حجم الخط:

محتوى الدرس (8)

المبحث الثاني عشر: مشاركته في بناء الكعبة

أ- مشاركته في بناء الكعبة ووضعه الحجر الأسود في مكانه:

روى البيهقي [في الدلائل والحاكم والطبري في التفسير، بسند صحيح]:«أن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتًا في الأرض، فضاق به ذَرْعًا، فأرسل الله عز وجل إليه السَكِينَة، وهي ريح [شديدة خَجُوج] لها رأس، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت، ثم تطوقت إلى موضع البيت تطوق الحية، فبنى إبراهيم، فكان يبني سَاقًا كل يوم، حتى إذا بلغ مكان الحجر، قال لابنه: ابغني حجرًا، فالتمس حجرًا حتى أتاه به، فوجد الحجر الأسود قد ركب، فقال له ابنه: من أين لك هذا؟ قال جاء به من لم يتكل على بنائك، جاء به جبريل من السماء فأتمه».

وروى البيهقي [في الدلائل والحاكم، بسند صحيح] من طريق آخر بمعناه، وزاد فيه، أنه عندما انهدم بنته العمالقة، وعندما انهدم للمرة الثانية بنته جرهم وعندما انهدم للمرة الثالثة بنته قريش ورسول الله يومئذ رجل شاب. وروى عبد الرزاق والذهبي بسند صحيح أنه عندما أرادوا هدمه إذ هم بحية على سور البيت فروعتهم، فلم يقدروا على هدمه. فاجتمعت قريش عند البيت، وتضرعوا إلى الله ليزيل عنهم هذا البلاء، فأرسل الله طائرًا فغرز مخالبه في قَفَا الحية، ثم انطلق بها يجرها حتى انتهى بها نحو أجياد، فتمكنت قريش من هدم الكعبة لإعادة البناء. وروى الحاكم بسند صحيح أنه عندما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود إلى مكانه، اختصموا فيه. فقالوا نحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السِّكَّة، فكان رسول الله أول من خرج عليهم، فقضـى بينهم أن يجعلوه في مِرْط، ثم ترفعه جميع القبائل.

وروى الإمام أحمد [في المسند بسند حسن]، وأهل السير أن قريشًا عندما اختلفت في وضع الحجر الأسود في مكانه، قالوا: اجعلوا بينكم حكمًا، فقالوا أول رجل يطلع من الفج، فجاء رسول الله فقالوا: أتاكم الأمين، فقالوا له، فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم، فرفعوا نواحيه، فوضعه النبي في مكانه المطلوب.

ولولا حكمة الله عز وجل وهداية رسوله إلى هذا الحل، لسفكت الدماء؛ فقد روى ابن إسحاق أن الخلاف في وضع الحجر الأسود قد وصل إلى أن قرَّبت بنو عبد الدار جَفْنَة مملوءة دمًا، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم، ومكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا، دون أن يردها إلى الوفاق أي رأي أو تدبير، حتى كان خمود نار الفتنة على يد رسول الله .

وروى عبد الرزاق بسند صحيح، أنه عندما أكملوا البناء ساق الله إليهم سفينة من أرض الروم، فانكسرت قريبًا من جدة، فخرجت قريش ليأخذوا خشبها، فوجدوا روميًا نجارًا عندها، فأخذوا الخشب بإذنه، وقدموا بالخشب والنجار الرومي، ليبني لهم به عرش الكعبة.

وقد جزم عبد الرزاق - وسنده صحيح - وابن إسحاق، أن عمر النبي إذ ذاك كان خمسة وثلاثين عامًا، وهو المشهور.

ب- حكم وعبر من هذا المقطع:

1- إن قبول قريش تحكيم الرسول في أمر وضع الحجر الأسود في مكانه من البيت الحرام، ووصفهم له بالأمين، دليل على تربية الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه على مكارم الأخلاق التي كان من بينها الصدق والأمانة.

2- إن الاقتراح الذي توصل إليه الرسول لحل هذه الأزمة كان بتوفيق من الله تعالى ليلفت أنظار الناس إلى ما سيختاره له الله من القيام بأمر أكبر من هذا لتوحيد الناس... وهو الإسلام.

3- جاء إسهام الرسول في القضايا الكبرى التي عاشتها مكة آنذاك، متنوعًا شاملًا مغطيًا شتى مساحات العمل البشري الجماعي، وكأنه أريد له أن يجرب كل شيء، وأن يسهم عاملًا في كل اتجاه، وأن يبني عبر نشاطاته المتنوعة جميعًا شخصية قادرة على التصدي لكل مشكلة، والإسهام الإيجابي الفعال في كل ما من شأنه أن يعيد حقًا أو يقيم عدلًا... وكان إسهامه في بناء الكعبة، وحل مشكلة وضع الحجر الأسود التي كادت تؤدي إلى فتنة، اثنين من بين عدة أنشطة متنوعة قام بها الرسول فأكسبته خبرة في مجال التعامل مع الأحداث [انظر: د. عماد الدين خليل: دراسة في السيرة، ص 48-49].

المبحث الثالث عشر: من إرهاصات النبوة:

أ- من إرهاصات النبوة عند أهل الكتاب وكهان العرب عندما قارب زمن بعثة الرسول ﷺ:

عقد ابن إسحاق [في السيرة] فصلًا عن أخبار الكهان من العرب والأحبار من اليهود والرهبان من النصارى بقرب مبعث النبي .

ومما روي في أمر كهان العرب بطرق صحيحة حديث ابن عباس - عند مسلم - في رمي الجن بالنجوم قطعًا لمصدر كهانة العرب في الجاهلية. وخبر سَوَاد بن قَارِب الأزدي السدوسي الكاهن مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما روى البخاري وابن إسحاق، حيث كان سواد يقول: «إن الشياطين قد سكتت ذليلة مغلوبة قبيل مبعث النبي »، وكان سبب إسلامه هو ما رواه من إرهاصات عن طريق ممارسته الكهانة والاستعانة بالجن في ذلك، كما جاء ذلك في خبره.

وفي القصة [عند أحمد في المسند والبيهقي في الدلائل]، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يحدث الناس: «والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش قد ذَبَحَ له رجل من العرب عجلًا، فنحن ننتظر قسمه ليقسم لنا منه إذ سَمِعْتُ من جوف العجل صوتًا ما سمعت صوتًا قَطُّ أَنْفَذَ مِنه، وذلك قُبَيلَ الإسلام بشهر أو شَيْعِهِ، يقول: يا ذُرَيْحُ، أَمْرُ بُجَيح، رجل يَصِيْحُ، يقول: لا إله إلا الله».

روى ابن إسحاق بسند حسن، في إخبار يهود برسول الله أن يهوديًا كان من جيران بني عبد الأشهل، حدثهم عن البعث والجزاء فاستنكروا ذلك وطالبوه بآية ذلك، فقال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده جهة مكة واليمن.

وروى ابن إسحاق أن من أسباب إسلام ثَعْلَبة بن سَعْيَة وأُسَيْد بن سَعْية وأسد ابن عُبَيْد من يهود بني هدل، إخوة بني قريظة، ما أخبرهم به يهودي يقال له ابن الهَيَّبَان، قدم من الشام إلى المدينة قبيل البعثة بسنين. قال لهم إن سبب قدومه المدينة توقع خروج نبي فيتبعه، ودعا اليهود إلى اتباعه وألا يسبقهم إليه أحد، وذكر لهم بعض صفاته. فعندما تأكدوا منها يوم حصار قريظة أسلموا.

وفي قصة سلمان الفارسي [عند البخاري وابن إسحاق]، وخروجه من بلاده بحثًا عن الدين الحق وتقلبه في الرق إلى أن جاء إلى المدينة، وقصة ورقة بن نوفل - عند البخاري وأحمد في المسند والحاكم - وزيد بن عمرو بن نفيل وخروجهما من مكة بحثًا عن الدين الحق حتى انتهيا إلى راهب بالموصل، قال الراهب لزيد: (إن الذي تلتمس يوشك أن يظهر في أرضهما). في هذه القصص وغيرها دليل على ما كان سائدًا عن اليهود والنصارى في ذلك الوقت، من اعتقاد بقرب ظهور النبي . وللصفات التي عرفت من الأحبار والرهبان عن الرسول أسلم سلمان الفارسي.

وجاء في صحيح الأخبار [مثل الذهبي في السيرة وابن حبان في الصحيح والطبراني والحاكم] أن الله تعالى لما أراد هدي زيد بن سعنة - الحبر اليهودي - قال: «إنه لم يبق من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أَخبرهما منه: يسبق حلمه جهلة، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا»، فخالط الرسول حتى تأكد من هاتين الخصلتين.[يأتي تفصيل هذا الخبرفي فصل الشمائل]

وجاء في الأخبار [كما عند ابن سعد وأبي نعيم في الدلائل، بسند مقبول عند ابن حجر] أن سبب إسلام عامر بن ربيعة العدوي هو ما كان يقوله زيد بن عمرو بن نفيل من أنه ينتظر نبيًا من ولد إسماعيل من بني عبد المطلب اسمه أحمد، ولا يرى أن يدركه، وكان ينعته للناس، لما عرفه عنه من أهل الكتاب.

وروى أبو نعيم [في دلائله، بإسناد حسن] أن قس بن ساعدة الإيادي كان يقول: «أقسمَ قس قسمًا برًا لا إثم فيه، ما لله على الأرض دين هو أحب إليه من دين أظلكم إبّانه وأدرككم أوانه، طوبى لمن أدركه فاتَّبعه، وويل لمن أدركه ففارقه...».

وقال المفسرون - مثل الطبري - وأهل السير - مثل ابن إسحاق - إن الآية: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿ ٨٩ [البقرة:89] نزلت في اليهود الذين كانوا في صراع مع الأوس والخزرج. وإذا نال الأوس والخزرج منهم قالوا لهم إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما ظهر اتبعه الأوس والخزرج وكفرت به اليهود.

وقصة هرقل مع أبي سفيان [في الصحيحين] تدل على ذلك، خاصة قول هرقل لأبي سفيان: «فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين».

وجاءت الأحاديث النبوية مصرحة بأن محمدًا قد كتب نبيًا منذ القدم. فقد روى الإمام أحمد [في مسنده بسند صحيح]، والترمذي [في سننه بسند صحيح]، قول الرسول : إنه كان نبيًا «وآدم بين الروح والجسد». وعند أحمد من حديث العرباض بن سارية: «وإن آدم لَمُنْجَدِلٌ في طينته». وعند أبي نعيم [في الدلائل]، قال: قال رسول الله : «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث».

ب- بعض الحكم والعبر:

1- وخلاصة القول إن علماء اليهود والنصارى كانوا يعرفون الرسول قبل مبعثه مما يجدونه من أوصافه وزمان خروجه في التوراة والإنجيل. وقد أشار القرآن إلى ذلك في عدة آيات. [مثل الآية 146] من سورة البقرة: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ ١٤٦ [البقرة:146]، ولذلك أسلم بعض اليهود وفي مقدمتهم عبد الله بن سلام وبعض النصارى وفي مقدمتهم النجاشي ملك الحبشة. وإن ممن امتنع عن الدخول في الإسلام لأسباب مادية أو سياسية كما هو الحال في قصة حيي بن أخطب وهرقل ومقوقس مصر.

2- ويضاف إلى هذا ما سبق أن قلناه عند الكلام عن رحلته إلى الشام والحكم المستفادة من ذلك.

المبحث الرابع عشر: التحنث في غار حراء

كان رسول الله ينفرد إلى نفسه متقربًا إلى الله عز وجل في غار معروف بغار حراء. وقد حبب الله إليه ذلك، لم يأمره بذلك أحد. فكان يبقى في هذا الغار الأيام والليالي إلى أن أتاه الوحي فيه [كما في البخاري]، وكانت سنه آنذاك أربعين سنة.

وكان يمكث في حراء شهرًا من كل سنة، وكان ذلك مما تتحنث به قريش في الجاهلية، كما ذكر ابن إسحاق، ويطعم من جاءه من المساكين. وإذا قضـى جواره من شهره هذا، كان أول ما يبدأ به الطواف بالكعبة، وكان ذلك الشهر رمضان.

وقد اختلف العلماء في تعبده قبل البعثة، هل كان على شرع أم لا؟ وما ذلك الشرع؟ فقيل شرع نوح، وقيل شرع إبراهيم، وهو الأشبه الأقوى، وقيل موسى، وقيل عيسى، وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به. ولبسط هذه الأقوال ومناسبتها مواضع أخرى، مثل كتاب البداية. وذكر ابن حجر - في الفتح - عن بعض المشايخ أنه كان يتعبد بالتفكر.

وذكر قول ابن أبي جمرة - في بهجة النفوس - أن الحكمة في تخصيصه بالتخلي في حراء أن المقيم فيه كان يمكنه رؤية الكعبة فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاث عبادات: الخلوة، والتعبد، والنظر إلى البيت الحرام.

ولم تنازع قريش النبي في غار حراء مع مزيد الفضل فيه على غيره، لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش، وكانوا يعظمونه لجلالته وكبر سنه، فتبعه على ذلك من كان يتأله. [الفتح].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة