الغنائم:
وقع خلاف بين المسلمين حول الغنائم، لأن حكمها لم يكن قد شرع يومذاك. وقد حكى عبادة بن الصامت ما حدث قائلًا: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فشهدت معه بدرًا. فالتقى الناس، فهزم الله تبارك وتعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم، يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على المعسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، فنحن نفينا عنها العدو، وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ: لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله ﷺ وخفنا أن يصيب العدو منه غرة، واشتغلنا به، فنزلت: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ ﴾ [الأنفال: 1] [تفسير الطبري، بأسانيد بعضها صحيح، ابن إسحاق، حسن]، فقسمها رسول الله ﷺ على فُوَاق بين المسلمين» أي بالتساوي، أو بسرعة قدر فواق ناقة، والفواق ما بين حلبتي الناقة. وقيل أراد التفضيل في الغنيمة كأنه جعل بعضهم أفوق من بعض على قدر غنائمهم وبلائهم. [أحمد: المسند، جيد].
ومما يدل على أن الغنائم قد خمست ووزعت على المشاركين فيها ما رواه البخاري عن علي أن الرسول ﷺ أعطاه مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذٍ.
وقد أسهم الرسول ﷺ لتسعة من الصحابة لم يشهدوا بدرًا لأعمال كلفوا بها في المدينة أو لأعذار مباحة، منهم عثمان بن عفان، لأنه كان يمرض زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ. وقد توفيت ودفنت يوم عودة الرسول ﷺ وأصحابه من بدر. [أحمد: المسند، بسند صحيح].
وكان تقسيم الغنائم في منطقة الصَّفَراء في طريق العودة إلى المدينة [ابن إسحاق]. وأخذت الأسرى إلى المدينة. وقد أُرسل زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة ليزفا البشرى إلى أهل المدينة. وقد تلقوا النبأ بسرور بالغ مشوب بالحذر من أن لا يكون مؤكدًا، قال أسامة بن زيد: «فوالله ما صدقت حتى رأينا الأسارى». [البداية، من رواية البيهقي، بسند صحيح، الحاكم، صحيح؛ ابن أبي شيبة؛ ابن إسحاق].
ودهشت سودة رضي الله عنها عندما رأت سُهَيل بن عمرو ويداه معقودتان إلى عنقه بحبل فقالت: «أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، ألا متم كرامًا!!، فقال رسول الله ﷺ: «أعلى الله وعلى رسوله؟!!» - أي تؤلبين - فقالت: «يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما ملكت حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه بالحبل أن قلت ما قلت». [الحاكم من حديث ابن إسحاق، وصححه هو والذهبي].
استشار الرسول ﷺ الصحابة في أمر الأسرى. فأشار أبو بكر بأخذ الفدية منهم بحجة أن في ذلك قوة للمسلمين على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام. ورأى عمر قتلهم، لأنهم أئمة الكفر. ومال الرسول ﷺ لرأي أبي بكر. فنزل القرآن موافقًا لرأي عمر، وهو قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ ٦٧ ﴾ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ ٦٨ ﴾ ﴾ [الأنفال:67-68] [تفسير الطبري، بسند حسن] إلى قوله تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ۚ ﴾ [الأنفال:69] [مسلم].
وكان أخذ الفداء حلالًا في أول الإسلام، ثم جعل فيما بعد الخيار للإمام بين القتل أو الفداء حلالًا في أول الإسلام، ثم جعل فيما بعد الخيار للإمام بين القتل أو الفداء أو المن ما عدا الأطفال والنساء، إذ لا يجوز قتلهم، ما داموا غير محاربين [المغني].
قال تعالى: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ﴾ [محمد:4].
وقد تباين فداء الأسرى. فمن كان ذا مال أخذ فداؤه أربعة آلاف درهم. وممن أخذ منه أربعة آلاف درهم أبو وَدَاعَة. [الطبراني في المجمع، عبد الرزاق؛ أبو داود؛ ابن هشام، وأسانيدهم تعتضد]. وأخذوا من العباس مائة أوقية، ومن عقيل بن أبي طالب ثمانين أوقية، دفعها عنه العباس، وأخذوا من آخرين أربعين أوقية فقط. [دلائل أبو نعيم، حسن ابن حجر في الفتح].
وأطلق الرسول ﷺ سراح عمرو بن أبي سفيان مقابل أن يطلقوا سراح سعد ابن النعمان بن أكال، الذي أسره أبو سفيان وهو يعتمر. [ابن إسحاق].
ومن لم يكن لديهم مقدرة على الفداء، وكانوا يعرفون الكتابة، جعل فداؤهم أن يعلِّموا أولاد الأنصار الكتابة. فقد روى أحمد عن ابن عباس، قال: «كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة، فجاء غلام يومًا يبكي إلى أبيه، فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني معلمي، قال: الخبيث! يطلب بِذَحْلِ [ثأر] بدر! والله لا تأتيه أبدًا». [المسند، بسند صحيح].
وكانوا يقبلون من بعض الأسارى ما عندهم إذا تعذر المفروض، فقد أرسلت زينب بنت رسول الله ﷺ قلادة لها لتفدي زوجها أبا العاص بن الربيع، الذي فرق بينهما الإسلام، فردوها لها، وأطلقوا لها أسيرها لمكانتها عند والدها محمد ﷺ [أحمد: المسند، بسند صحيح؛ ابن إسحاق بسند صحيح]، وبهذا كان ابن الربيع ممن أطلق بدون فداء، وأطلق الرسول ﷺ ممن لم يقدر على الفداء بأي شكل من الأشكال، منهم: المطلب بن حنطب المخزومي، وصيفي بن أبي رفاعة، وأبو عزة الشاعر. [ابن إسحاق].
ومما يدل على أنه كان بالإمكان إطلاق سراحهم جميعًا بدون فداء، قول الرسول ﷺ: «لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى [العفنين]لأطلقتهم له» [البخاري]. وذلك لما قام به من حماية للرسول ﷺ عندما عاد من هجرته إلى الطائف، ودوره في تمزيق صحيفة المقاطعة.
وعندما استأذن رجال من الأنصار النبي ﷺ في ترك فداء العباس، قال: «والله لا تذرون منه درهمًا»، [البخاري]، وذلك على الرغم من أن العباس ذكر أنه كان مسلمًا، وأنه خرج مستكرهًا. [تفسير الطبري، بسند حسن].
وأخبر الرسول ﷺ عمه العباس - وهو أسير هنا - بما دفن هو وزوجته أم الفضل من المال تحت عتبة بابهم، فأقر له العباس بذلك [أحمد: المسند، بسند صحيح].
وفي طريق العودة إلى المدينة، قتل النضر بن الحارث بمنطقة الصفراء - قتله علي -، وقتل عقبة بن أبي مُعَيْط بمنطقة عرق الظبية - قتله عاصم بن ثابت [ابن إسحاق]، ويقال: قتله علي، [ابن هشام (2/347) بإسناد منقطع]، وروي أن الآية: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴿ ٢٧ ﴾ يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴿ ٢٨ ﴾ ﴾ [الفرقان:27-28] قد نزلت فيه. أخرج ابن جرير عن ابن عباس [(19/6)]: «كان أبي بن خلف يحضر النبي ﷺ فزجره عقبة بن أبي معيط، فنزل: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴿ ٢٩ ﴾ ﴾ [الفرقان:29] قال: ﴿ الظَّالِمِ ﴾ عقبة، و ﴿ فُلَانًا خَلِيلًا ﴿ ٢٨ ﴾ ﴾ أبي بن خلف». [انظر: ابن كثير: التفسير (6/116)، حاشية رقم (5)].
وقال ابن كثير هنا: (وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي معيط أو غيره، فإنها عامة في كل ظالم). وذلك لعداوتهما الشديدة لدعوة الرسول ﷺ، وتلك نهاية الجبروت والشجاعة الزائفة. فقد رأينا عقبة، لصيق قريش، واليهودي الأصل، يعود إلى حقيقته عندما قال للرسول ﷺ مسترحمًا: «من للصبية يا رسول الله؟ فأجابه: النار». [الطبراني: الكبير، والأوسط، برجال الصحيح].
وروى الطبراني [كما في سبل الشامي] بسنده إلى ابن عباس، وابن زنجويه في كتاب الأموال [بسند مرسل صحيح]: أن الرسول ﷺ قتل صبرًا كذلك طُعَيْمَة بن عَديٍّ.
أما بقية الأسرى فقد استوصى بهم الرسول ﷺ خيرًا [الطبراني، كما في المجمع بسند حسن]، فقد حكى أبو عزيز - شقيق مصعب بن عمير - وهو بين رهط من آسريه الأنصار- أن آسريه كانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوه بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله ﷺ بالأسرى. حتى ما تقع في يد أحدهم خبزة إلا ناوله إياها، فيستحيي فيردها على أحدهم، فيردها عليه ما يمسها. [ابن إسحاق].
وأسلم كثير من هؤلاء الأسرى على فترات مختلفة قبل فتح مكة وبعدها، منهم: العباس، عقيل بن أبي طالب، نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، خالد بن هشام، عبد الله بن السائب، المطلب بن حنطب بن الحارث، أبو وَدَاعَة الحارث بن صبيرة، الحجاج ابن الحارث بن قيس، عبد الله بن أبي بن خلف، وهب بن عمير، سهيل بن عمرو، عبد ابن زمعة، قيس بن السائب، نَسْطَاس مولى أمية بن خلف،... [السهيلي]. ولسهيل بن عمرو هنا قصة، فقد روى ابن أبي شيبة [في المغازي بسند مرسل صحيح] من حديث عطاء قال: كان سهيل بن عمرو رجلًا أَعْلَم [مشقوق] من شفته السفلى، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله ﷺ يوم أسر ببدر: يا رسول الله! أنزع ثَنِيَّتيْهِ السفليين، فَيَدلع لسانه [أي يخرج لسانه عند الكلام]، فلا يقوم عليك خطيبًا بموطن أبدًا، فقال: «لا أمثِّل فيمثِّل الله بي». [يلدغ: يخرج لسانه حين الكلام].
وزاد ابن إسحاق [مرسل متصل ورجاله ثقات] في روايته: «... وإن كنت نبيًا»، ثم قال ابن إسحاق: (وقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال لعمر في هذا الحديث: «إنه عسى أن يقوم مقامًا لا تَذُمُّهُ». وقال الشامي [في السبل]: (روى الحاكم والبيهقي... عن محمد ابن الحنفية، قال: قال عمر:... فقال رسول الله ﷺ: «دعه، فلعله أن يَسُـرُّكَ يومًا»، وقال الراوي -سفيان بن عيينة-: فلما مات النبي ﷺ نفر منه أهل مكة، فقام سهيل ابن عمرو عند الكعبة، فقال: «من كان محمد إلاهه فإن محمدًا قد مات، والله حي لا يموت») [المستدرك؛ ابن هشام؛ الخصائص].
وروى ابن سعد - كما ذكر الشامي [في السبل] - بسنده إلى أبي عمرو بن عدي بن الحمراء الخزاعي، قال: نظرت إلى سهيل بن عمرو يوم جاء نعي النبي ﷺ إلى مكة وقد خطبنا بخطبة أبي بكر التي خطبت بالمدينة، كأنه سمعها، فلما بلغ ذلك عمر قال: «أشهد أن محمدًا رسول الله، وأن ما جاء به حق، هذا هو المقام الذي عَنِيَ رسول الله ﷺ حين قال لي: «لعله يقوم مقامًا لا تكرهه».
كانت موقعة بدر ذات أثر كبير في إعلاء شأن الإسلام، ولذا سميت في القرآن بيوم الفرقان. وأوضحت الأحاديث فضل البدريين وعلو مقامهم في الجنة. فقد عقد البخاري بابًا في فضل من شهدها. وفيه قصة حارثة بن سراقة الذي أصابه سهم طائش يوم بدر، وهو غلام، وجاءت أمه تسأل عن مصيره يوم القيامة، فبشـرها الرسول ﷺ بأن له جنانًا كثيرة وأنه في جنة الفردوس.
وفي قصة حَاطِب بن أبي بَلْتَعَة الذي أرسل إلى قريش يخبرهم بنيَّة الرسول ﷺ فتح مكة، فكشفه الوحي، وعفا عنه الرسول ﷺ، وقال لعمر حين طالب بقتله: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو: فقد غفرت لكم». [مسلم].
ولما قال عبد من عبيد حاطب: «يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار». قال رسول الله ﷺ: «كذبت، لا يدخلها، فإنه شهد بدرًا والحديبية». [المصدر مسلم].
وكانت لبدر الأثر العميق في المدينة وبقية حواضر وبوادي الجزيرة العربية، فقد استعلى المؤمنون في المدينة على اليهود وبقايا المشـركين. فانخذل اليهود، وجاهروا بالعداوة مما كان سببًا في إجلاء بني قينقاع عن المدينة - كما سيأتي.
وأسلم من زالت الغشاوة عن عينيه، ونافق من أضله الله حفاظًا على مصالحه الخاصة، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، الذي قال حينذاك: «هذا أمر قد تَوَجَه -أي: استقر- فلا مطمع في إزالته». [البخاري].
ومن بين من عرف بالنفاق من أحبار اليهود بالمدينة: زيد بن اللَّصيت - رافع ابن حريملة - رفاعة بن زيد بن التابوت - سويد بن الحارث - سعد بن حنيف - نعمان بن أوفى بن عمرو - وأخوه عثمان بن أوفى - سلسلة بن يرهام - كنانة بن صوريا.
ومن بين من عرفوا بالنفاق من مشركي المدينة، إضافة إلى عبد الله بن أبي بن سلول: زوى بن الحارث - جلاس بن سويد - وأخوه الحارث بن سويد - نبتل بن الحارث - مربع بن قيظي - وأخوه أوس بن قيظي - حاطب بن أمية بن رافع - بشير بن أبيرق أبو طعمة - قُزمان.
وقد أسلم من أسلم منهم وحسن إسلامه، ومات على النفاق من مات منهم، وستأتي أخبار كثير منهم ومواقفهم من الإسلام من خلال أحداث السيرة.
لقد تضمنت أحداث غزوة بدر أحكامًا وحِكَمًا كثيرة، من أهمها:
1- جواز النكاية بالعدو، بقتل رجالهم وأخذ أموالهم وإخافة طرقهم التي يسلكونها، لما في ذلك من إضعافهم معنويًا واقتصاديًا.
2- جواز استخدام العيون لكشف أحوال العدو وإفشال خططه.
3- تأكيد الرسول ﷺ على مبدأ الشورى لأهل الحل والعقد وعامة المسلمين، وقد وردت أدلة على حجية الشورى في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وسنة الخلفاء الراشدين.
فالأدلة من القرآن، قول الله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ ﴾ [آل عمران:159]، و ﴿ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿ ٣٨ ﴾ ﴾ [الشورى:38]؛ ومن السنة استشارة الرسول ﷺ لأصحابه في الخروج أو البقاء في المدينة يوم أحد، وفي مصالحة بعض الأحزاب يوم الخندق على ثلث ثمار المدينة، وغير ذلك كثير مما سنقف عليه في هذا الكتاب. وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه: «ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ». [الترمذي، ومعناه صحيح].
أما أدلة حجيتها من سنة الخلفاء الراشدين قول ابن الخطاب في الشورى عند اختيار الحاكم: «الإمارة شورى»، «من دعا إلى إمارة نفسه أو غيره من غير مشورة من المسلمين فلا يحل لكم إلا أن تقتلوه»، «فمن بايع أميرًا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا الذي بايعه». [البخاري؛ عبد الرزاق، بأسانيد صحيحة].
4- جواز المبارزة بإذن الأمير، وهذا قول عامة أهل العلم [ابن قدامة].
5- المساواة بين الجندي وقائده في السلم والحرب سواء، وقد اتضح ذلك من قصة سواد بن غزية مع الرسول ﷺ، إذ كشف الرسول ﷺ عن بطنه ليقتاد منه سواد. وهو فعل الخلفاء من بعده: أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنه.
6- جواز فداء الأسارى أو المن عليهم.
7- لا حرج من قتل الأسير قبل أن يصل إلى يد الإمام، كما فعل بلال ومن معه من الأنصار عندما قتلوا أمية بن خلف وهو في أسر عبد الرحمن بن عوف.
8- أحلت الغنيمة لهذه الأمة، وقسمتها على المقاتلين بعد تخميسها.
9- من قتل قتيلًا فله سلبه، على شرط: أن يكون المقتول من المقاتلة وليس ممن نهى الرسول ﷺ عن قتلهم، وهم النساء والصبيان والشيوخ الفانون... إلخ، وأن يكون في المقتول منفعة وغير مثخن بالجراح، أن يقتله أو يثخنه بجراح تجعله في حكم المقتول، وأن يقرر بنفسه في قتله، فأما إن رماه بسهم من صف المسلمين فقتله فلا سلب له. [ابن قدامة: المغني].
10- دلت واقعة قضية الأسرى على أن الرسول ﷺ كان له أن يجتهد، والذين ذهبوا إلى هذا - وهم جمهور علماء الأصول - استدلوا على ذلك بمسألة أسرى بدر. وإذا صح للرسول ﷺ أن يجتهد، صح منه بناء على ذلك أن يخطئ في الاجتهاد ويصيب. غير أن الخطأ لا يستمر، بل لا بد من أن تنزل آية من القرآن تصحح له اجتهاده، فإذا لم تنزل آية فهو دليل على صحة اجتهاده ﷺ.
11- الأصل أن يبذل المسلمون كافة جهودهم في الإعداد للمعركة وفي مجابهة العدو، قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ [الأنفال:60]، ومع ذلك فإن الله يؤيد جنده بخوارق لتعينهم على النصـر، إذا كانوا أهلًا له، كما حصل بإمداد الملائكة في بدر، وبأن غشى الله النعاس عيون المؤمنين، وأنزل عليهم المطر.
12- نبه الله المؤمنين إلى حقيقة هامة وهي أن لا يجعلوا حب المال يسيطر عليهم عند النظر في قضاياهم الكبرى التي قامت على أساس النظرة الدينية وحدها، مهما كانت الحال والظروف، ولذا عالج الله تجربة رؤية الغنائم مع الحاجة والفقر واختلافهم فيها، ومسألة الأسرى، بوسائل تربوية دقيقة، كما في قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ۖ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ ﴾ [الأنفال:60] و ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ ﴾ [الأنفال:67]... ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ ﴾ [الأنفال:67][البوطي: السيرة].
13- إن أهل بدر مغفور لهم يوم القيامة، أما أحكام الدنيا فإنها تؤخذ منهم، ويعاقبون عليها إن أتوها كما وقع لقدامة بن مظعون، عندما حد في الخمر.
14- إن من سنة الرسول ﷺ بعد انتهاء المعركة أن يقيم في العرصة - مكانها - ثلاثة أيام.
15- السنة في الشهداء أن يدفنوا في مضاجعهم، كما حدث لشهداء بدر وأحد، ولا يصلى عليهم كما ثبت بالنسبة لشهداء أحد، ولم يذكر أنه صلى على شهداء بدر. [انظر في هذا كله: مرويات بدر لباوزير].
16- لقد تجلت في بدر بطولات إيمانية كثيرة، على سبيل المثال: ما روي من أن أبا عبيدة عامر بن الجراح قتل والده الجراح يوم بدر. فقد جعل والد أبي عبيدة يتصدى لابنه أبي عبيدة يومذاك فيحيد عنه الابن، فلما أكثر قصده فقتله، فنزلت الآية: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [المجادلة:22] [الطبراني، بسند جيد كما ذكر في الإصابة والحبير].
وروى ابن إسحاق من حديث أبي عزيز بن عمير قال: «مر بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني، فقال: شُدَّ يديك به فإن أمَّه ذاتُ متاع، لعلها تفديه منك!..».
وزاد ابن هشام على هذه الرواية فقال: «فلما قال أخوه مصعب بن عمير لأبي اليَسَـر - وهو الذي أسره - ما قال، قال له أبو عزيز: يا أخي، هذه وَصاتُك بي! فقال له مصعب: إنه أخي دونك..».