حجم الخط:

محتوى الدرس (10)

المبحث التاسع عشر: مراتب الدعوة ومراحلها

أ- مراتب الدعوة:

ذكر لها ابن القيم [في زاد المعاد] خمس مراتب:

الأولى: النبوة، الثانية: إنذار عشيرته الأقربين، الثالثة: إنذار قومه، الرابعة: إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله، وهم العرب قاطبة، الخامسة: إنذار جميع من بَلغته دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر.

ب- مراحل الدعوة خلال حياة الرسول ﷺ:

المرحلة الأولى: الدعوة سرًا، واستمرت ثلاث سنين.

المرحلة الثانية: الدعوة جهرًا والكف عن القتال. واستمرت إلى الهجرة.

المرحلة الثالثة: الدعوة جهرًا مع قتال المبتدئين بالقتال، واستمرت إلى صلح الحديبية.

المرحلة الرابعة: الدعوة جهرًا، مع قتال كل من يقف في سبيل سير الدعوة [البوطي والمباركفوري].

وقفة عند فقه هذه المراحل:

ربما يتبادر سؤال إلى الذهن، وهو: هل يجب على دعاة قيام الدولة الإسلامية - خاصة في العصر الحديث - التقيد بهذه المراحل بمداها الزمني كما وقعت للرسول ؟ والجواب عن هذا السؤال، وهو أنه ليس عليهم التقيد بهذه المراحل ولا بالمدى الزمني الذي مرت به في حياة الرسول . وذلك لأن المدى الزمني لتلك المراحل تقدير رباني وليس جهدًا بشريًا فقط. فالتقيد بهذه المراحل لا يتمشى مع مرونة الإسلام في معالجة الأمور ومواجهة الأحداث. والسيرة النبوية التي تمثل حركة الإسلام تفتح أمام الدعاة نماذج للخيارات المتعددة التي يقدمها المنهج الإسلامي بحركته الفذة الفريدة... وما السرية، أو طلب النصـرة، أو الهجرة إلا وسائل اتخذها رسول الله لنشر دعوته، ضمن ظروف ومواصفات معينة...

فمثلًا نجد في زماننا هذا أن الدول الغربية الديمقراطية لا تحجر أي نشاط لرجال الأديان المختلفة، فلا ضرورة هنا للتقيد بمرحلة السرية في الدعوة. بينما نجد الدول الشيوعية لا تسمح للمسلم بممارسة أي نشاط دعوي أو سياسي، فيضطر أن يستخفي بدينه حتى يتمكن، وهنا تصبح السرية ضرورة اقتضتها ظروف معينة. وإذا اقتضت حكمة الدعوة أن يكون هناك عمل سريّ وآخر علنيِّ فلا بأس، وذلك في مثل البلاد التي تسمح بنشاط المسلمين في حدود ضيقة جدًا.

وخلاصة القول: إن السرية تقدر بقدرها، حسب ظروف البيئة التي يعيشها المسلم [زهير سالم: عثرات وسقطات].

المبحث العشرون: بداية الدعوة

أ- المرحلة الأولى: الدعوة السرية:

استجاب الرسول للأوامر الإلهية التي صدرت له بالتبليغ، وقد جاءت هذه الأوامر واضحة في الآيات التي نزلت بعد آيات سورة العلق: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿ ١ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿ ٢ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿ ٣ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿ ٤ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿ ٥ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿ ٦ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴿ ٧ [المدثر:1-7].

لقد لخصت هذه الآيات الكريمات مضمون الدعوة التي أنيط به تبليغها إلى الناس. ولا تكاد الآيات القرآنية التي نزلت في مكة تخرج عن إطارها العام.

ففي قوله تعالى له: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿ ١ ، إشارة إلى أن زمان التدثر والخلود إلى الراحة في المضجع بين الزوجة والأبناء قد ولى، وجاء زمان المجاهدة بكل أبعادها، المادية والمعنوية.

وفي قوله: ﴿ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿ ٢ ، إشارة إلى تكليفه بأمر دعوة كل الناس إلى الإسلام. وفي قوله تعالى: ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿ ٣ ، إشارة إلى أن ليس في الوجود أكبر من الله تعالى خالق الوجود. ولذا عليه أن يُعلم الناس بهذه الحقيقة ليتواضع الناس كلهم لله الكبير المتعال. وهذا هو التوحيد المطلق.

وفي قوله تعالى: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿ ٤ ، إشارة إلى أن الداعية إلى الله سبحانه وتعالى لابد أن يبدأ بتطهير نفسه ظاهرًا وباطنًا حتى يكون المثل الأعلى لمن يدعوهم إلى الطهارة بكل معانيها.

وفي قوله تعالى: ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿ ٥ ، إشارة إلى أن التوحيد الخالص يقتضـي عدم تعظيم أو تقديس أي شيء سوى الله تعالى الخالق.

وفي قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿ ٦ ، إشارة إلى أن ما خص به من منع إعطاء الشيء ابتغاء شيء أكثر منه هو أنه مأمور بأجمل الأخلاق وأشرف الآداب ليكون مثلًا أعلى للبشرية وهو يدعوها إلى مكارم الأخلاق.

وللقيام بهذه الأمور كان لابد من ختمها بحقيقة هامة للوصول إلى الأهداف المرجوة من هذه الأوامر، هذه الحقيقة هي أن تَحَمُّلَ أمانة الدعوة في عناصرها المذكورة لابد له من الصبر على كل أصناف أذى المعارضين، والصبر على تربية الأتباع، والصبر على الإبتلاء، فال تعالى: ﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴿ ٧ .

نهض الرسول من فراشه وأخذ يدعو إلى ما أمر به سرًا لمدة ثلاث سنين كما ذكر ابن إسحاق، ولفظه: «وكان بين ما أخفى رسول الله أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين - فيما بلغني - من مبعثه». ومما يدل على السـرية في الدعوة ما جاء في خبر إسلام عمرو بن عَبَسَة رضي الله عنه عند مسلم، حيث قال: «أتيت رسول الله في أول ما بعث وهو بمكة وهو حينئذٍ مُسْتَخفٍ...». وبدأ بالدعوة إلى التوحيد ونبذ كل مظاهر الشرك.

وكان تحركه في هذه الفترة [كما روى ابن هشام] وسط الذين تربطهم به صلات، مثل زوجته وبناته ومولاه زيد بن حارثة وربيبه علي بن أبي طالب وأصدقائه وكل من يطمئن إلى أنه يكتم السر. ولهذا يلحظ أن من أوائل الذين دخلوا في الإسلام:

1- زوجته خديجة رضي الله عنها التي كانت أول من آمن بالله وبرسوله - كما هو مشهور - وهوَّنت عليه أمر الناس، وكانت بذلك أول مَنْ أُمِر الرسول بتبشيره بالجنة، قال رسول الله [في الحديث المتفق عليه]: «أمرت أن أبشـر خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب». وقد جاءت الأحاديث الصحيحة كثيرة في فضائلها وأخبارها.

2- ابن عمه علي بن أبي طالب الذي كان في حجره، وهو يومئذٍ ابن عشر سنين على أصح الأقوال [ابن إسحاق في السيرة بسند حسن].

3- مولاه زيد بن حارثة، الذي قال له الرسول عندما جاء أبوه يطلبه [كما في صحيح الترمذي]: «إن شئت فأقم عندي، وإن شئت فانطلق مع أبيك، فقال: بل أقيم عندك»، فأقام عنده وحرره وتبناه، وعرف بـ(زيد بن محمد) حتى نزلت آية: ﴿ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ [الأحزاب:5]، وبذلك أبطلت عادة التبني.

4- أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو أول من صدق وأسلم من الرجال، وفيه قال الرسول لعمر [من رواية البخاري]: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق...». وقال [من رواية ابن إسحاق في السير والمغازي بسند منقطع]: «ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر، ما عَتَمَ حين ذكرته وما تردد فيه». وقال هو عن نفسه عندما اختير خليفة للمسلمين: «أَلَسْتُ أحق الناس بها؟ ألست أول من أسلم؟...» [صحيح الترمذي].

وفي إطار هذه السرية تحرك أبو بكر وسط أقاربه ومواليه وأصدقائه ومن يثق به من قومه. فاستجاب له نفر كريم، منهم: عثمان بن عفان والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف -[ابن إسحاق]-، وعثمان بن مظعون وأبو عبيدة بن الجراح وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم رضي الله تعالى عنهم أجمعين. [ابن كثير: البداية].

ومن خلال علاقات هؤلاء وغيرهم أخذ الإسلام ينتشر في مكة وخارجها، ودخل فيه أناس من بطون قريش ومواليها كافة.

وممن اشتهروا بين السابقين إلى الإسلام من الموالي: بلال بن رباح وصهيب ابن سنان وعمار بن ياسر ووالده وأمه سمية بنت خباط [أحمد: فضائل الصحابة بسند حسن] [والخطأ المشهور (خياط)].

وفي فترة وجيزة وصل عدد الذين سبقوا إلى الإسلام من بطون قريش إلى أكثر من أربعين نفرًا، كما عدهم ابن هشام، وأكثر من خمسين كما عدهم اليعمري - ابن سيد الناس.

5- وثبت، من رواية أحمد [في المستند بسند حسن؛ وابن سعد (3/ 233)، مرسلًا صحيحًا]، أن ورقة بن نوفل كان من المسلمين الأوائل، وذلك بدليل قول الرسول : «لقد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض». وقال في رواية أخرى [عند أبي يعلى، بسند حسن]: «قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض أبصرته في بطنان الجنة، وعليه السندس»، وقال [من رواية البزار بسند جيد، والحاكم بسند صحيح]: «لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين»، وقال: «يبعث يوم القيامة أمة وحدة» [الطبراني، برجال الصحيح].

ويتضح من سجل أسماء السابقين الأولين إلى الإسلام أنهم كانوا من خيرة أقوامهم، ولم يكونوا كما يذكر بعض الكتاب المسلمين وغيرهم أنهم كانوا في معظمهم خليطًا من الفقراء والضعفاء والأرقاء الذين أرادوا استعادة حريتهم أو كرامتهم.

والقول السديد في هذا هو أن الذين تحملوا القسط الأكبر من التعذيب هم الأرقاء والموالي، وكانت فتنتهم على ملأ من الناس، ولذا انتشر أمرهم، بينما امتنع الآخرون بأقوامهم، ومن عذب منهم عذب ضمن قبيلته.

ولذا لم ينتشر أمرهم، ولم يذكروا كثيرًا [الشامي: المعين].

وفي هذه المعاني رويت عدة أحاديث، منها ما رواه أحمد [في الفضائل بسند حسن] عن ابن مسعود، قال: «أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد، فأما رسول الله فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس...».

وذكر ابن إسحاق [في السيرة] إن قريشًا عَدَتْ على من أسلم ووثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. وذكر أن رجلًا من بني مخزوم مشوا إلى هشام بن الوليد حين أسلم أخوه الوليد يستأذنونه في اتخاذ ما يرونه من وسائل لصده عن الدين هو ومن أسلم معه من فتية بني مخزوم، الذين كان منهم سلمة ابن هشام وعياش بن أبي ربيعة. فسمح لهم بما يريدون وحذرهم من قتله.

وروى ابن إسحاق [بسند حسن] في قصة هجرة عمر وقصة عياش معه أن قريشًا منعت هشام بن العاص بن وائل السهمي من الهجرة مع عمر وعياش وفتنته فافتتن، واحتالوا على عياش فردوه من المدينة إلى مكة مقيدًا.

وروى البخاري أن عمر بن الخطاب كان قبل أن يسلم يوثق سعيد بن زيد، ابن عمه وزوج اخته، ويكرهه ليرجع عن الإسلام. ولم يستطع الرسول أن يفعل لهم شيئًا.

وحتى عندما استقر الرسول بالمدينة لم يملك لهؤلاء غير الدعاء، حيث كان يقول: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضـر واجعلها عليهم سنين كَسِنِيِّ يوسف» [متفق عليه؛ وأحمد في المسند].

وقد أوضح ابن حجر [في الفتح] معنى كلمتي (الضعفاء) و (الشرفاء) اللتين وردتا في حديث هرقل مع أبي سفيان. [يأتي ذكره]

فمعنى الأولى عنده أن أتباع الرسل في الغالب أهل الاستكانة لا أهل الاستكبار الذين أصروا على الشقاق بغيًا وحسدًا، كأبي جهل وأتباعه. وفي معنى الثانية أن الشرف يقصد به ما يرادف التكبر. وهذا هو التفسير الذي ينبغي أن نفهم في ضوئه ما يرد من عبارات تتعلق بالشرفاء أو المستضعفين.

هذا ويلحظ أن من مجموع السبعة والستين الذين سبقوا إلى الإسلام ثلاثة عشـر فقط ممن هم من الفقراء والمستضعفين والموالي والأرقاء والأخلاط من مختلف الأعاجم. فهم إذن الخمس من المجموع. وما كان كذلك لا يقال عنه (أكثرهم) ولا (معظمهم) ولا (عامتهم) [الشامي: من معين السيرة].

ب- العبر والعظات في هذا المقطع:

1- إن في إلهام الله تعالى لرسول الله بأن يبدأ الدعوة سرًا، تعليمًا للدعاة في كل زمان ومكان، وإرشادًا لهم إلى مشروعية الأخذ بالحيطة والحذر والأسباب الظاهرة، وما يقرره التفكير والعقل السليم من الوسائل التي ينبغي أن تتخذ من أجل الوصول إلى غايات الدعوة وأهدافها. على أن لا يتغلب ذلك كله على الاعتماد والاتكال على الله تعالى وحده، وعلى أن لا يذهب الإنسان في التمسك بهذه الاسباب مذهبًا يعطيها معنى التأثير والفعالية في تصوره وتفكيره. فهذا يخدش أصل الإيمان بالله تعالى، فضلًا عن أنه يتنافى مع طبيعة الدعوة إلى الإسلام.

ومن هنا تدرك، أن أسلوب دعوته في هذه الفترة كان من قبيل السياسة الشرعية بوصف كونه إمامًا، وليس من أعماله التبليغية عن الله تعالى بوصف كونه نبيًا [البوطي: فقه السيرة].

2- أجمع جمهور الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب على الظن أنهم سيقتلون من غير أي نكاية في أعدائهم إذا ما أجمعوا على حربهم، فينبغي أن تقدم هنا مصلحة حفظ النفس، لأن المصلحة المقابلة، وهي مصلحة حفظ الدين، موهومة أو منفية الوقوع، وهذا ما يقرره العز بن عبد السلام [في قواعد الأحكام]. ويقول الدكتور البوطي في تعليقه على هذا القول إنه من حيث حقيقة الأمر ومرماه البعيد، فإنها في الواقع مصلحة دين، إذ المصلحة الدينية تقتضي - في مثل هذه الحال - أن تبقى أرواح المسلمين سليمة لكي يتقدموا ويجاهدوا في الميادين المفتوحة الأخرى. وإلا فإن هلاكهم يعتبر إضرارًا بالدين ذاته، وفسحًا للمجال أمام الكافرين ليقتحموا ما كان مسدودًا أمامهم من السبل.

وهو بهذا يعني أن عدم القتال تقديم لمصلحة الدين المتيقنة على مصلحة الدين المرجوحة.

المبحث الحادي والعشرون: تطور الدعوة

أ- المرحلة الثانية: الجهر بالدعوة:

روى أحمد - في المسند، بسند حسن - عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴿ ٢١٤ [الشعراء: 214] قال: جمع النبي أهل بيته، فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا، فقال لهم: «من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي؟»، فقال رجل: يا رسول الله، أنت كنت بحرًا، من يقوم بهذا؟... فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي: أنا.

وفي رواية ابن إسحاق [في السيرة، بسند يتقوى بغيره]: أن الرسول قال لهم في ذلك اللقاء: «يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابًا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة».

ثم خطا الرسول خطوة أخرى لتنفيذ أمر الله تعالى. فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس، قال: «لما نزلت: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴿ ٢١٤ [الشعراء: 214]، ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب عظيم». قال أبو لهب: تبًا لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام، فنزلت: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد: 1].

وروى الشيخان عن أبي هريرة، قال: لما أنزلت هذه الآية: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دعا رسول الله قريشًا. فاجتمعوا فعمَّ وخص، فقال: «يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هشام!... يا بني عبد المطلب!... يا فاطمة!... فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلالِهَا». [أي: سأصلها، شبهت قطيعةُ الرحم بالحرارة، ووصلها بإطفاء الحرارة ببرودة الماء].

كانت هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ. فقد فاصل الرسول قومه على دعوته، وأوضح لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلة بينه وبينهم، وأن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند الله سبحانه وتعالى [البوطي].

ب- دروس وعبر من هذا المقطع:

1- إن الموقف السلبي لعشيرة الرسول بصفة خاصة والعرب القرشيين بصفة عامة من الدعوة في هذه الفترة، فيه الرد القاطع على من يحاولون تصوير هذا الدين بأنه ثمرة من ثمار القومية، ويدعون أن محمدًا إنما كان يمثل بدعوته التي دعا إليها آمال العرب ومطامحهم في ذلك الحين.

2- إن في تباطؤ الناس عن الدخول في الإسلام، لدليلًا على مدى قوة وتغلغل العادات والتقاليد في المجتمعات التي تعيش ردحًا من الزمان في الجاهلية وفساد الفطرة. وهو وضع يواجهه الدعاة في كثير من المجتمعات قديمًا وحديثًا، حتى المجتمعات الإسلامية، عندما يخبو فيها صوت الدعوة المهتدية بسنة الرسول تجد أثرًا كبيرًا للعادات والتقاليد في تسيير حركة المجتمع في المجالات المختلفة، وتجد استنكارًا ممن وقعوا في أسر هذه العادات والتقاليد، لصوت العقل المهتدي بسنة الرسول والسلف الصالح، في فهم الإسلام.

3- إن في خصوصية الأمر بإنذار العشيرة، إشارة إلى درجات المسؤولية التي تتعلق بكل مسلم عمومًا والدعاة منهم خصوصًا. فقد كان الرسول يتحمل المسؤولية تجاه نفسه، بوصف كونه مكلفًا. ويتحملها تجاه أسرته وأهله، بوصف كونه رب أسرة وذا آصرة قربى، ثم كان يتحمل المسؤولية تجاه الناس كلهم بوصف كونه نبيًا ورسولًا من الله عز وجل.

ويشترك مع النبي في الأولى، كل مكلف، وفي الثانية كل صاحب أسرة، أو كل فرد له عشيرة، وفي الثالثة العلماء والحكام [البوطي].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة