حجم الخط:

محتوى الدرس (9)

المبحث الخامس عشر: الإرهاصات قبيل البعثة

أ- من إرهاصات النبوة قبيل البعثة:

قالت عائشة رضي الله عنها: «إن أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيًا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث - يتعبد - فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله. ويتزود لذلك. ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء...» [متفق عليه].

وروى مسلم والترمذي أن رسول الله قال: «إني لأعرف حجرًا بمكة، كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث. إني لأعرفه الآن».

وروى ابن عساكر أن ملكين أتياه وهو ببعض بطحاء مكة، فقال أحدهما للآخر: «زنه برجل، فوزنه، فرجح به محمد إلى أن وزنه بألف من أمته فرجحهم، ثم قال له: لو وزنته بأمته لرجحها. ثم قال أحدهما للآخر: شق بطنه، فشقه، ثم أخرج منه فَعْمَ - حظ - الشيطان، وعَلَقَ الدم، فطرحها، فقال أحدهما للآخر: اغسل بطنه غسل الإناء، ففعل، ثم دعا بالسكينة فأدخلت قلبه، ثم قال أحدهما للآخر: خط بطنه، ففعل، وجعلا الخاتم بين كتفيه، ثم وليا عنه، وكأنما يعاين الأمر معاينة».

وروى البيهقي [في دلائله]، أنه خرج من عند خديجة، ثم عاد فأخبرها أنه رأى بطنه قد شق، ثم طهر وغسل، ثم أعيد كما كان، فقالت: «هذا والله خير فأبشر».

وقال النبي لخديجة [كما روى أحمد في مسنده بسند حسن]: «إني أرى ضوءًا وأسمع صوتًا وإني أخشى أن يكون بي جنن». قالت: «لم يكن الله ليفعل ذلك بك يا ابن عبد الله»؛ ثم أتت ورقة بن نوفل فذكرت ذلك له، فقال: «إن يك صادقًا فإن هذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن بعث وأنا حي فسأعزره، وأنصره، وأومن به».

ب- العبر والعظات:

1- إن الآيات والمعجزات التي وقعت للرسول من قبيل الإرهاصات الدالة على تميزه عن غيره من الحنيفيين الذين عاصروه، وأن الله عز وجل سيختاره هو بالذات لأمر عظيم.

2- تقرير أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، إذ إن فترة الوحي كانت ثلاثًا وعشرين سنة منها ستة أشهر كانت منامًا.

3- استحباب العزلة لفترات تعين المسلم على التفكير في أحوال المجتمع إذا سادت فيه الجاهلية والفساد. أما الاعتزال الدائم للمجتمع والذي ابتدعته جماعة من الجماعات الدينية في زماننا هذا فهو مخالف لسنته العملية والقولية. فلم يعرف عن الرسول أنه اعتزل المجتمع، وقال في نبذ مثل هذه الاتجاهات:

«المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم» [أحمد: المسند، بسند صحيح].

«المؤمن يألف ويُؤلَف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس» [الدارقطني، بسند صحيح].

المبحث السادس عشر: الوحي

أ- نزول الوحي:

روى الشيخان أن أمين الوحي فجأ الرسول لأول مرة في يوم الاثنين، الحادي والعشرين من شهر رمضان، من العام الأربعين لميلاده ، بينما كان يتحنَّث بغار حراء. وقال له: اقرأ، قال في الحديث: «فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني الثانية فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿ ١ [العلق:1] حتى بلغ إلى قوله: ﴿ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿ ٥ [العلق:5]». قالت عائشة رضي الله عنها - راوية الحديث -: «فرجع بها تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حتى دخل على خديجة، فقال زَمِّلُوني، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْعُ، فقال: يا خديجة، ما لي! وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيت على نفسي، فقالت له: كلا، فوالله لا يُخْزِيْكَ الله، إنك لَتِصِلُ الرَّحِمَ وتَصْدُقُ الحَديثَ وتَحْمِلُ الكَلَّ [الذي لا يستقل بأمره] وَتَكْسِبُ المعدوم، وتَقْرِي الضَّيْفَ وتُعِيْنُ على نَوَائِبِ الحَقِّ، ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى، وكان امرأًتنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ. فقالت: اسمع من ابن أخيك، فقال: يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره. فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا أكون حيًا حين يخرجك قومك، قال: أو مخرجِيّ هم؟ قال: نعم لم يأتي أحد بما جئت به إلا عُوْدِيَ أو أوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. ثم لم يلبث ورقة أن توفي».

أما الخبر الذي أورده ابن إسحاق [في السيرة، بسند حسن] عن كيفية بدء الوحي، والذي قال فيه: «فجاءني جبريل وأنا نائم بِنَمَطٍ من دِيْبَاج فيه كتاب، فقال: اقرأ...» فهو يخالف في الظاهر حديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري ومسلم الذي فيه التصريح بأن مجيء الوحي كان في حالة اليقظة، وأن الرؤيا الصادقة كانت قبل نزول الوحي، ولذا قال السهيلي: (وقد يمكن الجمع بين الحديثين بأن النبي جاءه جبريل في المنام قبل أن يأتيه في اليقظة، توطئة وتيسيرًا عليه ورفقًا به، لأن أمر النبوة عظيم، وعبؤها ثقيل، والبشر ضعيف).

وقال ابن كثير [في البداية] بما قاله السهيلي، ثم زاد: (... وقد جاء مصـرحًا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري، إنه رأى ذلك في المنام، ثم جاءه الملك في اليقظة»، وقال في مكان آخر: «ويحتمل أن هذا المنام كان بعدما رآه في اليقظة صبيحة ليلتئذ، ويحتمل أنه كان بعده بمدة، والله أعلم).

ب- العبر والعظات والدلائل:

1- دل تصرف خديجة إزاء ما وقع للرسول في الغار على رجاحة عقلها، وحسن تصرفها، وفضلها، وسلامة فطرتها.

2- دل تحليل ورقة لظاهرة ما حدث للرسول في الغار على صحة علمه وفضله.

3- يتبين من رؤية الرسول جبريل بعينية، يقظة، أن ظاهرة الوحي ليست أمرًا ذاتيًا داخليًا مرده إلى حديث النفس المجرد أو ما شابه ذلك من التمحلات، وإنما هي استقبال وتلق لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخل الذات. وضم الملك إياه ثم إرساله ثلاث مرات، قائلًا في كل مرة: «اقرأ...» يعتبر تأكيدًا لهذا التلقي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يتصور من أن الأمر لا يعدو كونه خيالًا داخليًا فقط.

4- أ- يدل خوفه مما حدث له مع جبريل على أنه لم يكن متوقعًا الرسالة التي سيدعى إلى حملها وبثها في العالم. وبذلك يتضح لكل عاقل مفكر أن ظاهرة الوحي هذه لم تأت منسجمة أو متممة لشيء مما قد يتصوره أن يخطر في باله، وإنما طرأت طروءًا على حياته وفوجئ بها دون أي توقع سابق. ولا شك أن هذا ليس شأن من يتدرج في التأمل والتفكير إلى أن تتكون في نفسه - بطريقة الكشف التدريجي المستمر - عقيدة يؤمن بالدعوة إليها!، كما يدعي بعض المستشرقين مثل كارادوفو الفرنسي.

ب- الله عز وجل قادر على أن يربط على قلب رسول الله ويطمئن نفسه بأن الذي كلمه ليس إلا جبريل - ملك من ملائكة الله عز وجل جاء ليخبره أنه رسول الله إلى الناس - ولكن الحكمة الإلهية الباهرة تريد إظهار الانفصال التام بين شخصية محمد قبل البعثة وشخصيته بعدها، وبيان أن شيئًا من أركان العقيدة الإسلامية أو التشـريع الإسلامي لم يكن في ذهن الرسول مسبقًا ولم يتصور الدعوة إليه سلفًا.

جـ- إن فيما ألهم الله سبحانه وتعالى به خديجة من الذهاب به إلى ورقة، تأكيدًا من جانب آخر بأن هذا الذي فوجئ به إنما هو الوحي الإلهي الذي كان قد أنزل على الأنبياء من قبله، وإزالة لغاشية اللبس التي كانت تحوم حول نفسه بالخوف والتصورات المختلفة عن تفسير ما رآه وسمعه [البوطي].

د- لو كان الوحي أمرًا ذاتيًا لما جاءت آيات في القرآن تعتب عليه أو تلومه لبعض التصرفات. مثل: عتابه له حين أعرض عن صاحبه عبد الله بن أم مكتوم، حين حضـر إليه ليعلمه مما علمه الله، وفي حضرته بعض كبار كفار قريش. وسميت سورة في القرآن بمضمون هذا الموقف. وهي سورة (عبس)، وعتابه له في أسرى بدر كما سيأتي ذكره، وفي زواجه من زينب بنت جحش رضي الله عنها كما سيأتي ذكره، وعتابه له حين أذن لمن طلب منه التخلف عن غزوة تبوك: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴿ ٤٣ [التوبة:43]، وعتابه حين أراد أن يعطي كفار قريش ما أرادوا، حين طلبوا عدم الجلوس مع الموالي، فنزل قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ [الأنعام:52].

هـ- لو كان الوحي أمرًا ذاتيًا لما خاطب الله تعالى نبيه بقوله: ﴿ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿ ٩٤ [يونس:94]

و- لو كان الوحي أمرًا ذاتيًا لما كان الرسول يسكت عن إجابات السائلين لفترة زمنية قد تطول وقد تقصر، ولما عانى من نتائج بعض الأحداث، مثل حادث الإفك الذي استمرت محنته لشهر... إلخ.

5- اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون الرسول أميَّا لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وفي ذلك إبعاد لشبهة الشك في مصدر القرآن، وفي ذلك يقول المولى عز وجل: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴿ ٤٨ [العنكبوت:48].

المبحث السابع عشر: انقطاع الوحي

أ- فترة انقطاع الوحي ثم تتابعه:

انقطع جبريل عن النبي بعد هذا فترة من الزمان، اختلف العلماء في مدتها. قال البوطي: (والراجح ما رواه البيهقي من أنها كانت ستة أشهر). وقيل إن الأقرب إلى الصواب هو ما روي عن ابن عباس أن فترة انقطاع الوحي كانت أربعين يومًا، وقيل إنها كانت أيامًا. وجزع الرسول من هذا الانقطاع. [ولم يذكر البوطي مكان الشاهد من مؤلفي البيهقي: الدلائل والسنن الكبرى، أو غيرهما. والذي وقفنا عليه في السنن الكبرى (9/ 6) أن الوحي انقطع، ولم يذكر أنها ستة أشهر.]

بعد فترة الفتور أو الانقطاع المذكورة، نزل عليه الوحي مرة أخرى. وفي ذلك يقول الرسول : «بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصـري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿ ١ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿ ٢ إلى قوله: ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:1-5]، فحمي الوحي وتواتر» [متفق عليه].

ب- الحكمة من هذا الانقطاع:

1- ليحصل للرسول التشوق إلى العود بعد أن تثبت لديه الحقيقة أنه أضحى نبيًا [ابن حجر: الفتح].

2- إن في انقطاع الوحي ثم استمراره تأكيدًا للحقيقة التي ذكرناها، وهي أن الوحي ظاهرة منفصلة عن ذات الرسول .

المبحث الثامن عشر: مراتب الوحي

قال ابن القيم في زاد المعاد: إن الله تعالى قد كمل لنبيه من مراتب الوحي مراتب عديدة:

أحدها: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحي الله إليه، كما في حديث عائشة رضي الله عنها: «أول ما بدئ به رسول الله الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح...» [متفق عليه].

الثانية: ما كان يلقيه الملك في رُوعه وقلبه من غير أن يراه كما قال النبي : «إن روح القدس نفث في رُوعي إنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب،... الحديث» [الحاكم وغيره، صحيح بشواهده].

الثالثة: أنه كان يتمثل له الملك رجلًا، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا [مسلم].

الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه فيتلبس به الملك حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض... [متفق عليه].

الخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما في سورة النجم [مسلم].

السـادسـة: مــا أوحـاه الله سبحانه وتعالى وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها.

السابعة: كلام الله عز وجل إليه بلا واسطة ملك، كما كلم الله موسى بن عمران، وهذه المرتبة ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن كما في قوله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا ﴿ ١٦٤ [النساء:164] وثبوتها لنبينا وهو في حديث الإسراء والمعراج، [من رواية مسلم]، الذي فيه قول الرسول : «.... ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام»، ويفهم من حديث مراجعة محمد ربه عز وجل في أمر تخفيف الصلاة من خمسين إلى خمس، أنه كان يكلمه بلا واسطة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة