الفصل الثالث: أسس بناء المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية بالمدينة
كان رجال من المسلمين يصلون في ذلك المكان الذي بركت فيه ناقة الرسول ﷺ، وكان مِرْبَدًا للتمر لِسُهَيل وسَهْل، غلامين يتيمين من بني النجار، في حِجْر أسعد ابن زرارة، فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء الله المنزل». ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: «بل نهبه لك يا رسول الله». فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا. [البخاري]. وفي رواية أخرى [للبخاري]، أنه ﷺ عندما أمر ببناء المسجد، أرسل إلى ملأ بني النجار، وعندما جاؤوه، قال لهم: «يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا»، فقالوا: «لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله».
قال ابن حجر [في الفتح]: (واحتج من أجاز بيع غير المالك بهذه القصة لأن المساومة وقعت مع غير الغلامين، وأجيب باحتمال أنهما كانا من بني النجار، فساومهما وأشرك معهما في المساومة عمهما الذي كانا في حجره، كما تقدم في الحديث...).
وفي الصحيح أن مكان المسجد كانت فيه قبور المشـركين، وكانت فيه خِرَبٌ، وكان فيه نخل. فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشـركين فَنُبِشَتْ، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عِضَادَتَيهِ حجارة، وجعلوا ينقلون ذلك الصخر [البخاري].
وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن لبنيانه، ويقول وهو ينقله:
| هذا الحِمالُ لا حِمالُ خيبر |
| هذا أَبَرُّ رَبَّنَا وأَطْهَر |
ويقول:
| اللهم إن الأَجْرَ أَجْرَ الآخرة |
| فارحم الأنصارَ والمُهاجِرَة |
وفي رواية أنهم كانوا ينقلون الصخر ويرتجزون ورسول الله ﷺ معهم، يقولون:
| اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة |
| فانصـر الأنصار والمهاجرة |
[البخاري]
وقال قائل من المسلمين في ذلك:
| لئن قعدنا والرسول يعملْ |
| ذَاك إذًا لَلْعَمَلُ المُضَلِّلْ |
[ابن حجر: الفتح]
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
| لا يستوي من يَعْمُرُ المساجدا |
| يَدْأَبُ فيها قَائِمًا وقاعِدا |
| ومن يُرَى عن التراب حَائِدَا [البخاري] | ||
وكان الرسول ﷺ يقدم في العمل من يجيد جانبًا منه. ففي حديث طَلْقٍ بن علي اليمامي الحنفي أن الرسول ﷺ كان يقول للعاملين في بناء المسجد من الصحابة، «قربوا اليمامي من الطين، فإنه أحسنكم له مسًا، وأشدكم له سَبْكًا». وفي رواية: «فأخذت المسحاة فخلطت الطين فكأنه أعجبه، فقال: دعوا الحنفي والطين، فإنه أضبطكم للطين». [ابن حجر: الفتح]، وفي رواية البيهقي [في الدلائل، بسند صحيح]: «قربوا اليمامي من الطين، فإنه من أحسنكم له بناء».
وكان عمار بن ياسر من أنشط العاملين في البناء، فبينما كان كل واحد يحمل لبنة، كان عمار يحمل لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن الرسول ﷺ، فمسح رسول الله ﷺ ظهره، وقال: «ابن سمية: للناس أجر ولك أجران، وآخر زادك شربة من لبن، وتقتلك الفئة الباغية». [مسلم وأحمد].
وهذا الحديث من دلائل النبوة، لأن عمارًا قتل في الفتنة التي نشبت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وكان في جيش علي، فقتله جنود معاوية رضي الله عنه، ومات بالكيفية التي ذكرها الرسول ﷺ. وقد أجاد ابن كثير [في البداية] وابن حجر[في الفتح] في شرح هذا الحديث. وقتله أبو الغادية، كما في الإصابة.
واستغرق البناء اثني عشر يومًا [البيهقي: الدلائل]، وبعد الفراغ منه، بنيت حجر لأزواج النبي ﷺ بنفس كيفية بناء المسجد. وبعد اكتمالها انتقل الرسول ﷺ إليها من بيت أبي أيوب، فكان لسودة بنت زمة بيت وآخر لعائشة رضي الله عنها: [ابن حجر: الفتح، من رواية الطبراني]، وهما أول بيتين بنيا، ثم تتابع بناء حجر نسائه الأخريات كلما تزوج بواحدة منهن؛ وكانت قصيرة البناء قريبة الفناء. [البخاري المفرد، بسند صحيح وغيره]، بعضها مبنية من جريد وطين، وبعضها من حجارة مرصوصة، وسقفها من جريد. [ابن أبي الدنيا برقم 244 صحيح، المفرد برقم 451 بسند صحيح، الشعب؛ الحلية]، وقيل: كانت من شعر - شجر - مربوطة بخشب من عرعر - شجر السـرو [نفسها] - ولم يكن لأبوابها حلق. [نفسها]. وقد أضيفت هذه البيوت إلى المسجد بعد موت أزواج الرسول ﷺ، وذلك في زمن الوليد بن عبد الملك [نفسها، والشامي في السبل]. [وانظر النت عن وصف مكونات حجر وبيوت زوجاته ﷺ].
وفرض الأذان بالكيفية التي عليها الآن، في السنة الأولى على الأرجح، وذلك عندما رأى عبد الله بن زيد رضي الله عنه في منامه صيغة الأذان، فأمر الرسول ﷺ بلالًا فأذن بها، وعندما سمعه عمر رضي الله عنه جاء إلى الرسول ﷺ. وقال إنه رأى ما رأى عبد الله ابن زيد. [الألباني: صحيح الترمذي].
ظل المسجد على حاله الذي بناه عليه الرسول ﷺ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر بأن أعاد عمده وجعلها خشبًا، وحمى سقفه من المطر، ثم غيره عثمان رضي الله عنه فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه من ساج [البخاري. والساج نوع من الأخشاب الهندية].
وحذر عمر من تحمير وتصفير المسجد حتى لا يفتن الناس، وكره أنس المباهاة في تعمير المساجد بالتزيين، وعاب على الناس عدم تعميرها بالصلاة. [البخاري].
ولم يكن في مسجد النبي ﷺ أول ما بُني منبر يخطب الناس عليه، بل كان النبي ﷺ يخطب الناس وهو مستند إلى جذع نخلة عند مصلاه، فلما اتخذ للرسول ﷺ منبر وعدل إليه ليخطب عليه، خار ذلك الجذع وحن حنين النوق العِشَار، لما كان يسمع من خطب الرسول ﷺ عنده، فرجع إليه النبي ﷺ فاحتضنه حتى سكن كما يسكن المولود الذي يُسَكَّت [البخاري]، وهذا من دلائل نبوته ﷺ. [والعشار: الناقة الحامل لعشرة أشهر].
وروى الدارمي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن المسجد ارتج لخواره، وكثر بكاء الناس حتى وضع النبي ﷺ يده عليه فسكت، وقال: «إن هذا بكى لما فقد من ذكر الله، والذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة»، ثم أمر به فدفن تحت المنبر.
وما أحسن ما قال التابعي الحسن البصري بعد رواية هذا الحديث عن أنس، قال باكيًا: (يا معشر المسلمين، الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقًا إليه، أو ليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا إليه؟). [البيهقي: الدلائل].
وأصبح المسجد منذ بنائه مكانًا للعبادة في المقام الأول، ثم بعد ذلك مكانًا لكل أمر يهم المسلمين، مثل:
1- إيواء بعض ضعفاء وفقراء المهاجرين الرجال العزاب الذين لم يتمكنوا من الحصول على منازل خاصة بهم، وعرفوا بأهل الصُّفَّة [البخاري].
2- إيواء ضعفاء النساء اللائي أسلمن من أحياء العرب ولم يجدن مأوىً غير المسجد حين قدومهن المدينة، مثل الوليدة السوداء التي اتخذت خِبَاءً أو حَفَشَاً في المسجد [البخاري].
3- كان مكانًا لتعليم المسلمين أمور دينهم.
4- كـان مكـانًا لإنشاد الشعر ذبًا عن الدعـوة الإسلامية وقائدهـا محمد ﷺ وأصحابه [البخاري].
5- كان مكانًا لاعتقال أسير الحرب المشرك، إذا كان في ذلك عظة لمن يراه من الناس، وعظة له عندما يرى الصلاة ويسمع القرآن وأحاديث الرسول ﷺ، كما في قصة ثمامة بن أثال [البخاري]. [يأتي ذكرها في أخبار السرايا].
6- نصب الخيمة فيه لعلاج جرحى المسلمين في الحرب، كما في قصة خيمة رفيدة، أيام غزوة الأحزاب [البخاري]. [يأتي ذكرها].
7- كان مكانًا لاستقبال الرسل - السفراء - الذين يفدون على الرسول ﷺ.
8- كان مكانًا لعقد ألوية جيوش وسرايا المجاهدين.
9- كان مكانًا لاجتماع المسلمين بقائدهم، وفي هذا فائدة من وجهين:
أ- احتكاك القائد بالرعية عن قرب، ودراسة أحوالهم، وبث الرعية شجونهم لقائدهم.
ب- احتكاك المسلمين بعضهم مع بعض، وتألف قلوبهم، وقد غاب هذا الفهم عن كثير من قادة وأفراد في زماننا هذا، وفهموا أن المسجد مكان عبادة الصلاة فقط.
أحكام وحِكم في قصة بناء المسجد النبوي الشريف:
1- استدل جمهور الفقهاء بحديث شراء الرسول ﷺ المربد من الغلامين بوساطة عمهما الذي كانا في حجره وكفالته، على عدم صحة تصـرف غير البالغ سن الرشد، ولهم دليل آخر من القرآن يؤكد صحة استدلالهم وهو الآية الكريمة: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ ﴾ [الأنعام:152، الإسراء: 33].
أما الحديث الذي يشير إلى أن الشراء تم مباشرة بين الرسول ﷺ والغلامين فيوجه إلى أن للنبي ﷺ ولاية خاصة في مثل هذه الأمور، وأنه عليه الصلاة والسلام إنما اشترى الأرض منهما بوصف كونه وليًا عامًا لجميع المسلمين، لا بوصفه كونه فردًا منهم، ولا وجه في هذا الحديث لاستدلال الحنفية به على صحة تصرف غير البالغ، لأن الآية رجحت حديث ابن عيينة على هذا الحديث. [الزركشي: إعلام الساجد؛ البوطي: السيرة].
وللعلماء كلام فوق هذا عن تصرف غير البالغ إذ قالوا:
أ- إن تصرفاته النافعة نفعًا محضًا كقبوله الهبة لنفسه جائزة.
ب- إن تصرفاته الضارة ضررًا محضًا كهبته لغيره غير جائزة.
ج- إن تصرفاته الدائرة بين النفع والضرر كالبيع والشراء موقوفة على إجازة الولي أو الوصي.
2- قال ابن حجر عند شرح حديث نبش قبور المشـركين لبناء مسجد في مكانها: (فيه جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع وجواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها، وجواز بناء المساجد في أماكنها).
3- كما أن الحديث يدل على أن الأرض التي دفن فيها الموتى ودرست، يجوز بيعها، وأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده، إذا لم توقف [إعلام الساجد؛ ابن حجر: الفتح؛ السيوطي].
إن في تمثل الرسول ﷺ برجز أو شعر غيره دليل على جواز قول الشعر وأنواعه خصوصًا الرجز في الحرب، والتنشيط على سائر الأعمال الشاقة، لما فيه من تحريك الهمم وتشجيع النفوس وتحركها على معالجة الأمور الصعبة. [قاله ابن حجر في شرحه حديث الباب].
4- استنادًا إلى عدم التكلف المظهري في بناء الرسول ﷺ مسجده، واستنادًا إلى ما نبه إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله: «أَكِنَّ الناس من المطر وإياك أن تحمِّر أو تصفِّر، فنفتن الناس» [إعلام الساجد]، كره عامة العلماء نقش وزخرفة المساجد، وقال بعضهم بحرمة ذلك. [ابن حجر: الفتح].
5- اختلف العلماء في كتابة آية من القرآن في قبلة المسجد، هل هي داخلة من النقش الممنوع أم لا؟ يقول الزركشي: (ويُكره أن يكتب في قبلة المسجد آية من القرآن أو شيئًا منه، قال مالك: وجوزه بعض العلماء، وقال: لا بأس به لما روي من فعل عثمان ذلك بمسجد رسول الله ﷺ، ولم ينكر ذلك عليه).
المبحث الثاني: المؤاخاة والحكمة منها
لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة لم يكن بأيدي معظمهم شيء، لأنهم تركوا أموالهم خلفهم، ولهذا، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا أهل زراعة، والأنصار أهل زراعة، فقد أعطتهم الأنصار كل ما يستطيعونه من فضل، أعطتهم النخل والأرض ليعملوا فيها بنصف ثمارها، ومنهم من أعطيت له مَنِيْحَة محضة، واستغنوا عنها عندما فتح الله عليهم خيبر [مسلم]. وقد رد النبي ﷺ نفسه ما أعطوه من نخل عندما فتحت عليهم قريظة والنضير [مسلم].
وكان ذلك الفعل من الأنصار دليلًا على مدى حبهم وإيثارهم المهاجرين. وقد شهد الله تعالى لهم بذلك في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ ﴾ [الحشر:9] [البخاري].
ووصل بهم الإيثار إلى أن قالوا للرسول ﷺ: «إن شئت فخذ منا منازلنا»، فقال لهم خيرًا، وابتنى لأصحابه في أرض وهبتها لهم الأنصار، وفي أراضٍ ليست ملكًا لأحد. [البخاري؛ البلاذري].
وقالت الأنصار للرسول ﷺ: «اقسم بيننا وبينهم النخل»، قال: «لا. قال: يكفونكم المؤونة ويشركونكم في الثمر، قالوا: سمعنا وأطعنا». [البخاري].
وقال الرسول ﷺ للأنصار: «إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم»، فقالوا: أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله ﷺ: «أو غير ذلك؟» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «هم قوم لا يعرفون العمل، فتكلفونهم وتقاسمونهم الثمر» قالوا: نعم. [ابن كثير: البداية].
وروى البخاري عن أنس، قال: «دعا النبي ﷺ الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال: إما لا، فاصبروا حتى تلقوني، إنه سيصيبكم بعدي أَثَرَةٌ».
ولم يتوانوا في استضافة ضيف رسول الله ﷺ. فقد روى البخاري أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ جائعًا، فلم يجد له رسول الله ﷺ شيئًا عند زوجاته، فطلب من أصحابه استضافته، فاستضافه أنصاري لم يكن عنده إلا عشاء أهله وصبيانه، فأنام صبيانه، وقدم طعام أهله إلى ضيفه، وجلس معه، فأطفأت المرأة السراج، وجعلا يريانه كأنهما يأكلان، ولكنهما باتا جائعين، وفيهما نزل قوله تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ ﴾ [الحشر:9].
ومع هذا الإيثار، فقد أراد الرسول ﷺ أن يوجد تشـريعًا يعالج للمهاجرين أوضاعهم الاقتصادية، ويشعرهم بأنهم ليسوا عالة على إخوانهم الأنصار، فكان أن شرع نظام المؤاخاة في السنة الأولى من الهجرة. [ابن حجر: الفتح].
وروى البعض أن إعلان المؤاخاة كان في دار أنس بن مالك [متفق عليه]. وذكر البعض أن المؤاخاة كانت في المسجد. [ابن حجر في الفتح عن شرف المصطفى] وقيل إن المؤاخاة كانت مرتين: مرة بين المهاجرين خاصة، وذلك بمكة، ومرة بين المهاجرين والأنصار، وهي المقصودة هنا [ابن عبد البر: الدرر].
ذكر ابن سعد بأسانيد شيخه الواقدي إلى جماعة من التابعين، أنه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على الحق والمواساة، ويتوارثون بعد الممات، دون ذوي الأرحام. وكانوا تسعين رجلًا، خمسة وأربعين من المهاجرين، وخمسة وأربعين من الأنصار، ويقال: كانوا مائة، خمسين من كل فريق.
وروى البخاري عن ابن عباس: «كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي الرحم؛ للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم».
وذكر ابن حجر [في الفتح] أن من أغراض المؤاخاة أن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى ليرتفق الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا تظهر مؤاخاته ﷺ لعلي، لأنه هو الذي كان يقوم به من عهد الصبا، من قبل البعثة، واستمر إلى ما بعدها، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة؛ لأن زيدًا مولاهم، فقد ثبتت أخوتهما، وهما من المهاجرين. [ابن إسحاق: السيرة].
لقد آخى الرسول ﷺ بينه وبين علي بن أبي طالب - كما ذكرنا - [الحاكم، بسند يعتضد]، وبين الزبير وابن مسعود [نفسه، وابن حجر في الفتح وحسن سناده]، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع [البخاري]، وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء [نفسه]، وبين أبي عبيدة وأبي طلحة [مسلم]، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك [ابن إسحاق في السيرة]، وبين أبي بكر وخارجة بن زيد [ابن إسحاق في السيرة].
وقد ذكر ابن إسحاق [في السيرة] عددًا كبيرًا ممن آخى الرسول ﷺ بينهم. ونقل عنه ذلك ابن حجر [في الفتح]، وأجاب عن ما يمكن أن يكون فيه إشكال [الشامي: السبل].
ومما روي في أمر التطبيقات العملية لهذه المؤاخاة، قصة عبد الرحمن بن عوف وسعد ابن الربيع، حين قال سعد لعبد الرحمن: «إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زَوْجَتَيَّ هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها، فقال له عبد الرحمن: «لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟» وفي رواية أخرى عند البخاري أيضًا زيادة في قول عبد الرحمن: «... بارك الله لك في أهلك ومالك...» فَدُلَّ على سوق بني قينقاع؛ فما انقلب إلا ومعه فضل من أَقْطٍ وسمن، ثم أخذ يتردد على السوق، يبيع ويشتري حتى استغنى بماله عن مال أخيه سعد، وتزوج امرأة من الأنصار، أمهرها بنواة من ذهب، وطلب منه الرسول ﷺ أن يولم ولو بشاة بهذه المناسبة. [البخاري].
آخى الرسول ﷺ بين أصحابه ليذهب عنهم وحشة الغربة، ويستأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة، ويشد بعضهم أزر بعض، فلما عز الإسلام، واجتمع الشمل، وذهبت الوحشة، وانخرطوا في الحياة، وعرفوا وسائل اكتساب الرزق، أبطل الله عز وجل التوارث بالمؤاخاة، وأبقى أخوة المؤمنين، وأنزل في ذلك: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال:57] ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾ [الأحزاب:6] [ابن كثير: التفسير، بسند صحيح]. وكان ذلك حين وقعة بدر [ابن سعد]. وروي أنه كان بعد أحد. [ابن سعد؛ الحاكم، بسند صحيح].
وذكر ابن عباس [البخاري] أن ما أُلغي من نظام المؤاخاة هو الإرث، أما النصـر والرفادة والنصيحة فباقية، ويمكن أن يوصى ببعض الميراث بين المتآخين، وإلى هذا المعنى ذهب النووي. [مسلم].
ومما يدل على بقاء واستمرارية المؤاخاة دون الإرث، مؤاخاة الرسول ﷺ بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء؛ لأن سلمان أسلم بين أحد والخندق [الإصابة والاستيعاب]، ومؤاخاة معاوية بن أبي سفيان والحُتَات التميمي؛ لأن معاوية من مسلمي الفتح [الإصابة]، والحتات أسلم عندما جاء في وفد بني تميم في أوائل السنة التاسعة الهجرية - عام الوفود [الإصابة]، ومؤاخاة جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل؛ لأن جعفرًا قدم من الحبشة والرسول ﷺ قد فرغ من خيبر لتوه، في أول سنة سبع من الهجرة [يأتي في غزوة خيبر].
1- إن أي جماعة تسعى لهدف واحد لا بد من قيام العلاقات بين أفرادها على التآخي الذي يجعلهم يقفون بعضهم إلى جانب بعض في السـراء والضـراء. وإن هذا التآخي المنطلق من العقيدة هو أساس قوة هذه الجماعة، وهو الأساس الذي يمكنهم من تحقيق أهداف الدين في الحياة، ولذا كان حرص الرسول ﷺ على ذلك التآخي، الذي كان مضرب الأمثال في صدقه، والذي كان من ثماره رضا الله عز وجل عنهم والتمكين لهم في الأرض، وتحقيق النموذج العملي لمبادئ الإسلام في أشخاصهم.
2- بناء على ما حدث في المؤاخاة، فبوسع المؤمنين في كل عصر أن يتآخوا بينهم على المواساة والارتفاق والنصيحة، ويترتب على مؤاخاتهم حقوق أخص من المؤاخاة بين المؤمنين. [العمري: المجتمع المدني].
3- إن في موقف عبد الرحمن بن عوف من أخيه سعد بن الربيع نموذجًا واضحًا على عفة المهاجرين واستعدادهم للعمل الذي يقدرون عليه.