حجم الخط:

محتوى الدرس (25)

القسم الثاني: النشاط الجهادي العسكري والسياسي قبل غزوة بدر الكبرى

المبحث الأول: الإذن بالقتال

روى الطبري [في التفسير] عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لما أخرج النبي من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم. إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن. فأنزل الله عز وجل: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿ ٣٩ قال أبو بكر رضي الله عنه: فعرفت أنه سيكون قتال».

وزاد أحمد [التفسير، بسند صحيح] في روايته لهذا الخبر، أن ابن عباس قال: «وهي أول آية في القتال».

وقال العوفي عن ابن عباس: إن الآية نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة [الطبري وابن كثير في تفسيريهما].

لقد شرع الجهاد في الوقت الأنسب له، لأن المسلمين بمكة كانوا أقل من عشـر المشركين، ولذا لم يأمرهم الله بالقتال. وعندما بغى المشركون، وأخرجوا النبي من مكة وهموا بقتله، وشردوا أصحابه ما بين الحبشة والمدينة؛ وعندما استقر المسلمون بالمدينة وهاجر إليهم الرسول وأصبحت المدينة دار إسلام ومعقلًا يلجؤون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك. ولم يكن القتال هنا فرضًا عليهم وإنما أذن بالقتال لمن ظلم، ثم فرض عليهم فيما بعد قتال من يقاتلهم عندما نزل قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ .

ثم فرض عليهم قتال المشـركين كافة عندما نزل قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ .

وهكذا مر تشريع الجهاد بأربع مراحل رئيسة، وهي:

1- مرحلة الصبر دون القتال - بمكة.

2- مرحلة الإذن بالقتال - بعد الهجرة.

3- مرحلة الأمر بقتال من يبدؤهم بالقتال.

4- مرحلة الأمر بقتال جميع المشـركين الذين يقفون في طريق إبلاغ الدعوة. [ابن القيم: زاد المعاد].

المبحث الثاني: الغزوات والسرايا قبل غزوة بدر

]والغزوة: ما يخرج على رأسها الرسول ، والسرية: ما يكلف أحد الصحابة بقيادها [

أولًا: أهداف الغزوات والسرايا:

عندما أذن الله لنبيه والمؤمنين بالقتال، أخذوا في إعداد القوة لرد عدوان قريش، ومن على شاكلتها. فلما أرادت قريش أن تري المسلمين أن لها يدًا في داخل المدينة، أراد المسلمون أن يروا قريشًا أن المسلمين ليسوا بذلك الهوان الذي تتصوره قريش، وأنهم قادرون على كسر شوكة قريش، وحصارها سياسيًا واقتصاديًا، ورد حقوقهم المسلوبة.

وكانت أول خطوة في هذا الميدان أن يبسط المسلمون سيطرتهم على طرق قريش التجارية، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا.

واختار الرسول لبسط هذه السيطرة خطتين متلازمتين:

الأولى: إرسال السرايا والبعوث لمهاجمة قوافل قريش التجارية.

الثانية: السعي إلى عزل قريش بالدخول في معاهدات دفاعية وعدم اعتداء مع القبائل المحيطة بالمدينة، والتي تخترق قوافل قريش أراضيها وهي في طريقها إلى الشام، فكسب إلى جانبه في السنوات الأولى من الهجرة: بني ضَمْرَة وجُهَينة، وخُزاعة وغِفَار وأَسْلَم. وسيأتي ذكر هذا من خلال الكلام عن السرايا. وكسب غيرها بعدها خلال سني حياته بالمدينة كما سنرى إن شاء الله تعالى.

ولقد نجحت هذه السرايا في كل أهدافها، لا سيما إرباك قريش وحلفائها وإضعاف معنوياتهم، وضرب نشاطهم التجاري في جميع الاتجاهات، والحصول على مورد للتموين والتسليح. ونجحت في إنذار الأعداء بأن للمسلمين المقدرة على التصدي والردع. واكتسبت القوات الإسلامية مزيد خبرة في مجال التدريب العسكري، والمناورة وجس نبض الأعداء، ومعرفة دروب الصحراء وأحوال الأعداء.

ثانيًا: الغزوات والسرايا والأحلاف والأحداث الهامة:

1- غزوة الأبْوَاء (وَدّان):

غزاها رسول الله في صفر على رأس أحد عشـر شهرًا من الهجرة، كما عند الواقدي، وفي صفر على رأس اثني عشر شهرًا، كما عند ابن سعد، يريد الاعتراض على عير لقريش ويريد بني ضمرة. فسار حتى بلغ الأبواء من ديار بني ضمرة، فلم يلق حربًا، وكانت فرصة لموادعة بني ضمرة من كنانة، على أن لا يكثروا عليه، ولا يعينوا عليه أحدًا. وكتب في ذلك كتابًا لزعيمهم مَحْشِيّ بن عمرو الضمري.[ابن سعد]. وكانت أول غزوة غزاها النبي بنفسه. [ابن إسحاق: السيرة؛ ابن سعد؛ ابن عقبة كما في الفتح؛ الطبراني كما في المجمع وبسند حسن].

وقال ابن حجر في الفتح (15/142): (وذكر أبو الأسود في مغازيه عن عروة، ووصله ابن عائذ من حديث ابن عباس: أن النبي لما وصل إلى الأبواء بعث عبيدة ابن الحارث في ستين رجلًا فلقوا جمعًا من قريش فتراموا بالنبل، فرمى سعد ابن أبي وقاص بسهم، وكان أول من رمى بسهم في سبيل الله).

2- غزوة بُوَاط من ناحية رَضْوَى:

خرج الرسول في مائتين من أصحابه يعترض عيرًا لقريش فيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ بواط، وهي جبال من جبال جهينة من ناحية رضوى، ثم رجع حين لم يعثر على القافلة، ولم يلق حربًا. وكان ذلك في ربيع الأول، على رأس ثلاثة عشر شهرًا من الهجرة. [ابن إسحاق: السيرة؛ ابن سعد؛ الواقدي].

3- غزوة سَفوَان (بدر الأولى - بدر الصغرى):

عندما أغار كُرْزُ بن جابر الفهري على سرح المدينة في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرًا من الهجرة، خرج رسول الله في طلبه حتى بلغ واديًا يقال له سفوان، من ناحية بدر، فلم يدركه، فعاد إلى المدينة. وعند ابن إسحاق [في السيرة] أنها بعد غزوة ذي العُشَيْرَة.[ابن إسحاق: السيرة؛ ابن سعد؛ الواقدي].

4- غزوة العُشَيْرَة:

خرج الرسول في خمسين ومائة - ويقال في مائتين- من أصحابه، يعترض قافلة كبيرة لقريش في طريقها إلى الشام، وبلغ العشيرة وهي لبني مدلج، بناحية ينبع. ففاتته العير. وهي التي خرج يريدها حين عادت، ولكنها أيضًا أفلتت، وكان لقاء بدر الكبرى بسببها. ووادع في هذه الغزوة بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، ثم عاد إلى المدينة، ولم يلق حربًا.

وكان ذلك في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهرًا من الهجرة.[المصادر نفسها].

وقد ثبت في الصحيح وقوع هذه الغزوة، ولكن بدون ذكر لأي تفاصيل عنها. [البخاري].

وتفيدنا المصادر أن الرسول عقد معاهدات دفاع مشترك وأمان مع غير من ذكرنا، في وقت مبكر من حياته بالمدينة، ولم يرتبط وقوع ذلك بخروج المسلمين في غزوة أو سرية معينة. مثال ذلك:

كتاب الرسول إلى بُدَيْل بن ورقاء وبُسْر وسَرَوَات بني عمرو الخزاعيين، يفيدهم فيه أنه لم يخنهم منذ أن سالمهم، وأكد لهم الأمان من جانبه. [أسد الغابة؛ ابن سعد].

وكتاب الرسول إلى أسلم من خزاعة، وفيه الإقرار بالمناصرة. [ابن سعد].

وكتاب الرسول إلى بني غفار، وفيه اتفاقية دفاع مشترك ضد من يحاربهم أو يحارب المسلمين في دينهم [نفسه].

وكتاب النبي إلى نُعَيْمٍ بن مسعود بن رُخَيْلَة الأشجعي، وفيه المحالفة على النصر والنصيحة. [نفسه].

5- سرية نخلة:

بعث رسول الله عبد الله بن جحش في رجب على رأس سبعة عشـر شهرًا من الهجرة ومعه ثمانية رهط [أي دون العشرة] من المهاجرين. وكتب له كتابًا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، وذلك إمعانًا في السرية، وحتى لا يعلم أحد أين الاتجاه.

وفعل ما أمر به. وعندما فض الكتاب وجد فيه الأمر بأن يمضي حتى ينزل نخلة، بين مكة والطائف، ليرصد بها قريشًا ويعلم له من أخبارهم، وألا يستكره أحدًا من أصحابه. وعندما أخبر أصحابه بأمر الرسول مضوا معه جميعًا إلى وجهته.

وعندما نزلوا نخلة، مرت عير لقريش فيها ابن الحضـرمي وعثمان بن عبد الله ابن المغيرة، وأخوه نَوْفَل، والحَكَم بن كَيْسَان مولى هشام بن المغيرة.

وتشاور الصحابة في أمر الاستيلاء على هذه العير، لأن ذلك كان في آخر يوم من رجب، وهو شهر حرام، فخشوا أن يترتب على هذا القرار نتائج غير مرضية. وعندما وجدوا أنهم لو تركوهم هذه الليلة ليدخلن الحرم وليمتنعن به منهم، تشجعوا وأجمعوا أمرهم على قتل من يقدرون عليه منهم وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وأسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل. وأقبل ابن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين إلى رسول الله بالمدينة.

وقال لهم الرسول إنه لم يأمرهم بقتال في الشهر الحرام، وأبى أن يأخذ العير والأسيرين. وظن القوم أنهم هلكوا، وعنفهم إخوانهم المسلمون فيما فعلوا.

وقالت قريش: إن محمدًا وأصحابه قد استحلوا الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال.

فلما أكثر الناس في ذلك، أنزل الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿ ٢١٧ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ ٢١٨ [البقرة: 217-218]. وبها فرج الله عز وجل على المسلمين ما كانوا فيه من الهم، وقبض الرسول العير والأسيرين.

وعندما أرسلت قريش في فداء الأسيرين، اشترط الرسول أن يكون ذلك بعد مجيء سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، خشية منه عليهما من قريش. وكانا قد تخلفا عن القوم قبل وصولهم نخلة، بحثًا عن بعيرهم الذي أضلاه. [الطبراني، بإسناد حسن كما قال الهيثمي في المجمع].

أحكام وعبر في قصة سرية نخلة:

1- لقد بينت هاتان الآيتان اللتان نزلتا في التعليق على ما حدث في هذه السـرية أن الذي فعله المشركون بالمسلمين من صد عن سبيل الله عز وجل وكفر به، وصد عن المسجد الحرام وإخراج المسلمين من بلدهم وسلب أموالهم وفتنتهم عن دينهم، بينت الآية أن كل هذا أكبر عند الله عز وجل مما فعله المسلمون، أي القتال في الشهر الحرام.

فإذا كان المشركون يرتكبون هذه الجرائم الكبرى كلها في حق المسلمين فلا تثريب على المسلمين من قتالهم في الشهر الحرام، وإنما التثريب أن لا يقاتل في الشهر الحرام من يرتكب تلك الجرائم، إذا دعت الضرورة.

وفي هذا التعليق بيان لسياسة الإسلام في تقدير القيم الدينية والخلقية وسموه بالمعاني الروحية والإنسانية، وعدم إغفاله للبواعث النبيلة التي دعت رجال السـرية للقتال في الشهر الحرام، دون الوقوف عند الظواهر والرسوم، وما التزمه الناس من تقاليد كريمة مشروعة أو موروثة.

2- وبينت الآية أن بعض الناس يقدس ويشيد بالقوانين عندما تكون في مصلحته. فإذا رأى هذه المصلحة مهددة بما ينتقصها، هدم القوانين والدساتير جميعًا.

3- وبينت الآية أن لا هوادة مع المشـركين المعتدين، مما كان له أثره البعيد لدى المسلمين وأعدائهم.

4- إن استخدام الرسول أسلوب الرسائل السرية، دل على مشـروعية الأخذ بالأسباب، ودل على سبق الإسلام في استخدام هذا الأسلوب، الذي لم يعرفه الغرب إلا في الحرب العالمية الثانية.

5- لقد كانت سرية نخلة أول عملية توغل قريبًا من مكة، مركز العدو. ولذا فهي عملية فدائية، قامت على الطواعية، إذ لم يكره عبد الله أحدًا من أفراد السرية على المضـي في الخطة المرسومة في رسالة النبي السرية. [وانظر: أبي شهبة والغزالي، والشامي في المعين].

وهذه السرية تدل على أن خطة المسلمين في ملاحظة قوافل قريش لم تكن خاصة المنطقة الشمالية من الحجاز، بل تعدت ذلك إلى المنطقة الجنوبية من طريق قوافل قريش إلى اليمن.

- تحويل القبلة:

قال الجمهور: إنه في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة أمر الله عز وجل بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، بعد أن صلى إلى بيت المقدس بالمدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا. وكان عليه الصلاة والسلام يحب أن يصـرف قبلته نحو الكعبة، قبلة إبراهيم، وكان يكثر الدعاء والتضرع، فأنزل الله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ فكان أول صلاة صلاها إلى المسجد الحرام صلاة العصر، وبلغ الخبر أهل قباء في اليوم التالي وهم يصلون الصبح، فتحولوا إلى المسجد الحرام [متفق عليه؛ البداية].

- فريضة صيام رمضان:

قال الطبري [في تاريخه] في حوادث السنة الثانية الهجرية: (... وفي هذه السنة فرض صيام شهر رمضان، وقد قيل: إنه فرض في شعبان منها...).

وثبت في الصحيحين، أن الرسول عندما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فصامه، وأمر بصيامه، فلما نزل الأمر بصيام شهر رمضان، كان رمضان الفريضة، وخير الناس في صيام عاشوراء.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة