المبحث الثاني والثلاثون: التسلية الربانية
تأتي هذه المعجزة تكريمًا وتثبيتًا للرسول ﷺ بعد وفاة عمه الذي كان يحميه وزوجته التي كانت تواسيه، وبعدما أصابه في الطائف ومكة ما أصابه من الأذى. فهي بعد العام العاشر من البعثة كما تدل على ذلك مجريات الأحداث، ولكن اختلف في تحديد زمانها بعد العام العاشر [ابن كثير: البداية (3/ 119)].
بعد دراسة الآثار الواردة في تحديد الشهر واليوم الذي حدث فيه الإسراء والمعراج، خلص الشيخ طرهوني [صحيح السيرة] إلى أنه يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول.
فقد ذكر موسى بن عقبة عن الزهري [مغازي عروة] وعروة بن الزبير [مغازي عروة]، أن الإسراء إلى بيت المقدس كان قبل خروج النبي ﷺ إلى المدينة بسنة. ومما لا جدال فيه أن الإسراء والمعراج ثابت بالقرآن والسنة.
فقد أشار القرآن الكريم إلى الإسراء والمعراج في سورتي الإسراء والنجم. ففي السورة الأولى ذكر قصة الإسراء وحكمته، في قوله: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿ ١ ﴾ ﴾ [الإسراء:1].
وذكر في السورة الثانية قصة المعراج وثمرته، في قوله: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ﴿ ١٣ ﴾ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ ﴿ ١٤ ﴾ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ﴿ ١٥ ﴾ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ﴿ ١٦ ﴾ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ﴿ ١٧ ﴾ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ ﴿ ١٨ ﴾ ﴾ [النجم: 13- 18].
إن من أكثر أحداث السيرة بمكة مرويات هي هذه الحادثة، فمجموع رواياتها عند البخاري عشرون رواية، عن ستة من الصحابة رضي الله عنهم.
وعند مسلم نحوًا من ثماني عشرة رواية، عن سبعة من الصحابة رضي الله عنهم. [عرجون: محمد رسول الله ﷺ].
ولا توجد رواية واحدة تجمع ما ورد من أحداث خلال هذه الرحلة، وإنما هناك روايات أشارت كل واحدة منها إلى بعض الأحداث.
ومن خلال مجموع الروايات التي وردت عند البخاري ومسلم وغيرهما يمكن تلخيص مضمون تلك الروايات.
بعد صلاة العشاء من تلك الليلة المباركة نزل جبريل ﷺ وفرج عن سقف بيت الرسول ﷺ بمكة، وشق صدره ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغه في صدره، ثم أطبقه ثم أخذ بيده فعرج به [البخاري ومسلم وغيرهما].
عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته، فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فأتاني جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: أصبت الفطرة. قال: ثم عرج بي...» [متفق عليه].
وفي رواية أخرى أنه صلى بالأنبياء قبل المعراج، ثم بُعِثَ له آدم فمن دونه من الأنبياء عليهم السلام فأمهم رسول الله ﷺ تلك الليلة. [البيهقي: الدلائل].
ثم عرج به إلى السماوات، وفي كل سماء يستفتح جبريل، ثم يسأل، ومن معك؟ فيقول: «محمد» فيرحب به. فرأى في السماء الدنيا آدم، وفي الثانية عيسى ويحيى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة، موسى، وفي السابعة إبراهيم، مستندًا إلى البيت المعمور، ثم ذهب إلى سدرة المنتهى وفرض الله سبحانه وتعالى عليه وعلى أمته خمسين صلاة في اليوم والليلة. وفي طريق عودته من معراجه، انتهى إلى موسى، فسأله موسى: «ما فرض ربك على أمتك؟» فأخبره، فطلب منه موسى أن يرجع إلى ربه فيسأله التخفيف، ففعل وخفف الله عز وجل عنه خمس صلوات. ثم ما زال صاعدًا ونازلًا بين ربه وموسى، وفي كل مرة يطلب منه موسى أن يرجع لربه ليخفف عنه، حتى خففها الله تعالى، فأصبحت خمس صلوات بأجر خمسين صلاة. وعندما طلب منه موسى الرجوع بعد هذا، قال: «قد سألت ربي حتى استحيت»، فنادى مناد: «قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي» [البخاري ومسلم وغيرهما].
وفي رواية أنس عن أبي ذر، قال بعد ذكر السماوات: «ثم عرج بي حتى ظهرت في مستوى أسمع فيه صريف الأقلام»، ثم ذكر فرض الصلاة، وقال: «ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي؟ ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك» [متفق عليه].
وتناول النووي [شارح مسلم] قضية رؤية محمد ﷺ الله عز وجل في المعراج واختلاف العلماء في ذلك، ثم رجح أن الرسول ﷺ رأى ربه، استنادًا إلى حديث ابن عباس رضي الله عنهما في هذا، الذي قال فيه: «رأى محمد ربه بفؤاده مرتين».
قلت: وهذا الشاهد يؤيد من يقول بعدم الرؤية.
يتبين من الروايات أن طريق العودة كان من السماوات العلا إلى بيت المقدس ثم إلى مكة. فقد روى الترمذي عن شَداد بن أَوس: «... ثم انصرف بي فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا، قد أضلوا بعيرًا لهم، قد جَمَعَهُ فلان، فسلمت عليهم فقال بعضهم: هذا صوت محمد، ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة» [دلائل البيهقي بسند صحيح].
كانت وسيلة الإسراء البراق، بينما في المعراج استعملت الروايات الفعل المبني للمجهول «عُرِّجَ» فلم تبين الوسيلة، وفي بعضها: «نصب لي المعراج»، قال ابن كثير [في البداية]: (وهو السُّلَم، فصعد فيه إلى السماء، ولم يكن الصعود على البراق كما توهمه البعض).
موقف قريش من الإسراء والمعراج:
خشي الرسول ﷺ أن يكذبه قومه، فأصبح في ذلك اليوم مهمومًا. فجلس إليه أبو جهل وهو في هذه الحال، وسأله مستهزئًا، «هل كان من شيء؟» فأخبره النبي ﷺ بالإسراء. فلم يشأ أن يكذبه ساعتئذ خشية أن يكتم ذلك أمام الناس، واكتفى بقوله: «أرأيت إن دعوت قومك إليك، أتحدثهم بما حدثتني؟»، فقال رسول الله ﷺ: «نعم»، فأسرع إلى قومه، فدعاهم، فجاؤوا إليه، وطلب منه أبو جهل أن يحدثهم فحدثهم. فتعجبوا من حديثه، وطلب منه من رأى المسجد الأقصى أن يصفه لهم. فرفعه الله عز وجل له، فأخذ يصفه لهم، وهو ينظر إليه، فقالوا: «أما النَّعْتُ فقد والله أصاب» [البخاري ومسلم وغيرهما].
وفي رواية أنهم استنكروا أن يذهب الرسول ﷺ إلى الشام ثم يعود في جزء من ليلة واحدة، وهم يذهبون ويعودون في مدة شهرين، ولذا ارتد ناس ممن كان قد أسلم [أحمد في المسند والحاكم بسند صحيح].
أما أبو بكر فعندما أخبر بالخبر، صدقه دون تردد، قائلًا: «والله لئن كان قاله لقد صدق، وما يعجبكم من ذلك! فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار، فهذا أبعد مما تعجبون منه»، ثم أقبل على النبي ﷺ يسأله عن وصفه، وكلما ذكر شيئًا قال: صدقت. أشهد إنك رسول الله... فقال النبي ﷺ: «وأنت يا أبا بكر الصدِّيق»، فيومئذ سمَّاه الصديق. [الحاكم بسند صحيح].
الأدلة على أن الإسراء والمعراج كانا بالروح والجسد معًا:
قال القاضي عياض [في الشفا]: (اختلف العلماء في الإسراء والمعراج برسول الله ﷺ، فقيل إنما كان جميع ذلك في المنام، والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلمين أنه أُسريَ بجسده ﷺ، والآثار تدل عليه لمن طالعها وبحث عنها ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل، ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل..).
وقال ابن حجر [في الفتح]: (إن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي ﷺ وروحه بعد البعث، وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك، إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل...).
1- إن حديث الإسراء والمعراج متفق عليه بين أهل الحديث والمغازي، وثبت بآيات قرآنية وبأحاديث نبوية، فهو قطعي الثبوت. وهو بإجماع جماهير المسلمين من معجزاته ﷺ. وفي إنكاره إنكار لما هو معلوم من الدين بالضرورة.
2- جاءت هذه المعجزة بعد المحن التي ابتلي بها الرسول ﷺ لتجدد عزيمة الرسول ﷺ ولتدلل على أن هذا الذي يلاقيه من قومه ليس سببه تخلي الله عز وجل عنه، وإنما هي سنة الله سبحانه وتعالى مع أحبائه في كل عصر ومصر؛ وبينت للرسول ﷺ أن المستقبل لدينه، وذلك بإقرار إمامته للأنبياء السابقين، وما تمثل له من رموز لهذا المعنى؛ وبينت له أن الأرض إذا ضاقت في وقت، فإن السماء تفتح أبوابها لتستقبله، ولئن آذاه بعض أهل الأرض في وقت ما، فإن أهل السماء يقفون له مستقبلين ومرحبين.
3- إن الاقتران الزماني والمكاني بين إسرائه ﷺ إلى بيت المقدس والعروج به إلى السماوات السبع، لدلالة باهرة على مدى ما لهذا البيت من مكانة وقدسية عند الله تعالى. وفيه دلالة واضحة أيضًا على العلاقة الوثيقة بين ما بعث به كل من عيسى ومحمد ﷺ، وعلى ما بين الأنبياء من رابطة الدين الواحد الذي بعثوا به[1]؛ وفيه دلالة على واجب المسلمين في الحفاظ على هذه الأرض وحمايتها من مطامع أعداء الإسلام.
4- ولعل الحكمة في مرور هذه الرحلة ببيت المقدس، ولم تكن من المسجد الحرام إلى سدرة المنتهى مباشرة، هو أنه عندما أهدر اليهود كرامة الوحي وأسقطوا أحكام الله حلت بهم لعنة الله، وتقرر تحويل النبوة عنهم إلى الأبد، على الرغم من أنها ظلت فيهم زمانًا طويلًا، ومن ثم كان مجيء الرسالة إلى محمد ﷺ انتقالًا بالقيادة في العالم من أمة إلى أمة، ومن بلد إلى بلد، ومن ذرية إسرائيل إلى ذرية إسماعيل، وهو انتقال فيه احترام للإيمان الذي درج - قديمًا - في رحابه. [الغزالي ورواس].
5- إن في اختيار رسول الله ﷺ اللبن على الخمر حينما قدمهما له جبريل ﷺ، دلالة على أن الإسلام هو دين الفطرة. لأن اللبن مادة لم تتغير طبيعتها، والخمر نتيجة تغيير كيماوي في طبيعة العنب وغيره من مصادر الخمر، إضافة إلى أن الخمر يغيِّر فطرة الإنسان؛ لأنه يذهب العقل.
6- إن في جمع الله عز وجل المرسلين السابقين من حملة الهداية في هذه الأرض وما حولها، ليستقبلوا صاحب الرسالة الخاتمة دل على أن النبوات يصدق بعضها بعضًا، وأن محمدًا هو خاتمهم الذي اكتمل به الدين، وأبان مكانة محمد ﷺ عند ربه.
7- إن رؤية طرف من آيات الله عز وجل الكبرى في ملكوت السماوات والأرض له أثره الحاسم في توهين كيد الكافرين ومعرفة عقباهم، ورفع لمعنويات نبيه ﷺ وأصحابه ليواجهوا قوى الكفار المتألبة عليهم.
8- إن وقوع مثل معجزة الإسراء والمعراج للرسول ﷺ بعد مضي اثني عشر عامًا من مبعثه دَلَّ على أن الخوارق والمعجزات تأتي في طريق محمد ﷺ ضربًا من التكريم والإيناس لشخصه، غير معكرة ولا معطلة للمنهج العقلي العادي، وذلك على عكس ما وقع لبعض الأنبياء، مثلما وقع لموسى ﷺ، حيث إن الخوارق في سير هذا البعض قصد بها قهر الأمم على الاقتناع بصدق النبوة.
وتأكيدًا لهذا، فعندما اقترح المشركون على النبي ﷺ أن يرقى في السماء، جاء الجواب من الله عز وجل: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴿ ٩٣ ﴾ ﴾ [الإسراء:93].
فلما رقى في السماء بعد ذلك، لم يذكر قط أن ذلك ردًا على التحدي أو إجابة على الاقتراح السابق.
9- إن فرض الصلوات الخمس في ليلة المعراج دليل على أهمية هذا الركن من أركان الإسلام، الذي يجب أن يكون معراجًا يرقى بالناس كلما تدلت بهم شهوات النفوس وأغراض الدنيا [الغزالي].