح عنه يوم سابعه» فيه تحديد لوقتها، فلا تشرع قبله[22].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة