حجم الخط:

محتوى الدرس (148)

باب Adobe Systemsالسبق والرمي

أنواع السباق وأحكامها:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:90- 91]. فبيَّن الله تعالى أن الميسر الذي هو القمار محرَّم، ويدخل فيه الرهان في السباق والمخاطرة على مال ونحوه. والتحريم يشمل كل سباق فيه قمار من أطراف السباق إلا ما كان لله تعالى كما سيأتي.

والسباق يكون على حالات:

أ. سباق بلا رهان أو جُعل، وهذا جائز في الأصل بالإجماع.

ب. سباق على رهان تبرع به طرف خارج عن أطراف السباق، وهذا أيضًا جائز، وهاتان الصورتان تبقيان على الجواز ما لم تصدا عن ذكر الله، أو يصِلا إلى مرحلة الإدمان، أويُحدثا بغضاء.

ج. سباق على جُعل (رهان) من الطرفين أو من أحدهما وهذا محرم إلا ما يدخل تحت قول الله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال: 60] فإنه جائز، لأنه استعداد للجهاد في سبيل الله، أو في العلم والدعوة وما في معنى ذلك، ووجه جوازه هو قول تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: 111]. قال ابن تيمية: (كما أن بذل المال لما فيه من إعلاء كلمة الله ودين الله هو من الجهاد الذي أمر الله سبحانه ورسوله به، سواء كان فيه مخاطرة أو لم يكن؛ فإن المجاهدة في سبيل الله عز وجل فيها مخاطرة قد يَغلب وقد يُغلب)[1]، وقال: (وهذا فعَله الصديق رضي الله عنه وأقره عليه رسول الله ولم ينكره عليه، ولا قال: هذا ميسر وقمار...وقد ظن بعضهم أن هذا قمار لكن فِعله هذا كان قبل تحريم القمار، وهذا إنما يقبل إذا ثبت أن مثل هذا ثابت فيما حرمه الله من الميسـر، وليس عليه دليل شرعي أصلًا، بل هي مجرد أقوال لا دليل عليها، وأقيسة فاسدة يظهر تناقضها لمن كان خبيرًا بالشرع، وحل ذلك ثابت بسنة رسول الله حيث أقر صِدِّيقه على ذلك)[2].

[الأحاديث]

1327- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «سَابَقَ النَّبِيَّ ﷺ بِالخَيْلِ التِي قَدْ أُضْمِرَتْ، مِنْ الـحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ. وَسَابَقَ بَيْنَ الـخَيْلِ التِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ اِبْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ»، متفق عليه. زاد البـخاري: قال سفيان: «مِنْ الـحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةَ، وَمِنْ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيل».

1328- وعنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَبَّقَ بَيْنَ الـخَيْلِ، وَفَضَّلَ القُرَّحَ فِي الغَايَةِ»، رواه أحمد وأبوداود، وصحَّحه ابن حبان. [أصله في الصحيحين، كما سبق، والجملة الأخيرة أعلها العقيلي في الضعفاء (4114)، والدارقطني في العلل (1/ 90)].

1329- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ»، رواه أحمد والثلاثة، وصحَّحه ابن حبان. [وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/746)، وابن دقيق العيد فيما نقله ابن حجر في التلخيص الحبير (6/3091)].

1330- وعنه عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَدْخلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ»، رواه أحمد وأبو داود، وإسناده ضعيف. [وضعَّفه ابن معين فيما نقله ابن حجر في التلخيص الحبير (6/3097)، وغيره، ينظر: (الفروسية) لابن القيم (1/152)].

التوضيح:

- السَّبْقُ: بسكون الباء: مصدر سَبَقَ، بمعنى المسابقة وبلوغ الغاية قبل غيره، والسَّبَقُ: بفتح الباء: العوض والجُعْل، وهو ما يتراهن عليه المتسابقون، فمن سبق أخذه.

- أُضْمِرَتْ: من التضمير، وهو أن يكثر لها العلف حتى تسمن، ثم لا تعلف إلا قوتها لتخف، وقيل: هو أن تشد عليها سروجها، وتجلل بالأجلة حتى تعرق، فيذهب رهلها، ويشتد لحمها.

- من الحفياء: مكان خارج المدينة.

- وكان أمدها: أي غايتها.

- ثنية الوداع: محل قريب من المدينة، وسميت بذلك لأن الخارج من المدينة يمشـي معه المودعون إليها.

- القُرَّحَ: القارح من ذي الحافر: ما استتم الخامسة، وسقطت سنه التي تلي الرباعية، ونبت مكانها نابه.

- لا سَبَقَ: أي: لا أخذ للعوض إلا في الثلاثة المذكورة تاليًا.

- الخف: البعير.

- النصل: السهم.

- الحافر: الفرس.

الدلالات الفقهية:

1 - في الأحاديث دليل على مشروعية السباق، وأنه ليس من العبث، بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو، والانتفاع بها في الجهاد، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك.

2 - وفيه دليل على جواز تضمير الخيل المعدة للجهاد، وقيل: إنه يستحب[3].

3 - وفيه جواز المسابقة بين الخيل، وتدريبها ورياضتها، وتمرنها على الجري واعدادها لذلك؛ لينتفع بها عند الحاجة في القتال كرًّا وفرًّا.

4 - يشترط في المسابقة بالحيوان مع العلم بالمال المشروط: تحديد المسافة؛ وذلك بأن يكون لابتداء عدوهما وآخره غاية لا يختلفان فيها؛ لأن الغرض معرفة أسبقهما، ولا يعلم ذلك إلا بتساويهما في الغاية [4].

5 - المسابقات والمغالبات بالنسبة إلى أخذ العوض ثلاثة أقسام:

الأول: قسم يجوز بلا عوض ولا يجوز بعوض، وهذا هو الأصل وهو الأغلب، ويدخل في هذا المسابقة على الأقدام والمصارعة وحمل الأثقال، فهذا يحرم أكل المال فيه حتى لا يتخذ عادة وصناعة ومتجرًا، وأبيح بدون مال لما فيه من إجمام للنفس وترويح لها، وتقوية للبدن.

الثاني: لا يجوز مطلقًا لا بعوض ولا بغير عوض، ويدخل في ذلك كل مسابقة فيها مفسدة راجحة على المنفعة، كالنَّرْد، والشطرنج، وكل مغالبة ألهت عن واجب، أو أدخلت في محرم، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الاتفاق على تحريم كل ما اشتمل على ترك واجب أو فعل محرم[5].

الثالث: يجوز مطلقًا بعوض وبلا عوض، وهو ما فيه مصلحة راجحة، كالرمي، والسباق بالخيل والإبل، لصريح الحديث في جواز ذلك[6].

6 - وفي حديث أبي هريرة دليل على عدم جواز أخذ عوض إلا في الثلاثة المذكورة [7].

7 - وفي الحديث الأخير بيان حكم المحلِّل، والمحلِّل: اسم فاعل من حَلَّلَ: أي جعله حلالًا، لأنه حلل الجعل بدخوله، والمقصود به هنا: الفرس الثالث من خيل الرهان، وذلك بأن يضع الرجلان رهنين بينهما، ثم يأتي رجل سواهما فيرسل معهما فرسه، ولا يضع رهنًا.

فالمتسابقان إن أخرجا العوض معًا، فإنه لا يجوز؛ لأنه من القمار؛ لأن كل واحد منهما إما أن يغنم وإما أن يغرم، وهذا هو القمار المحرَّم، فإذا أدخلا بينهما محلِّلًا، فقد دلَّ الحديث على جواز بذل العوض من المتسابِقَيْن[8].

8 - يرى شيخ الإسلام وابن القيم أنه يجوز بذل الجعل من كلا المتسابقين ولو بدون محلِّل [9]؛ لعدم ثبوت الأحاديث الواردة باشتراط المحلِّل؛ إذ إن إخراج الجعل من الطرفين قمار في الأصل، ولكنه في هذه المسألة ليس قمارًا محرمًا، بل هو مستثنى منه؛ لأن فيه مصلحة، وهي التمرن على آلات القتال، وهي مصلحة عظيمة تنغمر فيها المفسدة التي تحصل بالميسر[10].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

في الأحاديث مراعاة الشريعة لمصالح الناس ولما فيه نفع للأمة، وعنايتها بكل ما من شأنه تقوية لشوكة المسلمين وعون لهم على القوة وإعداد العدة، هذا مع تحذيرها مما يسبب العداوة بين الناس؛ كالقمار ونحوه، فلم يجز السباق إلا فيما عُلم من الشـرع مما له هدفٌ سامٍ ومصلحته راجحة ومفسدته منتفية غالبًا.

طريقة الاستدلال:

1 - قوله: «لا سَبَقَ» نكرة في سياق النفي، فيكون أخذ العوض في المسابقات حرام، ثم استثنى من ذلك تلك الثلاث المذكورة، فيكون أكل المال بهذه الثلاثة مستثنى من جميع أنواع المغالبات.

2 - نصَّ الحديث على الإبل والخيل والنصل، وهي آلات الحرب في ذلك الزمن، فيقاس عليها، ويدخل في معناها آلات الحرب الحديثة؛ لوجود المعنى في كلٍّ منها.

3 - دلَّ قياس الأولى على جواز المراهنات فيما يتعلق بالعلم، قال ابن القيم: (فإذا جازت المراهنة على آلات الجهاد، فهي في العلم أولى بالجواز، وهذا القول هو الراجح)[11].

أهمية الرمي وتعلمه:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ [الأنفال: 60] أمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يستعدوا للحرب التي علموا أن لا مندوحة عنها لدفع العدوان والشر، ولحفظ النفس، ورعاية العدل، والفضيلة؛ وذلك بإعداد جميع أسباب القوة لها بقدر الاستطاعة، ومن المعلوم بداهة أنَّ ذلك يختلف باختلاف كل زمان ومكان بحسبه.

[الأحاديث]

1331- عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سَمِعْتَ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ عَلَى الـمِنْبَرِ يَقْرَأُ: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] الآية، «ألا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ»، رواه مسلم.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - حثَّ النبي ﷺ المؤمنين على الرمي، وأشار إلى أنه هو القوة، ولعل النبي ﷺ أراد أنها أنكى أنواع القوة، وأشدها تأثيرًا في الحرب[12]، وهذه معجزة نبوية، حيث صارت هي السلاح السائد والقوة المستخدمة في الحروب كلما تقدم العلم وتطورت الأمم.

2 - الواجب على المسلمين في هذا العصـر بنص القرآن صنع المدافع بأنواعها والدبابات، والطيارات، والمناطيد، وإنشاء المراكب الحديثة بأنواعها، ومنها الغواصات، ويجب عليهم تعلم الفنون، والصناعات التي يتوقف عليها صنع هذه الأشياء، أو غيرها من قوى الحرب؛ بدليل: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)[13]، وإنها بليةٌ عظيمة ومصيبة كبيرة على المسلمين كونهم أصبحوا في سلاحهم عالةً على أعدائهم!

طريقة الاستدلال:

تفسير النبي ﷺ هنا للآية ليس فيه ما يدل على التخصيص، وإنما مراده التمثيل لأهم قوة، فعندما مثَّلَ للقوة ذكر أعلى القوة وأشدَّها[14]، وهو قريب من قوله ﷺ: «الحج عرفة»[15].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة