المبحث الثالث: صحيفة المدينة
عندما استقر الرسول ﷺ بالمدينة وأراد أن ينظم العلاقات بين أهل المدينة، كتب كتابًا بهذا الشأن. عرف في المصادر القديمة باسم (الكتاب) و(الصحيفة)، وأسماه الكتاب المحدثون (الدستور) أو (الوثيقة).
ولأهمية هذه الوثيقة واعتماد الباحثين المعاصرين عليها، وجعلها أساسًا في دراسة تنظيمات الرسول ﷺ في المدينة المنورة، ونظم الدولة الإسلامية، وعلاقاتها مع الدول والملل الأخرى، والنظام السياسي في الإسلام، فقد تناولناها بالعرض والدراسة باختصار في الطبعة المطلولة.
أ- بنود الصحيفة المتعلقة بالمسلمين:
- المؤمنون من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس.
- كل فريق من المؤمنين (المهاجرين، بني ساعدة، من الأوس...) على رِبْعَتِهِم يَتَعَاقَلُون بينهم وهم يَفْدُون عَانِيهَمُ بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عَقْل. [الربعة: الحال التي جاء الإسلام وهم عليها؛ والعاني: الأسير؛ والمفرحُ: كثير العيال].
- المؤمنون المتقون على من بَغَى منهم، وإنّ أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم.
- ذمة الله واحدة، يجير على المسلمين أدناهم، والمؤمنون بعضهم موالي بعض دون الناس.
- من تبع المؤمنين من يهود، فإن له النصرة والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم.
ب- بنود الصحيفة المتعلقة بالمشركين:
- لا يجير مشرك مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على المؤمنين.
- لقريش وحلفائها حق الصلح إذا طلبوه، إلا من حارب منهم الإسلام.
- لا تجار قريش ولا من نصرها.
جـ- بنود الصحيفة المتعلقة باليهود:
- يتفق اليهود مع المؤمنين ما داموا محاربين.
- يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، مواليهم وأنفسهم... ولبقية اليهود من بني النجار، يهود بني الحارث... ما ليهود بني عوف. وإن بطانة يهود كأنفسهم.
- لا يخرج من يهود أحد إلا بإذن محمد ﷺ.
- على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح... والنصر للمظلوم.
د- بنود الصحيفة المتعلقة بالقواعد العامة:
- يثرب حرام جوفها لأهل الصحيفة، وإن الجار كالنفس، غير مُضَار، ولا آثم، وإنه لا تُجَارُ حرمة إلا بإذن أهلها.
- ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله ﷺ.
- وإن بينهم - أهل الصحيفة - النصر على من دهم يثرب.
- من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ.
ذكر هارون [في رسالته للماجستير] شواهد كثيرة على فقرات هذه الصحيفة... أما الآيات القرآنية، فقد أورد سبعًا وعشرين آية توافق فقرات جاءت في الصحيفة.
والخلاصة: إن جميع فقرات الصحيفة لها شواهد من صحيح السنة والقرآن الكريم. ولولا خشية الإطالة لذكرنا ولو طرفًا منها. جزى الله خيرًا الباحث هارون. ولذا حكم الباحثون على أن إسنادها عند ابن إسحاق يتقوى بالشواهد ليصل إلى درجة الحسن لغيره. [انظر الطبعات المطولة لكتابنا السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية].
أما ما جاء في الصحيفة عن الصلح مع اليهود والمشركين بغير الجزية فهو منسوخ بآية الجزية: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 29].
وكان ذلك في سنة تسع [ابن كثير: التفسير]، ومن المعروف أن سورة (التوبة) من أواخر ما نزل على رسول الله ﷺ كما قال البخاري.
ثالثًا: دلالات وأحكام وعبر من صحيفة المدينة:
1- إن هذه الوثيقة تعد أقدم دستور مكتوب في العالم.
2- لم يذكر العلماء أن حكمًا من أحكامها قد نسخ، ما عدا قولهم: إن المعاهدة مع اليهود، أو مع غير المسلمين بدون الجزية، منسوخة بآية الجزية - الآية (29) من سورة التوبة - كما ذكرنا قبل عدة أسطر.
3- وقال بعض العلماء إن العلاقة مع اليهود، والتي تضمنتها الوثيقة، توافق حكم الآية: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿ ٨ ﴾ ﴾ [الممتحنة: 8].
4- نظمت الوثيقة جوانب مختلفة لحياة الناس.
5- فيها مبادئ دستورية عديدة على سبيل المثال:
1- تشكيل الأمة من حيث العقيدة والدين تشتمل على كل المسلمين حيثما كانوا.
2- تشكيل الأمة - أي الجماعة - من حيث المواطنة تشتمل على غير المسلمين في الدولة.
3- المساواة في المعاملات العامة.
4- منع إيواء المجرمين.
5- منع خروج اليهود من دون إذن محمد ﷺ.
6- منع الظلم والعدوان في المال والعرض وغيرهما.
7- منع الصلح المنفرد مع العدو.
8- منع إجارة قريش - أي منع إجارة العدو.
9- القود من القاتل - أي حرمة الحياة.
10- الإسهام في نفقة الدفاع عن الدولة والوطن.
11- فداء الأسرى.
12- وفاء الدين عن الغارمين.
13- الإبقاء على الأعراف الصالحة.
14- حق الحرية في العقيدة والدين.
15- حقوق الجار.
16- حرمة المسلم - أي مبدأ لا يقتل مسلم بكافر.
17- تحريم المدينة.
18- عدم إعطاء حقوق الحرمة للآخرين في المدينة إلا بإذن أهلها.
19- مرجع حسم الخلاف حول بنود هذه الوثيقة الله عز وجل ورسوله محمد ﷺ.
وهناك مبادئ دستورية يمكن استنباطها من الوثيقة، والمبادئ المذكورة ينطوي كل واحد منها على أحكام شرعية، وما عدا المبادئ الخاصة بالمسلمين فإن المبادئ التي انطوت عليها توجد في أي دستور، حتى الدساتير الوضعية. [هارون رشيد محمد إسحاق: صحيفة المدينة].
20- ومع هذا الموقف المتسامح تجاه اليهود، إلا أنهم ظلوا يكيدون للإسلام بشتى الوسائل والأساليب، كما سنرى في الأحداث القادمة. ومن الميادين التي نشطوا فيها ولم يولها المؤرخون المحدثون كبير اهتمام، نشاطهم في ميدان الجدال العقيم، رغبة منهم في الصد عن سبيل الله عز وجل، وليس بغرض الدخول في الإسلام.
وسجل القرآن الكريم كثيرًا من جدالهم وعنادهم، ومن أظهرهم في ذلك: رَافع ابن حُرَيْمِلَة، وسَلَّام بن مِشْكَم، ونعمان بن أوفى، ومحمود بن دِحْيَة، وشَاش بن قيس، ومالك ابن الصيف، وجَبَل بن أبي قُشَيْرِ، وشَمْوِيل ونعمان بن أحنا، وبحري بن عمرو، وشَاش بن عَدِي، ورافع بن حارثة، والنَّحَام بن زيد، وكردم بن كعب... [ابن هشام] إلخ.
المبحث الرابع: إنشاء السوق الإسلامية
عندما استقر الرسول ﷺ بالمدينة بعد الهجرة كان من أوائل مشاريعه لأسلمة الحياة في جميع المجالات بعد بناء المسجد الجامع والمؤاخاة وكتابة صحيفة المدينة ، إنشاء سوق خاص بالمسلمين، ليتحرروا من سيطرة اليهود على الأسواق التجارية التي فرضوا عليها قيمهم في المعاملات التجارية القائمة على الرباو التدليس والغش وبيع الغرر والاحتكار وفرض الخراج أو الأتاوات. وكان أكثر المتضررين من هذه الممارسات هم من المسلمين الذين يسمونهم (الأميين)، كما حكى القرآن : ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ [آل عمران75].
روى عمر بن شبة [بإسناد مرسل لابأس به] في كتابه: (أخبار المدينة)، عن عطاء ابن يسار، والطبراني [في الكبير من وجه آخر متصلاً]، أنّ الرسول ﷺ عندما أراد أن يقيم سوقًا خاصًا بالمسلمين أتى سوق يهود بني قينقاع، ثم جاء الى مكان اختاره لسوقه قريبًا من سوقهم، فضرب المكان برجله وقال: »هذا سوقكم، فلا يُضيق ولايؤخذ فيه خراج». وفي رواية أخرى لابن شبة عن صالح بن كيسان أنه ﷺ ضرب قبة [خيمة] في موضع بقيع الزبير، وقال: «هذا سوقكم» ، فجاء كعب بن الأشرف –الزعيم اليهودي النضيري- مغتاظًا، فقطع أطناب [حبال] القبة. فقال ﷺ: «لا جرم، لأنقلنها الى موضع هو أغيظ له من هذا» فنقلها باقتراح من أحد الصحابة الى موضع سوق المدينة الذي عرف بسوق المناخة [نسبة إلى مكان مناخ أو مبرك جمال الحجاج والقوافل]، وقال: «هذا سوقكم، لا تتحجروا [أي :لا يضيق بعضكم على بعض، ولا حيازات للأماكن في السوق، أي: لا تقام فيه مبانٍ ثابتة]، ولا يضرب عليه الخراج». وموقعه غرب المسجد النبوي؛ وتبدأ حدوده من مسجد المصلى (الغمامة) جنوبا وحتى قلعة باب الشامي سابقًا، والتي كانت تقع على جبل سليع خلف مكتبة الملك عبد العزيز حاليًا. وأخيرًا دخلت ضمن مشاريع تحسين المناطق المحيطة بالمسجد النبوي. [ارجع إلى التفاصيل على النت].