حجم الخط:

محتوى الدرس (7)

المبحث العاشر: حرب الفِجَار

سميت الحرب التي دارت بين كنانة وقريش من جهة، وقيس عيلان من جهة أخرى بحرب الفِجَار، لأنهم استحلوا المحارم بينهم كما ذكر ابن حجر [في الفتح]. وكان سببها تافهًا، لم يَعْدُ قتل رجل من قريش، تداعى بعده الأحلاف للقتال، كما ذكر ابن هشام [في السيرة].

ذكر ابن إسحاق [في السيرة] أن هذه الحرب عندما هاجت كان لرسول الله عشرون سنة. وقال ابن هشام إنها هاجت ولرسول الله أربع عشـرة سنة أو خمس عشرة سنة، وأن رسول الله شهد بعض أيامهم مع أعمامه، وقال: «كنت أنبل على أعمامي» - أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها.

ولما كانت حرب الفجار قد استمرت زمنًا طويلًا فيمكن الجمع بين قولي ابن إسحاق وابن هشام بأن عمر الرسول كان في مبتدئها نحو خمس عشـرة سنة، ولذا كان ينبل على أعمامه. وعند انتهائها كان عمره عشرين سنة.

ومما يلفت النظر أنه لم يرد ذكر لاشتراك الرسول مباشرة في هذه الحرب وقد كان بلغ سن القتال، كما في رواية ابن إسحاق المذكورة. وعلل السهيلي ذلك لأنها كانت حرب فجار بين كفار، ولم يأذن الله تعالى لمؤمن أن يقاتل إلا لتكون كلمة الله تعالى هي العليا.

قلت: لو صح حديث نبله على أعمامه، فهو دليل على اشتراكه في الحرب اشتراكًا رمزيًا غير مباشر، ويمكن تفسيره بأن الرسول اشترك بهذه الكيفية في الدفاع عن المقدسات والمحارم، وخاصة أن قيس عيلان هي المعتدية، وهذا من القيم الإنسانية العليا التي اهتم بها الرسل والمصلحون، أي نصرة المظلوم.

المبحث الحادي عشر:

شهوده حلف الفضول أو المطيبين

[المطيبون: هاشم، وزهرة، ومخزوم. قاله بعض رواة حديث أبي هريرة عند البيهقي في الدلائل (2/38)]. وقال البيهقي: (كذا روي هذا التفسير من رجال الحديث، ولا أدري قائله...) وقد سبق القول: إن ابن إسحاق [ابن هشام 1/ 179- 181]، أشار إلى حلف المطيبين، وهو اختلاف قريش بعد قصي: بني عبد مناف ومن حالفهم، وبني عبد الدار ومن حالفهم... فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبًا عند الكعبة... ثم غمس القوم أيديهم فيها، فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدًا على أنفسهم فسموا بالمطيبين. وتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة على أن لا يتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضًا لعدو، فسموا الأحلاف...

روى أحمد [في المسند بسند صحيح] أن الرسول قال: «شهدت حلف المُطَيَّبِين مع عمومتي وأنا غلام، وما أحب أنَّ لي حمر النعم وأني أنكثه». وقال في رواية البيهقي [في الدلائل بسند قوي]: «ما شهدت حلفًا لقريش إلا حلف المطيبين، وما أحب أن لي حمر النعم وأني كنت نقضته».

قال البيهقي [في دلائله] معلقًا على هذا الحديث: (زعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول، فإن النبي لم يدرك حلف المطيبين». والراجح عندي قول أهل السير.

والبيهقي نفسه يقول في السنن الكبرى إن الرسول لم يدرك حلف المطيبين).

ذكر ابن الأثير [في النهاية] أنه يمكن الجمع بين رواية أحمد والبيهقي ورواية أهل السير أن حلف المطيبين قد تجدد في حياة الرسول وعرف باسم آخر هو (حلف الفضول)، والله أعلم.

وروى الحميدي [كما في البداية لابن كثير، بسند صحيح]، أن رسول الله قال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعز ظالم مظلومًا». وروى ابن إسحاق [في السيرة، بسند مرسل صحيح]، أن الرسول قال: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبت».

لقد عقد هذا الحلف بنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو أسد وبنو زهرة وبنو تيم، على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، [كما روى ابن إسحاق في السيرة]. وكان ذلك في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة، منصرف قريش من حرب الفجار، ولرسول الله يومئذ عشرون سنة. وكان أول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب، عم رسول الله .

وكان سببه، أن رجلًا من زبيد، قدم مكة ببضاعة له، فاشتراها منه العاص بن وائل السهمي، وكان ذو شرف، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف: عبد الدار ومخزومًا وجمحًا وسهمًا، فأبوا أن يعينوه على العاص، وزجروه. فلما رأى الزبيدي الشر، رقى على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فقال بأعلى صوته:

«يا آل فهر لمظلوم بضاعته

ومحرم أشعث لم يقض عمرته

إن الحرام لمن تمت مكارمه

ببطن مكة نائي الدار والنفر

يا للرجال وبين الحِجْر والحَجَرِ

ولا حرام لثوب الفاجر الغدر»

فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال: «ألهذا مترك؟» فاجتمعت قريش وزهرة وتيم، في دار عبد الله بن جدعان، فتحالفوا وتعاهدوا في ذي القعدة الحرام ليكونن يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم.

حتى يؤدي إليه حقه ما بلَّ بحر صوفة[1]، وما رسا ثبير وحراء مكانهما، وعلى التأسي في المعاش. فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضول من الأمر. ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي، فدفعوها إليه [رواه ابن سعد].

ومن أبرز الحكم والعبر من خبر شهوده حلف الفضول:

1- إذا كان بعض أهل الجاهلية يرفضون الظلم بدوافع فطرية أو انسانية فأولى بأهل الإسلام رفضه بدوافع عقدية، لأن الإسلام، جاء حاثَّا على عدم الظلم ومتمشيًا مع الفطرة ومقومًا لها من أي انحراف.

ولا غرابة أن يؤكد الرسول على أهمية ذلك الحلف لأن مضمونه هو مضمون ما دعا إليه الإسلام في أمر إحقاق الحق وإبطال الظلم.

2- إن الدور الذي قام به الزبير في هذا الحلف لدليل على مروءة رجال البيت الهاشمي، وبيان فضلهم على غيرهم في مثل هذه المواطن، وحسبهم فضلًا وشرفًا أن الرسول كان منهم.

أ- زواجه من خديجة

روى ابن إسحاق أن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصي بن كلاب كانت امرأة حازمة شريفة لبيبة، من أوسط قريش نسبًا، وأعظمهم شرفًا، وأكثرهم مالًا، وكان رجال قومها يحرصون على الزواج منها. وكانت تستأجر الرجال من مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم. فلما بلغها عن رسول الله ما بلغها، من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرًا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، فوافق، وخرج مع غلام لها يدعى مَيْسَرَة. ومن خلال معاشرة ميسرة للرسول رأى من الآيات والمعجزات ما حكاه لسيدته خديجة، فرغبت في الزواج منه.

ومن تلك الآيات أن الرسول عندما قدم بُصرى من أرض الشام، نزل في ظل شجرة، فقال نسطورًا الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، ثم قال لميسـرة: (أفي عينيه حمرة؟ قال: نعم، لا تفارقه، قال: هو نبي، وهو آخر الأنبياء).

وكان ميسرة يرى ملكين يظلانه إذا اشتدت الهاجرة. وتقول الرواية إن خديجة رأت ذلك عندما دخل محمد مكة في ساعة الظهيرة. وفي القصة أنه وقع بين الرسول ورجل تلاح في البيع، فقال الرجل للنبي : احلِف باللات والعزى، فقال النبي : «ما حلفت بهما قط، وإني لأَمُرُّ فأعرض عنهما».

وقال لميسرة: (هذا والله نبي تجده أخبارنا منعوتًا في كتبهم). وفي القصة أيضًا أن تجارة الرسول ربحت ضعف ما كانوا يربحون، وأضعفت خديجة للنبي ضعف ما سمَّت له من قبل، وهو أصلًا ضعف ما كانت تعطي لغيره من قريش.

وذكرت خديجة لابن عمها ورقة بن نوفل قول الراهب نسطورًا الذي سمعه منه ميسرة، وهو: «ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي»، وما كان يرى ميسرة من إظلال الملكين له، فقال ورقة: «لئن كان هذا حقًا يا خديجة، إن محمدًا لنبي هذه الأمة، وقد عرفت إنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر، هذا زمانه» [رواه الطبراني في الأوسط بسند حسن].

كان هذا الذي سمعته خديجة من ميسرة وورقة تأكيدًا لما كانت تعرفه من أخلاقه وعلو شأنه، لذا رغبت في الزواج منه، فأرسلت صديقتها نفيسة بنت منية تعرض عليه ذلك، فوافق على ذلك، فتم الزواج [رواه المحاملي كما ذكر الذهبي في السيرة].

وقد أخرج البزار والطبراني عن جابر، بسند حسن، أن أختًا لخديجة استكرت رسول الله وشريكًا له. فلما قضيا السفر بقي لهما عليها شيء، فجعل شريكه يأتيهم ويتقاضاهم، وعندما يطلب من محمد أن يفعل مثله يعتذر بحجة أنه يستحي من ذلك. فذكرت ذلك لخديجة فأعجبت به وطلبت منه أن يخطبها إلى أبيها، فقال: «أبوك رجل كثير المال وهو لا يفعل. قالت: انطلق فالقه وكلمه، ثم أنا أكفيك، وائت عند سكره».

روى ابن إسحاق في السير والمغازي، أن خديجة تزوجت قبل الرسول ، عتيق ابن عائذ المخزومي فولدت له امرأة، ومن بعده تزوجت أبا هالة بن النباش التميمي، وولدت منه ابنها هندًا وامرأة، ومات أبو هالة في الجاهلية. [قاله ابن حجر في الفتح. وعند ابن سعد: ابن عابد].

وذكر ابن سعد أن أول من تزوجها هو أبو هالة، واسمه هند بن النباش بن زرارة، فولدت له رجلًا يقال له هند ثم خلف عليها بعده عتيق بن عابد بن عبد الله المخزومي، فولدت له جارية يقال لها هند، فتزوجها صيفي بن أمية بن عابد بن عبد الله. قلت: ولمحمد بن صيفي ترجمة في الإصابة والاستيعاب. أما الرسول فكان أول من تزوجها هي خديجة، ولم يتزوج عليها حتى ماتت، [كما في صحيح مسلم].

وكان ذلك سنة خمس وعشرين من مولده في قول الجمهور، منهم ابن إسحاق.

واختلف العلماء في الذي تولى أمر زواجها. فقد ذكر البيهقي أن الذي زوجه إياها هو أبوها خويلد، وهو سكران، وفي نهاية الخبر يقول الراوي - المؤملي - عمر ابن أبي بكر: «والمجتمع أن عمها عمرو بن أسد الذي زوَّجها». وقد ضعف الهيثمي هذا الخبر لأن فيه عمر بن أبي بكر - المؤملي - وهو متروك. وذكر ابن إسحاق أن الذي زوَّجها هو أبوها خويلد، وقال السهيلي وابن كثير والشامي: إن ابن إسحاق ذكر في السيرة أن أخاها عمرو بن خويلد هو الذي زوجها، ولكن لم نجد ذلك في المطبوع من سيرة ابن إسحاق. وذكر الواقدي أن عمها عمرو بن أسد هو الذي ولي نكاحها، وخطأ من قال بغير هذا، لأن والدها - كما ذكر - مات قبل حرب الفجار، ووافقه على هذا السهيلي، وابن سيد الناس وابن عبد البر، والشامي.

قال طرهوني أنه إذا ثبت هلاك والدها قبل الفجار فيلزم أن يكون الذي تولى نكاحها هو عمها. والظاهر أن أحاديث ولاية أبيها لنكاحها أقوى، لأنها جاءت من عدة طرق تعتضد لترتقي إلى درجة الحسن لغيره، وعلى أقل تقدير تدل على أن للقصة أصلًا، والله أعلم.

وكان الذي ذهب مع الرسول لخطبة خديجة، عمه حمزة. لقد كان لخديجة رضي الله عنها مكانة عظيمة عند الرسول . ورويت في الصحيحين وغيرهما عدة أحاديث في مناقبها الكثيرة. ولا غرابة في ذلك، فهي ذات الخصال الحميدة التي ذكرنا طرفًا منها. وفوق ذلك فهي التي عرفت بين قومها بـ(الطاهرة العفيفة)، كما ذكر ابن عساكر [في تاريخه]. وهي التي رزق منها الرسول جميع أبنائه ما عدا إبراهيم، فهو من مارية القبطية، كما ذكر ابن إسحاق وغيره. والمتفق عليه من أولاده منها: القاسم - وبه كان يكنى - ومات صغيرًا قبل المبعث أو بعده، وبناته الأربع: زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة - وقيل كانت أم كلثوم أصغر من فاطمة - ثم ولده عبد الله، الذي ولد بعد المبعث، وكان يقال له الطاهر والطيب، كما ذكر ابن عساكر ويقال هما أخوان له. ومات الأبناء الذكور صغارًا باتفاق. أما البنات فأدركن البعثة ودخلن في الإسلام، وهاجرن معه ، كما روى البيهقي [في الدلائل وابن كثير].

وماتت خديجة عن خمس وستين سنة كما روى الواقدي، كما هو المشهور. وكان عمرها عندما تزوجها الرسول أربعين سنة، كما هو المشهور [الواقدي].

ب- حكم وفوائد من هذا المقطع:

1- إن في إظلال الملكين له وشهادة الراهب له بالنبوة دليلًا على النبوة.

2- إن في رغبة خديجة الزواج منه دليلًا على ما كان يتميز به الرسول من أخلاق عالية.

3- إن الأحاديث الصحيحة الواردة في فضل خديجة دليل على شرفها وعلو مكانتها عند الله تعالى ورسوله والناس.

4- لا غضاضة في أن تبدي المرأة الصالحة رغبة الزواج من الرجل الصالح كما فعلت خديجة رضي الله عنها عندما خطبت محمدًا إلى نفسها، رغبة فيه لصلاحه.

5- إن أول ما يدركه الإنسان من هذا الزواج هو عدم اهتمام الرسول بأسباب المتعة الجسدية ومكملاتها، فلو كان مهتمًا بذلك كبقية أقرانه من الشبان لطمع بمن هي أقل منه سنًا أو بمن ليست أكبر منه سنًا على أقل تقدير، أو بمن ليست ثيبًا. ويتجلى لنا أنه إنما رغب فيها لشرفها ونبلها حتى إنها كانت تلقب بالعفيفة الطاهرة. ولقد ظل هذا الزواج قائمًا حتى توفيت خديجة عن خمسة وستين عامًا. وقد ناهز هو الخمسين من العمر، وفي تلك الفترة - من فترة الشباب إلى الخمسين - تكون رغبة الرجال في النساء والميل إلى التعدد لدوافع الشهوة. ولكن الرسول لم يفكر في ذلك، ولو شاء لوجد الكثير من النساء الراغبات أو الإماء، دون أن يخرج عن مألوف قومه.

6- إن في التقاء العفيفة الطاهرة بالصادق الأمين، وإنجاب الذرية الصالحة من هذا الزواج، لمكرمة أكرم الله تعالى نبيه بها، ليظل في مكانة اجتماعية مرموقة لا مطعن فيها.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة