حجم الخط:

محتوى الدرس (12)

الأسلوب الثاني عشر: الاعتداء الجسدي:

أ- الاعتداء الجسدي على الرسول :

عندما لم تثمر كل الأساليب السابقة وغيرها في صد الرسول وأصحابه عن دينهم، لجأت قريش إلى أسلوب الاعتداء الجسدي والتصفية الجسدية.

‏[اكتب اقتباساً من ‏المستند أو من ملخص ‏نقطة هامة. يمكنك وضع ‏مربع النص في أي مكان ‏في المستند. استخدم ‏علامة التبويب لقد استفحل إيذاؤهم للرسول في الفترة العلنية لغضبهم منه حين أضحى يظهر شعائر دينه مثل الصلاة عند الكعبة. فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: «هل يُعَفِّرُ محمد وجهه بين أَظْهُرِكُم؟ قال: فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرنَّ وجهه في التراب. قال فأتى رسول الله وهو يصلي- زعم ليطأ على رقبته - قال: فما فجأهم منه إلا وهو يَنْكُصُ على عَقِبَيْهِ ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لَخَنْدَقًا من نار وهَوْلًا وأجنحة». فقال رسول الله : «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا»، قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ ﴿ ٦ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ ﴿ ٧ إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ ﴿ ٨ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ ﴿ ٩ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ ﴿ ١٠ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ ﴿ ١١ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ ﴿ ١٢ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿ ١٣ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ ﴿ ١٤ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ﴿ ١٥ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴿ ١٦ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴿ ١٧ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴿ ١٨ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ۩ ﴿ ١٩ [العلق: 6- 19]. [ورواه البخاري مختصرًا].

وروى البخاري بسنده إلى عروة بن الزبير، قال: «سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ، قال: رأيت عقبة ابن أبي معيط، جاء إلى النبي ، وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه ، فقال: «أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟».

وروى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود، قال: «بينما رسول الله يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نُحِرَتْ جَزَورٌ بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سَلا جَزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي وضعه بين كتفيه، قال: فَاسْتَضْحَكُوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر. لو كان لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله والنبي ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جُوَيْرِيَةٌ، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم. فلما قضـى النبي صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم.. فوالذي بعث محمدًا بالحق لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر».

قال ابن حجر [في الفتح]: (وقد أخرج أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح عن أنس، قال: «لقد ضربوا رسول الله مرة حتى غشي عليه، فقام أبو بكر فجعل ينادي: ويلكم، أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ فتركوه وأقبلوا على أبي بكر...) [مسند أبي يعلى، برقم 3691].

وتسلط عليه عتيبة بن أبي لهب بالأذى، وشق قميصه، وتفل في وجهه إلا أن البزاق لم يقع عليه، وحينئذٍ دعا عليه النبي ، وقال: «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك». واستجيب دعاؤه، فذبحه السبع وهو بالزرقاء بالشام. وحاولت أم جميل أروى أو العوراء بنت حرب، أخت أبي سفيان - زوجة أبي لهب - أن تعتدي عليه بحجر، فحماه الله عز وجل منها - كما روى البيهقي [في الدلائل]. وكانت تحمل الحطب لتضعه في طريقه - كما حكاه القرآن الكريم [المسد:4] [وإسناد البيهقي حسن لغيره].

وروى أحمد [في المسند، بسند صحيح]، أن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ونائلة وإساف: لو قد رأينا محمدًا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله... وأخبرته ابنته فاطمة بالذي قالوا، فجاءهم وحصبهم بقبضة من تراب، من أصابته منهم قتل يوم بدر كافرًا.

وروى الإمام أحمد [في المسند، بسند صحيح] من حديث أنس، أن جبريل جاء ذات يوم إلى النبي وهو جالس حزينًا قد خضب بالدماء، ضربه بعض أهل مكة، فقال له مَالَك؟ قال: «فعل بي هؤلاء وفعلوا، فقال له جبريل: أتحب أن أريك آية؟ قال: نعم. فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال: ادع بتلك الشجرة، فدعاها، فجاءت حتى قامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع، فأمرها فرجعت إلى مكانها. فقال رسول الله : حسبي».

يرى ابن كثير [في البداية]، أن غالب ما وقع للرسول من اعتداء جسدي وما يشبه ذلك، كان بعد وفاة عمه أبي طالب.

ب- الاعتداء الجسدي على الصحابة من قريش بمكة:

ونال أبو بكر رضي الله عنه نَصِيْبَهُ من الأذى، حتى فكر في الهجرة إلى الحبشة - كما فعل آخرون غيره - فرارًا بدينه [البخاري].

وذات يوم قام أبو بكر خطيبًا في المسجد الحرام، فضـربه المشـركون ضربًا شديدًا، وممن ضربه عتبة بن ربيعة، حيث جعل يضربه على وجهه بنعلين مخصوفتين حتى ما يعرف وجهه من أنفه. وجاء بنو تيم - قومه - يتعادون، فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحملوه في ثوب إلى منزله، ولا يشكون في موته، وأقسموا لئن مات أبو بكر ليقتلن عتبة ابن ربيعة [ابن كثير: البداية].

وكان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله بمكة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، على الرغم من تحذير المسلمين له من عدوان المشركين وخشيتهم عليه. فعندما فعل ذلك، ضربوه على وجهه حتى أثروا فيه. وعندما قال له الصحابة: «هذا الذي خشينا عليك، قال: ما كان أعداء الله أهون منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينَّهم بمثلها غدًا. قالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون» [ابن إسحاق كما في السيرة].

وكان عمُّ عثمان بن عفان يلفه في حصير من أوراق النخيل، ثم يدخنه من تحته. وروي أنه عندما أسلم أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطًا، وأقسم ألا يحله إلا إذا ترك الإسلام، فأقسم عثمان رضي الله عنه على عدم تركه الإسلام، فلما رأى عمه صلابته في دينه تركه [ابن سعد].

ولما علمت أم مصعب بن عمير رضي الله عنه بإسلامه أجاعته وأخرجته من بيته. وكان من أنعم الناس عيشًا، فتخشف جلده تخشف الحية، حتى حمله أصحابه على قِسيِّهِم؛ لشدة ما به من الجهد [ابن إسحاق: السيرة].

واعتدوا على عمر بن الخطاب عندما أسلم، وحاولوا قتله لولا أن أنقذه الله عز وجل بالعاص بن وائل [ابن إسحاق: السير والمغازي].

وممن أوذي عثمان بن مظعون. فقد روي أنه عندما رجع من الهجرة الأولى إلى الحبشة، دخل في جوار[حماية] الوليد بن المغيرة، فلما رأى المشـركين يؤذون المسلمين وهو آمن، رد جوار الوليد. وعندما قدم لبيد بن ربيعة إلى مكة، وكان في مجلس لقريش ينشدهم شعره، قال لبيد: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل»، قال عثمان بن مظعون: «صدقت، وعندما قال: وكل نعيم لا محالة زائل، قال له عثمان: «كذبت. نعيم الجنة لا يزول»، قال لبيد: «يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟»، فقال رجل من القوم: «إن هذا أيضًا في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله»، فرد عليه عثمان حتى تفاقم أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل، فلطم عينه فَخَضَّرَها، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: «أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابت لغنيَّة، لقد كنت في ذمة منيعة»، قال عثمان: «بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس»، فقال له الوليد: «هلم يا ابن أخي، إن شئت فعد إلى جوارك»، فقال: «لا» [ابن إسحاق: السيرة، والبيهقي في الدلائل، والطبراني في الكبير].

وكان عم الزبير بن العوام يعلقه في حصير، ويدخن عليه النار، ويقول: «ارجع إلى الكفر، فيقول الزبير: لا أكفر أبدًا» [الحاكم، وأبو نعيم في الحلية].

وكان أبو جهل قد حبس أخاه سلمة بن هشام بن المغيرة رضي الله عنه عندما عاد من الحبشة، وأجاعه، ولكن تمكن من الانفلات واللحاق بالرسول بالمدينة بعد غزوة الخندق [ابن سعد]. وكان ممن دعا لهم الرسول ربه في القنوت أن ينجيهم الله من أعدائهم [البخاري].

جـ- الاعتداء الجسدي على المسلمين العرب من خارج مكة:

ولم يقتصر التعذيب الجسدي على المسلمين بمكة، بل امتد إلى بعض الأفراد الذين أسلموا من القبائل البعيدة عن مكة. فقد روى ابن سعد أن أم شَرِيْكٍ غَزِيَّة بنت جابر ابن حَكِيم عندما أسلمت هي وزوجها، وهاجر زوجها مع أبي هريرة وجماعة من قومها، جاءها أهل زوجها أبي العِكُرِ فسألوها إن كانت على دينه، فأقرت بإسلامها، فأقسموا على تعذيبها. فعندما ارتحلوا من مكان إلى آخر، حملوها على شر ركابهم وأغلظه، ثم أطعموها خبزًا وعسلًا ومنعوا عنها الماء، وتركوها في الشمس حتى ذهب عقلها وسمعها وبصرها، وكرروا ذلك لمدة ثلاثة أيام. وفي اليوم الثالث، طلبوا منها ترك دينها، فلم تفعل غير الإشارة بأصبعها إلى السماء بالتوحيد ولا تعي ما يقولون من شدة الإعياء والإغماء، وأكرمها الله عز وجل بدلو من ماء شربت منه، فكان ذلك سببًا في إسلام أهل زوجها وهجرتهم إلى النبي .

وعندما سمع أبو ذر الغفاري رضي الله عنه بخبر النبي جاء ودخل مكة، وأخذ يسأل عن الرسول ، فضربه أهل مكة حتى أغشي عليه، وكاد أن يموت، فخلصه العباس رضي الله عنه منهم [متفق عليه].

وروى قصة إسلامه مطولة مسلم، وأحمد [في المسند]، وأبو نعيم [في الدلائل]، والحاكم. وفيها أن أبا ذر أول من حيَّا رسول الله بتحية أهل الإسلام، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال الرسول في رده عليه: «وعليك السلام ورحمة الله...». [ابن سعد من طريق الواقدي] ولفظ أحمد: «عليك ورحمة الله»، ولفظ مسلم: «وعليك ورحمة الله» في رواية، وفي أخرى «وعليك السلام»؛ ولفظ أبي نعيم: «وعليك ورحمة الله».

د- الاعتداء الجسدي على الموالي:

لقد نفَّس الكفار كل أحقادهم على الإسلام ومعتنقيه في أشخاص الموالي؛ لأنه لم تكن لهم منعة. فكان العذاب أقسى وأفظع.

وقد عذر الله عز وجل المعذبين فيما يقولون حينما يبلغ الجهد منهم مبلغه. قال سعيد بن جبير لابن عباس: «أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟»، قال: «نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجوعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدة الضرب الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولون له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده» [ابن إسحاق: السيرة]. قال ابن كثير في البداية: (وفي مثل هذا أنزل الله تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ ١٠٦ [النحل:106]).

قال ابن مسعود رضي الله عنه: «أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد، فأما رسول الله فمنعه الله بعمه، وأبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشـركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلالًا فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه، فأخذوه، فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد» [أحمد: المسند، بسند صحيح].

ومن أبرز من نالهم الاعتداء الجسدي من الموالي بمكة:

أ- آل ياسر رضي الله عنهم:

كانت هذه الأسرة ممن يضرب بها المثل فيما لاقاه المستضعفون من الابتلاءات في تاريخ الإسلام. فقد كان بنو مخزوم يخرجون بهم إذا حميت الظهيرة فيعذبونهم برمضاء مكة وغطوا عمار في الماء [ابن إسحاق: في السيرة والسير والمغازي].

ومرَّ بهم الرسول ذات مرة وهم يعذبون، فقال لهم: «أبشروا آل عمار وآل ياسر، فإن موعدكم الجنة» [الحاكم، بسند صحيح].

وكان أول من استشهد في سبيل الله عز وجل من هذه الأسرة خاصة، وفي الإسلام عامة: أم عمار - سمية بنت خباط - فقد طعنها أبو جهل بحربة في قُبُلِهَا فماتت من جراء هذا الاعتداء الآثم [البيهقي: الدلائل، من مرسل مجاهد].

ومات ياسر في العذاب، ورمي ابنه عبد الله فسقط ميتا [ابن حجر: الفتح]. وتفننوا في إيذاء عمار، حتى أجبروه على أن يتلفظ بكلمة الكفر بلسانه. وذكر جمهور المفسـرين أن من أسباب نزول الآية الكريمة: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [النحل:106] هو موقف عمار بن ياسر هذا [ابن الجوزي والطبري].

قال ابن حجر [في الفتح (9/ 281)]: (وكان عمار عربيًا عنسيًا، ما وقع عليه سبي، وإنما سكن أبوه ياسر مكة، وحالف بني مخزوم، فزوَّجوه سمية، وهي من مواليهم، فولدت له عمارًا، فيحتمل أن يكون المشركون عاملوا عمارًا معاملة السبي لكون أمه من مواليهم). وقال ابن إسحاق [في السيرة، ص 192]: (إن ياسرًا كان عبدًا لبني بكر من بني الأشجع، فاشتروه منهم، فزوَّجوه سمية أم عمار، فولدت عمارًا، وكانت سمية أَمة لهم، فأعتقوا سمية وعمارًا).

ب- بلال رضي الله عنه:

كان بلال مولى لبعض بني جُمَح. وهو بلال بن رَبَاح، وأمه حَمَامَة. ذكر أنه كان حبشيًا، وهو المشهور، وقيل: كان نوبيًا [ابن حجر: الفتح].

كان طاهر القلب صادق الإسلام. وكان مولاه أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: «لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللَّات والعزَّى»، فيقول وهو في ذلك البلاء: «أحد أحد» [ابن إسحاق: السيرة يعتضد].

وروى البلاذري [في أنساب الأشراف]، عن عمرو بن العاص قال: «مررت ببلال وهو يعذب في الرمضاء، ولو أن بضعة لحم وضعت عليه لنضجت، وهو يقول: أنا كافر باللات والعزى، وأمية مغتاظ عليه، فيزيده عذابًا، فيقبل عليه فيدغت في حلقه، فيغشى عليه ثم يفيق».

وروى البلاذري - كذلك - عن مجاهد، قال: «جعلوا في عنق بلال حبلًا، وأمروا صبيانهم أن يشتدوا به بين أخشبي مكة - يعني جبليها- ففعلوا ذلك وهو يقول: أحد أحد».

وقال البلاذري - أيضًا -: (وروي أن بلالًا قال: «أعطشوني يومًا وليلة، ثم أخرجوني فعذبوني في الرمضاء في يوم حار»).

وعندما رآه أبو بكر رضي الله عنه في هذه الحالة، ساوم سادته على شرائه، فاشتراه وأعتقه. فقد روى ابن أبي شيبة [كما قال ابن حجر في الفتح] بإسناد صحيح، والبلاذري بإسناد جيد، وابن عبد البر [في الاستيعاب، بسند قوي]: أن «أبا بكر اشترى بلالًا بخمس أواق وهو مدفون بالحجارة». وروى البخاري أن بلالًا قال لأبي بكر: «إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت اشتريتني لله فدعني وعمل الله».

جـ- خباب بن الأَرتّ رضي الله عنه:

[سمي الأرت للكنة في لسانه العربي - البلاذري].

هو خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة... بن تميم التميمي، ويقال الخزاعي [ابن هشام]... سُبي في الجاهلية، فبيع بمكة. وكان مولى لأم أنمار الخزاعية، وقيل غير ذلك، ثم حالف بني زهرة. كان يعمل قينًا - حدادًا - في صناعة الأسنَّة، وبخاصة السيوف. وكان من السابقين الأولين إلى الإسلام [متفق عليه].

وعندما أظهر إسلامه لاقى صنوفًا شتى من العذاب في المال والنفس، وضمن سائر المستضعفين [حلية الأولياء، بسند صحيح]. ومما روي في ذلك أنهم كانوا يأخذون بشعر رأسه فيجذبونه جذبًا، ويلوون عنقه بعنف، وأضجعوه مرات عديدة على صخور ملتهبة، ثم وضعوا عليه حجرًا حتى لا يستطيع أن يقوم [ابن الجوزي: التلقيح]. وأوقدوا له نارًا ووضعوه عليها، فما أطفأها إلا ودك ظهره، كما ذكر خباب نفسه، وقد كشف عن ظهره وأرى أثر ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه [الحلية، بسند حسن بشواهده]، وذكر أيضًا أنهم كانوا يضجعونه على الرَّضَف [الحجارة الممحاة]، ومع ذلك لم ينالوا منه ما أرادوا [الحلية، بسند صحيح].

وله قصة مشهورة مع العاص بن وائل، رواها البخاري ومسلم وغيرهما، من حديث خباب نفسه قال: «كنت قينًا بمكة فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفًا، فجئت أتقاضاه، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت: لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يحييك، قال: إذا أماتني الله ثم بعثني ولي مال وولد فسأقضيك، فأنزل الله عز وجل: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ﴿ ٧٧ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ﴿ ٧٨ [مريم: 77- 78].

وعندما اشتد البلاء بخباب رضي الله عنه وإخوانه المسلمين المستضعفين، شكوا إلى الرسول حالهم. فقد روى البخاري عن خباب قوله: «شكونا إلى رسول الله وهو متوسد بردًا له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصـرُ؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه. ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».

د- عامة الموالي المستضعفين:

منهم حمامة، والدة بلال، وعامر بن فُهَيْرَة، وأم عُبَيْس، وزِنِّيْرَة، والنَهْدِيَّة، وابنتها، وجارية بني عَدِي، التي كان يعذبها عمر بن الخطاب قبل أن يسلم [ابن كثير: الفصول]، وجارية بني مُؤَمِّل وقد أعتقهم أبو بكر جميعًا [ابن إسحاق: السيرة، والسير].

وعندما رأى أبو قحافة ابنه أبا بكر يعتق هؤلاء المستضعفين، قال له: «يا بني، إني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالًا جُلُدًا يمنعونك ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر: «يا أبت، إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل». فأنزلت فيه الآية: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ ﴿ ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ ﴿ ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴿ ٧ إلى قوله عز وجل: ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَىٰ ﴿ ١٩ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ ﴿ ٢٠ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ ﴿ ٢١ [الليل:5- 21] [الحاكم، وصححه من حديث ابن إسحاق وسكت عنه الذهبي].

وقد أصيب بصر زنيرة حين أعتقها أبو بكر، فقالت قريش: «ما أذهب بصـرها إلا اللات والعزى»، فقالت: «كذبوا وبيت الله، ما تضران اللات والعزى وما تنفعان». فرد الله بصرها [ابن إسحاق: السيرة، بإسناد حسن مرسل].

وكان أَفْلَح - أبو فُكَيْهَة - مولى لبني عبد الدار - كانوا يشدونه بالحبل من رجله ثم يجرونه على الأرض، ليفتنوه عن دينه [الإصابة، بدون إسناد].

العبر والعظات:

1- ربما يتساءل المرء: فيم هذا العذاب الذي لقيه الرسول وأصحابه وهم على الحق؟ ولماذا لم يعصمهم الله تعالى منه وهم جنوده وفيهم رسوله؟ والجواب: أن أول صفة للإنسان في الدنيا، أنه مكلف، وأمر بالدعوة إلى الإسلام والجهاد لإعلاء كلمته من أهم متعلقات التكليف، والتكليف من أهم لوازم العبودية لله تعالى. وعبودية الإنسان لله عز وجل ضرورة من ضرورات ألوهيته عز وجل، ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿ ٥٦ [الذاريات:56].

فقد استلزمت العبودية- إذًا - التكليف، واستلزم التكليف تحميل المشاق ومجاهدة النفس والأهواء، والصمود في وجه الفتن والابتلاءات.

والفتنة والابتلاء هما الميزان الذي يميز الصادق عن الكاذب، وفي ذلك يقول المولى عز وجل: ﴿ الم ﴿ ١ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿ ٢ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿ ٣ [العنكبوت: 1- 3]، ويقول: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿ ١٤٢ [آل عمران:142].

وما دام الأمر كذلك فلا ينبغي للمسلم أن يتوهم اليأس إذا ما عانى شيئًا من المشقة والمحنة. بل العكس هو المنسجم مع طبيعة هذا الدين، أي إن على المسلمين أن يستبشروا بالنصر كلما رأوا أنهم يتحملون مزيدًا من الضر والنكبات سعيًا إلى تحقيق أمر ربهم عز وجل، ويتجلى برهان ذلك في قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴿ ٢١٤ [البقرة:214] [البوطي: فقه السيرة].

2- المقرر عند علماء المسلمين أن الأخذ بالعزيمة في ميدان الإكراه أولى من الرخصة، وأن أخذ الأئمة والقادة بالعزيمة هو الأولى والأجمل. ويعتبر الفقهاء الإكراه بمدى قدرة المكره على إيقاع ما هدد به [الموصلي: الاختيار لتعليل المختار].

وإن أخذ عامة المسلمين بالرخصة ليس دليلًا على فساد في العقيدة، بدليل قول الرسول لعمار بن ياسر: «إن عادوا فعد»، أي إذا عادوا وطلبوا منك ذكر آلهتهم بخير، فاذكرها، ما دام قلبك مطمئنًا بالإيمان [زهير سالم: عثرات].

يقول ابن كثير [في التفسير]، في تعليقه على موقف عمار بن ياسر من التعذيب: (ولهذا اتفق العلماء على أنه يجوز أن يوالي المكره على الكفر، إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يستقتل كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل،... وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري [رسول رسول الله الى مسيلمة]، لما قال له مسيلمة الكذاب: «أتشهد أن محمدًا رسول؟» فيقول: «نعم» فيقول: «أتشهد أني رسول الله؟» فيقول: «لا أسمع». فلم يزل يقطعه إربًا إربًا وهو ثابت على ذلك... والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه، ولو أفضى إلى قتله، كما قال الحافظ ابن عساكر، في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي...). فقد عرض على الموت مرتين ولم يتزعزع.

وفي تعليقه على الموقف ذاته قال ابن الجوزي [في تفسيره]: (الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها. وفي الإكراه المبيح لذلك عن أحمد روايتان إحداهما: أنه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمر به. والثانية أن التخويف لا يكون إكراهًا حتى ينال بعذاب. وإذا ثبت جواز «التقية»، فالأفضل ألا يفعل...).

ويرى بعض السلف أمثال معاذ بن جبل رضي الله عنه ومجاهد رحمه الله أن مثل هذه التقية كانت في بدء الإسلام، قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، وأما اليوم فقد أعز الله الإسلام، فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم [تفسير البغوي].

إن في مواقف المؤمنين - بمختلف قبائلهم - وثباتهم على دينهم ورضاهم بجوار ربهم، مثلًا عاليًا في التوكل على الله تعالى، ولن ينسى التاريخ تلك المواقف الإيمانية البطولية لهؤلاء المسلمين الأوائل، الذين كانوا قدوة لأصحاب المبادئ في كل زمان ومكان.

إن أعداء الإسلام في كل زمان ومكان، لم يكفوا ولن يكفوا عن استخدام كافة الوسائل والأساليب لإطفاء نور الإسلام ومحاربة دعاته، وربما تتجدد الأساليب والوسائل، ولكنها لا تخرج في مضمونها عن تلك الأساليب التي مارسها كفار قريش ضد المسلمين المستضعفين بمكة.

وسيطول بنا الشرح إذا وقفنا عند كل أسلوب، وذكرنا له أمثلة من واقع حركة الإسلام وسط المجتمعات والشراذم الرافضة لتحكيم شرع الله عز وجل.

كان من جليل حكمة الله تعالى أن يقوم مشركو قريش بسلسلة من المساومات مع الرسول بعد أن صوَّروا في أنفسهم كل ما يمكن أن يظنوه سببًا أو هدفًا وراء دعوته، ورفض الرسول قبول كل العروض التي قدموها له مقابل أن يتخلى عن دعوته ليثبت للتاريخ أن هدفه شيء واحد، وهو الإسلام، وليقطع الطريق أمام المتشككين في أهداف دعوته ، أو فهموا فهمًا مغايرًا لما كشفت عنه تلك اللقاءات بين الرسول وبين مساوميه من الكفار، وكانت سيرته فيما بعد تأكيدًا ودليلًا على أنه لم يكن يطلب شيئًا غير الإسلام [البوطي: السيرة].

الأسلوب الثالث عشر: ملاحقة المسلمين خارج مكة والتحريض عليهم:

عندما هاجر بعض المسلمين إلى النجاشي، أرسلوا خلفهم من حاول اللحاق بهم قبل العبور إلى الحبشة، وعندما استقروا بالحبشة وكثر عددهم، أرسلوا في طلبهم، واستخدموا في ذلك الرشوة والحيلة للوقيعة بين المسلمين والنجاشي، ولكنهم فشلوا في ذلك.

وسيأتي بيان ذلك في هجرة المسلمين الأولى والثانية إلى الحبشة وهجرة المدينة.

الأسلوب الرابع عشر: المقاطعة العامة:

سيأتي ذكرها في مكانها من هذا الكتاب (مبحث 28).

الأسلوب الخامس عشر: محاولة قتل الرسول ﷺ:

يأتي ذكره مفصلًا.

الأسلوب السادس عشر: شن الحرب عليه:

سيأتي ذكر ذلك من خلال أبحاث وفصول الكتاب.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة