وبدأ القتال بمبارزة بين علي وطَلْحَة بن عثمان، حامل لواء المشـركين، فقتل علي طلحة [الطبري: التفسير، من مرسل السدي، صحيح]. ثم التحم الجيشان واشتد القتال، واستبسل المسلمون حتى تمكنوا من دحر المشركين إلى معسكرهم، وأخذ الرسول ﷺ في زيادة رفع روحهم المعنوية بأن أخذ سيفًا وقال: «من يأخذ مني هذا؟ فَبَسَطُوا أيديهم، كل إنسان منهم يقول: أنا أنا. قال: من يأخذه بحقه؟ فأحجم القوم، فقال أبو دُجَانَة: - سَمَاك بن خَرَشَة - وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به العدو حتى ينحني، قال: أنا آخذه بحقه، فأخذه بحقه. فأخذه فَفَلَقَ به هَامَ المشركين». [مسلم وغيره].
وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم أحد: أمِتْ، أمِتْ. [الحاكم، أبو داود، أحمد في المسند؛ الدارمي، ابن هشام، الواقدي، وإسناد أحمد وأبو داود والحاكم حسن] فقد استماتوا تحت هذا الشعار، وسجل التاريخ استماتة حمزة وبسالته في القتال. فقد تصدى في المبارزة لسِبَاع بن عبد العزى فقتله [البخاري]، وتصدى لغيره من عتاة المشركين [الواقدي] أمثال عثمان بن أبي طلحة، أبي شيبة، أحد حملة لواء المشركين يومذاك.
وكان وَحْشِيٌ، مولى جُبَيْر بن مُطْعِم، قد اشترط عليه مولاه أن يعتقه إن هو قتل حمزة، ثأرًا لعمه طُعَيْمَة بن عدي، الذي قتله حمزة يوم بدر، فكمن لحمزة تحت صخرة، فلما دنا منه رماه بحربته فقتله غَدْرًا. [البخاري].
روى الواقدي أن وحشيًا عندما أيقن بموت حمزة تذكر هندًا وما لقيت على أبيها وعمها وأخيها حين مصرعهم يوم بدر، ذهب خلسة إلى جثة حمزة فأخرج كبده وجاء بها إلى هند ليدلل على قتل حمزة، فمضغتها ثم لفظتها، ونزعت ثيابها وحليها فأعطتها وحشي ووعدته بدنانير حين الرجوع إلى مكة، وأراها جثته، فقطعت مذاكيره، وجدعت أنفه وأذنيه، وجعلت منها أسورة وخَلاخِل.
وقاتل مُصْعَب بن عُمَيْر حتى استشهد، وأخذ الراية بعده علي [ابن خياط، من مرسل ابن المسيب]. وصدق المسلمون في اللقاء، فأوقعوا في المشركين القتل، وقتلوا أصحاب اللواء، حتى تركه المشركون وما يدنو منه أحد منهم [ابن إسحاق، بسند حسن]. وانتصروا عليهم في هذه الجولة الأولى من القتال، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ۖ ﴾ [آل عمران:152] [البخاري، والحس: القتل].
وعندما انهزم المشركون بنسائهم - وقد بدت سوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن - قال أصحاب ابن جبير: «الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة»، ثم هرعوا إلى جمع الغنائم.
وكانت هذه فرصة مواتية لابن الوليد ليلتف حول المسلمين، فيراه المشـركون فيعودوا إلى ميدان القتال مرة أخرى [الطبري: التفسير، من مرسل السدي، ابن إسحاق بسند حسن] محيطين بالمسلمين. وارتبك المسلمون إلى الحد الذي لم يقدر أن يميز بعضهم المسلم من الكافر. وفي هذه اللحظات قتل المسلمون اليمان - والد حذيفة - وابنه حذيفة يصرخ فيهم: «أي عباد الله، أبي، ثم قال لهم عندما قتلوه: يغفر الله لكم» [البخاري وغيره]. واستشهد من المسلمين جماعة كثيرة، وغاب الرسول ﷺ عن أعينهم، وشاع أنه قد قتل. [ابن إسحاق، حسن؛ ورواه غيره].
وفر جمع من المسلمين من الميدان. وجلس بعضهم دون قتال، وتصدى آخرون للمشركين، وحرضوا المؤمنين على القتال حتى نالوا الشهادة. ومن هؤلاء أنس ابن النَّضْر، الذي كان يتشوق لتعويض ما فاته من فضل بدر. فقال عندما رأى بعض المسلمين قُعُودًا: «اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني أصحابه، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين، ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع أنس». وعندما انجلت الغمة وجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة ورمية وطعنة، ولم يعرفه أحد إلا أخته الرُّبَيِّع، عرفته ببنانه. ونزلت فيه وفي أمثاله من المجاهدين الصادقين الآية: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴿ ٢٣ ﴾ ﴾ [الأحزاب:23]. [متفق عليه].
وكان الفارُّون لا يلوون على شيء على الرغم من دعوة الرسول ﷺ لهم بالثبات معه. وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ [آل عمران:153].
وقد عفا الله عن الذين فروا. قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴿ ١٥٥ ﴾ ﴾ [آل عمران:155] [أحمد وأبو يعلى والطبري في التفسير، بسند حسن]. وذكر ابن الجوزي في التفسير أن أحد سببي فرارهم هو سماعهم إشاعة مقتل النبي ﷺ.
وكان أول من علم بأن الرسول ﷺ حي بعد الانتكاسة، هو كعب بن مالك، فنادى مبشرًا بذلك، فأسكته الرسول ﷺ حتى لا ينتبه المشركون له. [الحاكم، وصححه وأقره الذهبي؛ أبو نعيم: الدلائل، حسن].
وتمكن بعض المشركين من الوصول إلى الرسول ﷺ وقد أفرد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رَهِقُوه قال: «من يردهم عنا وله الجنةُ، أو هو رفيقي في الجنة؟». فتقدم الواحد تلو الآخر للدفاع عنه حتى استشهد الأنصار السبعة، فقال النبي ﷺ لصاحبيه القرشيين: «ما أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا». [مسلم].
وممن قاتل دون الرسول ﷺ قتالًا عظيمًا سجله التاريخ: طلحة بن عُبَيْدِ الله، حتى شلت يده التي وقى بها النبي ﷺ [البخاري، وابن إسحاق، حسن]، وسعد بن أبي وقاص، الذي كان الرسول ﷺ يناوله السهام ويقول له: «يا سعد، إرْمِ فِدَاك أبي وأمي» [البخاري]، ولم يجمع النبي ﷺ أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك بن أبي وقاص كما قال علي رضي الله عنه [نفسه]، وكما قال هو عن نفسه [نفسه]، وأبو طلحة الأنصاري، أمهر الرماة، والذي كان الرسول ﷺ إذا مر به أحد بجعبته نبل يقول له: «انثرها لأبي طلحة»، وعندما يَشْرِفُ النبي ﷺ على القوم يقول له أبو طلحة: «بأبي أنت وأمي، لا تشـرف يصبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك» [نفسه]، وهو الذي قال عنه الرسول ﷺ معجبًا به: «لصوتُ أبي طلحة في الجيش أشد على المشركين من فئة» [أحمد: المسند، حسن]، وأبو دُجَانَة الذي كان يحمي الرسول ﷺ بظهره، حتى كثر النبل فيه وهو مُنْحِنٍ عليه. [ابن إسحاق].
وقد ورد أن رسول الله ﷺ رمى عن قوسه حتى اندقت طرفها فأخذها قَتَادَة ابن النعمان، فكانت عنده.
وأصيبت يومئذٍ عين قتادة حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله ﷺ بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدَّهما. [ابن إسحاق، حسن، وغيره، بأسانيد تعتضد].
وفي هذه الظروف العصيبة اضطرت أم عُمَارَة - نَسِيْبَة بنت كعب المَازِنِية - أن تدافع عن الرسول ﷺ، حتى جرحها ابن قَمِئَة جرحًا أجوف له غور على عاتقها. [ابن هشام، الواقدي].
وقاوم الرسول ﷺ مقاومة شديدة، فأصيب إصابات كثيرة، فكُسِرَتْ رَبَاعِيَّتَهُ وشُجَّ في وجهه، وسال دمه، فجعل يمسحه ويقول: «كيف يُفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الإسلام؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴿ ١٢٨ ﴾ ﴾ [آل عمران:128] [مسلم]. فقال رسول الله ﷺ لما طمع في إسلامهم: «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» [مسلم]. وفي روايات عند البخاري: أن الرسول ﷺ كسر رباعيته يومئذٍ وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه.
وقال ﷺ عندما فعل به المشركون ذلك: «اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا بنبيه، - يشير إلى رباعيته - اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله»، وفي رواية: «اشتد غضب الله على من قتله النبي في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دَمُوا وجه نبي الله ﷺ [ابن إسحاق]. وكانت فاطمة ابنته تغسل دماءه وعلي يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير، وأحرقتها وألصقتها، فاستمسك الدم». [البخاري].
وقد ظهرت بطولات إيمانية كثيرة في هذه الغزوة، ومن ذلك:
قال رجل للنبي ﷺ: «أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة». فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى نال الشهادة. [البخاري].
وقال عبد الله بن جحش، قبل المعركة: «إني أقسم أن نلقى العدو، فإذا لقينا العدو، أن يقتلوني ثم يبقروا بطني، ثم يمثلوا بي، فإذا لقيتك سألتني: فيم هذا؟ فأقول: فيك»، وعندما لقي العدو، وفعل بهم ما فعل، وجدوه بالحالة التي وصفها. [الحاكم، مرسل صحيح].
وشهد عمرو بن الجَمُوح القتال مع أبنائه الأربعة، على الرغم من محاولتهم إثناءَه عن الخروج بحجة أن الله يعذره لشدة عَرَجِه، وطلب منهم الرسول ﷺ أن يَدَعُوه ما دام راغبًا في الشهادة، ومما قاله للرسول ﷺ: «أرأيت إن قتلت اليوم أَأَطأُ بعرجتي هذه الجنة؟ قال نعم. قال: فوالذي بعثك بالحق لَأَطَأَنَّ بها الجنة اليوم إن شاء الله. ثم قاتل حتى نال ما أراد من الشهادة». [أحمد: المسند، حسن].
وروى أهل المغازي والسير [الحاكم، من حديث ابن إسحاق بسند حسن، وغيره] أن رسول الله ﷺ قال عن سعد بن الربيع: «من يأتيني بخبر سعد بن الربيع؟ فإني قد رأيته - وأشار بيده إلى ناحية من الوادي- وقد شُرع فيه اثنا عشر سِنانًا، قال: فخرج محمد بن مسلمة - ويقال أُبي بن كعب - فخرج نحو تلك الناحية، قال: وأنا وسط القتلى أتعرفهم، إذ مررت به صريعًا في الوادي، فناديته فلم يُجب، ثم قلت: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليك! فتنفس كما يتنفس الكير، ثم قال: وإن رسول الله لحيُّ؟ قلت: نعم، وقد أخبرنا أنه شرع لك اثنا عشر سنانًا. قال: طُعنت اثنتي عشرة طعنة، كلها أجافتني - أي وصلت إلى جوفه -؛ أبلغ قومك الأنصار السلام وقل لهم: الله، الله! وما عاهدتم عليه رسول الله ليلة العقبة! والله ما لكم عذرٌ عند الله إن خَلُصَ إلى نبيكم ومنكم عين تطرف! ولم أَرِم من عنده حتى مات. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فأخبرته. قال: فرأيت رسول الله ﷺ استقبل القبلة رافعًا يديه يقول: «اللهم القَ سعد بن الربيع وأنت عنه راض!».
هذا نص رواية الواقدي، أما رواية ابن إسحاق فقد أبهم من أرسله الرسول ﷺ لينظر له ما فعل سعد، ولفظه: «.. من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد، فنظر فوجده جريحًا في القتلى وبه رمق. فقلت له: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر، أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: أنا في الأموات، أبلغ رسول الله ﷺ عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيًا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خُلِصَ إلى نبيكم ﷺ ومنكم عين تطرف. قال: ثم لم أبرح حتى مات؛ قال: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته خبره».
ومع أن الله قد عذر الشيوخ الضعفاء إلا أن اليَمَان وثابت بن وَقْش أبيا البقاء مع الذرية في الحصون، فلحقا بالميدان طلبًا للشهادة، وقد استشهد ثابت على يد الكفار، وقتل المسلمون اليمان خطأً، وَوَدَاهُ الرسول ﷺ، ولكن ابنه حذيفة تصدق بدية أبيه، مما زاده عند الرسول ﷺ خيرًا. [ابن إسحاق، بإسناد حسن].
وكان حَنْظَلَة بن أبي عامر عَرُوسًا ليلة أحد، فعندما سمع النداء، عجل بالخروج ولم يغتسل، وقاتل حتى استُشهد. وعندما رآه الرسول ﷺ قال: «إن صاحبكم لتغسله الملائكة»، ولذا عرف بعد ذلك بـ: (غَسِيلُ الملائكة) أو (الغسيل) [الحاكم، من حديث ابن إسحاق، بسند حسن].
وقاتل مُخَيْرِيق مع رسول الله ﷺ حتى قتل، وكان مثالًا وقدوة حسنة لليهود الذين أسلموا. وحين خرج إلى المعركة قال: «إن أصبت فمالي لمحمد ﷺ، يصنع فيه ما يشاء» [ابن إسحاق]. فقال رسول الله ﷺ: «مخيريق خير يهود». [ابن إسحاق، ابن سعد؛ الواقدي؛ الإصابة].
وكان أُصَيْرِم بني عبد الأشهل - عمرو بن أُقَيْش- كارهًا للإسلام حتى كان يوم أحد، أسلم ولحق بالمسلمين في أحد، فقاتل حتى نال الشهادة، وما صلَّى لله صلاة واحدة. [ابن إسحاق، بسند حسن].
وإن كان قد فات حسان بن ثابت رضي الله عنه شرف الجهاد بالسيف في هذه الغزوة وغيرها، إلا أنه لم يفته شرف الكلمة القوية في تخليد ذكرى بطولات المسلمين في هذه الغزوة وغيرها.
لقد كان حسان من أصحاب الأعذار. فقد ذكر الكلبي [كما في تاريخ دمشق] أن الجبن لم يكن من عادة حسان، بل كان شجاعًا لَسِنًا، فأصابته علة منعته من شهود القتال. وأوضح الواقدي هذه العلة، وهي: أن أكحله [عرق في اليد] كان قد قطع، فلم يكن يستطيع الضرب بيد. وهذا يفسر لنا الروايات التي وردت في تخلفه عن القتال، مثل رواية الطبراني [في المجمع] التي فيها أنه كان مع الذرية في حصن فَارع يوم أحد، فجاء يهودي وأخذ يطل على الحصن، فطلبت صفية بنت عبد المطلب من حسان أن يقوم إليه فيقتله، فقال: «ما ذاك فيَّ ولو كان لكنت مع رسول الله ﷺ»، فقتلته صفية وطلبت من حسان أن يرميَ برأسه إلى اليهود أسفل الحصن، فاعتذر أيضًا، فرمته إليهم، فتفرقوا لأنهم ظنوا أن بالحصن رجالًا محاربين.
وذكر البلاذري [في الأنساب] واليعقوبي [في تاريخه] كذلك أن القصة كانت يوم أحد. والذي ذكره ابن إسحاق وغيره أنها كانت يوم الخندق.
ولم تأت قصة حسان مع صفية بطريق يحتج بها، ومما يجعلنا نقبل رواية الواقدي والكلبي - على ما بهما من علل - لأننا نعلم أن حسانًا كان يهاجي الشعراء في الجاهلية والإسلام، ولم يرمه أحد منهم بجبن، ولو كان مثل حديث الطبراني صحيحًا لكان مما يذكر في الشعر ويذم به كما ذم هو غير واحد، وهجاه بالفرار من القتال والجبن، إضافة إلى أن عدم شهود حسان القتال كان لكبر سنه كما ذكر محققا سيرة ابن هشام. وزاد ابن عبد البر [في الدرر] ما قيل في تفسير تخلف حسان عن المواقع، فقال: «... وَلَهُجِيَ بذلك ابنه عبد الرحمن، فإنه كان كثيرًا ما يهاجي الشعراء العرب مثل النجاشي وغيره».
قلت: ولو كان الجبن من طبع حسان لما عاب الجبن في الرجال، كما في قوله:
| وإنا لقوم ما نُسَوِّدُ غادرًا ولا مانعًا للمال فيما يَنُوبُه وأصيد نَهَّاضًا إلى السيف صارمًا |
| ولا نَاكِلًا عند الحمالة زُمَّلًا ولا عاجزًا في الحرب جِبْسًا مغفلًا إذا ما دعا داعٍ إلى الموت أرقلا |
[انظر: شرح ديوان حسان، لعبد الرحمن البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1401هـ - 1981م، ص403- 406. والناكل عند الحمالة: الذي ينكص على عقبيه عند تحمل الديات. والزمل: الضعيف الجبان الرذل. والجبس: الثقيل الذي لا يجيب إلى خير. وأصيد: من معانيها اصطياد الأقران في الحرب. وأرقل: أسرع].
ومعظم أبيات هذه القصيدة اللامية في الفخر بالشجاعة، فانظرها. بل لا تخلو قصيدة من قصائده في الفخر والهجاء من هذه المعاني، فانظر ديوانه كله.
وممن قاتل يوم أحد، وليس بنية الجهاد في سبيل الله، ولكن بنية حماية الأحساب، فكان من أهل النار: قُزْمَان، الذي قتل وحده ثمانية أو سبعة من المشـركين، وكان الرسول ﷺ إذا ذكر له يقول: «إنه لمن أهل النار»، ولما كان يوم أحد قتل نفسه عندما أثخنته الجراح. وكان هذا من دلائل نبوة محمد ﷺ ودليل على أن النية في الجهاد هي الأساس. [هذا مضمون رواية الشيخين وأبو يعلى كما في المجمع وأحمد في المسند والواقدي].
لقد رافقت بعض النسوة جيش المسلمين ليسقين العطشى، ذكر منهن أم عمارة [ابن هشام والواقدي]، وحَمْنَة بنت جَحْش الأَسدية [الطبراني كما في المجمع، وسنده حسن] وأم سُلَيْط [البخاري]، وأم سُلَيْم، وعائشة أم المؤمنين. [متفق عليه].
وروى مسلم أن رسول الله ﷺ كان يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء ويداوين الجرحى.
وقد أرسل الله تعالى جبريل وميكائيل ليقاتلا دفاعًا عن الرسول ﷺ [متفق عليه].
وكان الله قد وعد المؤمنين إن هم صبروا واتقوا وأتوا الأعداء من فورهم، فسيمدهم بالملائكة، ولما لم يحصل ذلك منهم فلم يتحقق الوعد، وفي هذا يقول تعالى: ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴿ ١٢٤ ﴾ بَلَىٰ ۚ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴿ ١٢٥ ﴾ ﴾ [آل عمران:124-125] [الطبري: التفسير؛ الطبراني].
وأنزل الله تعالى النعاس على طائفة المؤمنين الذين اغتنموا بما وقع للرسول ﷺ وإخوانهم يوم أحد فناموا يسيرًا ثم أفاقوا، وقد قذف الله في قلوبهم الطمأنينة، التي أعادت لهم بعض نشاطهم ليواصلوا الدفاع عن نبيهم. وكان أبو طلحة الأنصاري فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفه من يده مرارًا فيأخذه [البخاري]. وفي ذلك نزل قول الله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ ۖ ﴾ ، أما طائفة المنافقين، سواء التي انسحبت مع ابن سلول أو فلولهم التي سارت مع المؤمنين فقد قال الله عنهم في الآية نفسها: ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ ﴾ [آل عمران:154] [الطبري: التفسير؛ منها آثار صحيحة].
لقد حاول المشركون جهد طاقتهم قتل الرسول ﷺ ولكن الله عصمه منهم. فقد روي أن أبي بن خلف كان يتوعد الرسول ﷺ بمكة بأنه سيقتله يومًا ما، فيقول الرسول ﷺ: «بل أنا أقتلك إن شاء الله» [ابن سعد، من مرسل ابن المسيب، وغيره]، فلما كان يوم أحد لحق بالنبي ﷺ في الشعب وهو يقول: «أي محمد، لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله ﷺ: دعوه. فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصِّمَّة، ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة مال منها على فرسه مرارًا [ابن إسحاق]، ورجع إلى قريش وبه خدش غير كبير، فاحتقن الدم، فقال: «قتلني والله محمد!»، وطمأنه قومه بأن ليس به بأس، فقال لهم ما قال له محمد ﷺ بمكة، ثم قال: «فوالله لو بصق عليَّ لقتلني». فمات عدو الله بسَرِف، وهم قافلون به إلى مكة [ابن إسحاق]. وهذا من علامات ودلائل نبوة محمد ﷺ.
وعندما صمد المسلمون واستماتوا دفاعًا عن النبي ﷺ فشل المشركون في محاولات الاختراق إليه، وأعيتهم المجالدة، ولم يملك أبو سفيان إلا أن يتوعد المسلمين بحرب أخرى في العام القادم، فوافق الرسول ﷺ على ذلك [ابن إسحاق، والواقدي]. وقد ثبت أن أبا سفيان أشرف على المسلمين وقال: «أفي القوم محمد؟ فقال ﷺ: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: لا تجيبوه، قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يحزنك، قال أبو سفيان: اعلُ هبل، فقال النبي ﷺ: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا العزَّى ولا عُزَّى لكم، فقال النبي ﷺ: أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال. وتجدون مُثلة لم آمر بها ولم تسؤني» [البخاري].
وفي رواية عند أحمد وابن إسحاق قال عمر: «لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار». [ورواية أحمد في المسند حسنة].
وعندما انصرف المشركون مكتفين بما نالوه من المسلمين، بعث رسول الله ﷺ عليًا بن أبي طالب، وقال له: «أخرج آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون بمكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسـي بيده لئن أرادوها لأسيرنَّ إليهم فيها، ثم لأناجزنَّهم»، وفعل علي ما أمر به، فوجدهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل وتوجهوا إلى مكة. [البخاري؛ ابن إسحاق؛ الواقدي].
وانجلت المعركة عن سبعين شهيدًا من المسلمين [البخاري]، واثنين وعشـرين قتيلًا من المشركين. [ابن إسحاق، ابن سعد؛ الواقدي].
وخرج رسول الله ﷺ يلتمس حمزة فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به، فجدع أنفه وأذناه [ابن إسحاق]. وقال رسول الله ﷺ حين رأى ما به: «لولا أن تحزن صفية ويكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلًا منهم»، فلما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يومًا من الدهر لَنُمَثلنَّ بهم مُثْلَة لم يمثلها أحد من العرب. [ابن إسحاق، وسنده يعتضد].
ونزل قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ۖ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴿ ١٢٦ ﴾ ﴾ [النحل:126]، فعفا رسول الله ﷺ وصبر ونهى عن المُثْلَةِ. [أحمد؛ ابن إسحاق؛ الترمذي؛ الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي].
وعن قصة التمثيل بجثة حمزة رضي الله عنه، فقد روى موسى بن عقبة [في البداية] أن وحشيًا بقر عن كبد حمزة وحملها إلى هند بنت عقبة فلاكتها فلم تستطع أن تستسيغها.
وروى ابن إسحاق [في السيرة] أن هندًا هي التي بقرت عن كبد حمزة، وزاد أن هندًا اتخذت من آذان الرجال وأنفهم خَدَمًا (أي خلاخل) وقلائد، وأعطت خَدَمَها وقلائدها وقِرَطها وحشيًا. [والقرط: حلي الأذن]. وروى الواقدي: أن وحشيًا عندما قتل حمزة حمل كبده إلى مكة ليراها سيده جبير بن مطعم.
وذكر الشامي [في السبل] أن الواقدي والمقريزي -في الإمتاع- رويا أن وحشيًا شق بطن حمزة وأخرج كبده وجاء بها إلى هند فمضغتها ثم لفظتها، ثم جاءت معه إلى حيث جثة حمزة، فقطعت من كبده وجَدَعت أَنْفَهُ وقطعت أُذُنَيْهِ، ثم جعلت مَسَكَتين ومِعْضَدَيْن وخَدَمَتْين، حتى قَدِمَتْ بذلك مكةَ.
وروى ابن أبي شيبة [في المغازي، بسند متصل رجاله ثقات] وأحمد [في المسند، بسند صحيح]: «... فنظروا، فإذا حمزة قد بُقر بطنه، وأخذت هند كبده، فلاكتها، فلم تستطع أن تأكلها...».
ولعل رواية الواقدي والمقريزي التي أشار إليها الشامي تفيد الجمع بين روايتي ابن عقبة وابن إسحاق، وتوافقهما في المضمون. أما التمثيل بجثة حمزة فقد ثبت بطرق صحيحة كما ذكرنا، مما يدل على أن قصة بقر كبد حمزة -التي ذكرها بعض أهل المغازي والسير- لها أصل، ويضاف إلى هذا رواية ابن أبي شيبة.
وسجلت لبعض النساء المسلمات مواقف إيمانية رائعة في تقبلهن مصابهن في أهليهن وفرحهن بحياة الرسول ﷺ. ومن أمثلة ذلك أن الرسول ﷺ مرَّ هو وأصحابه بامرأة من بني دينار [الواقدي؛ واسمها عنده: السميراء بنت قيس]، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نُعُوا لها قالت: «فما فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان. هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؟ فأشير إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل» - أي صغيرة. [ابن كثير: التاريخ، من حديث ابن إسحاق، بسند حسن].
وعندما أقبلت صفية - أخت حمزة - لتنظر إليه، طلب الرسول ﷺ من ابنها الزبير أن يرجعها حتى لا ترى ما بأخيها من مُثلة، فقالت: «ولم؟ وقد بلغني أن قد مُثِّل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك! لاحتسبنَّ ولأصبرنَّ إن شاء الله». وعندما أخبر الزبير النبي ﷺ بقولها، أمره بأن يخلي سبيلها، فأتته فنظرت إليه، فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له، ثم أمر به فدفن. [ابن إسحاق؛ أحمد؛ البزار؛ أبو يعلى البيهقي في الدلائل، وأسانيدهم صحيحة بمجموع طرقها].
وعندما انصرف رسول الله ﷺ راجعًا من أحد إلى المدينة. لقيته حَمْنَة بنت جحش، فنعى لها الناس أخاها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نُعِيَ لها خالها حمزة بن عبد المطلب، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت. فقال رسول الله ﷺ: إن زوج المرأة منها لبمكان، لما رأى من صبرها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها. [ابن إسحاق، ابن ماجه].
وقد روى البخاري وأبو داود أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير لأحد قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة»، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا...، ودفن الاثنان والثلاثة في قبر واحد [الترمذي، صحيح]، وأمر الرسول ﷺ أن يدفنوا حيث صرعوا، فأعيد من أخذ ليدفن داخل المدينة، منهم عبدالله بن حرام -والد جابر- [أحمد: المسند، وإسناده ضعيف (15258)].
وبعد الدفن، صف الرسول ﷺ أصحابه، وأثنى على ربه، ثم دعا الله أن يعطيهم نعيم الدنيا والآخرة، وأن يقتل الكفرة المكذبين. [الحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي].
وكان يتمنى أن يمضي شهيدًا مع أصحابه الذين استشهدوا يوم أحد، وقد أثنى عليهم عندما سمع عليًا يقول لفاطمة: «هاكِ السيف فإنها قد شفتني»، فقال له: «لئن كنت أجدت الضرب بسيفك، لقد أجاد سَهْل بن حَنِيف وأبو دجانة وعاصم بن ثابت الأَقْلَح والحارث بن الصِّمَّة.» [الحاكم، وصححه، وأقره الذهبي].
وبشر الرسول ﷺ المسلمين بما نال الشهداء من عظيم الأجر، فقد قال عندما سمع بكاء فاطمة بنت عبد الله بن عمرو والد جابر: «ولم تبكي؟ فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رُفِعَ [مسلم]، وفي رواية قال عن بكائها: «تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه». [متفق عليه].
ونزل في شهداء أحد قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿ ١٦٩ ﴾ ﴾ [آل عمران:169] [الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي]. فقد روى مسلم أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا ابن مسعود عن هذه الآية، فقال: «أَمَا إِنَّا قد سألنا عن ذلك فقال: أَرْوَاحُهُم في جَوْف طَيْرٍ خُضْرٍ لها قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بالعرش، تسرح من الجنة حيثُ شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل...»، ولذا قال العلماء إن حياة الشهداء حياة محققة حسبما جاء في هذا الحديث [فتح القدير للشوكاني، في ضوء حديث للترمذي].
وعندما عاد الرسول ﷺ من أحد سمع بكاء نساء الأنصار - من بني عبد الأشهل وظَفَر- على من استشهد من أزواجهن، فقال: «ولكن حمزة لا بواكي له»، وعندما استيقظ من نومه سمع بكاءهن ونَدْبِهِنَّ بحمزة [أحمد: المسند، بسند صحيح؛ وغيره]، ونهى يومئذٍ عن النَوْحِ. [ابن هشام؛ ابن سعد].
لقد نزلت حول موضوع هذه المعركة ثمان وخمسون آية من سورة آل عمران، تبتدئ بذكر أول مرحلة من مراحل المعركة: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ ﴾ [آل عمران:121]، وتترك في نهايتها تعليقًا جامعًا على نتائج المعركة وحكمتها: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿ ١٧٩ ﴾ ﴾ [آل عمران:179].
أحكام وحكم وعظات وعبر من غزوة أحد:
عقد ابن القيم [في الزاد] فصلًا فيما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام الفقهية، ننقلها هنا باختصار لتعميم الفائدة: [ما بين المعكوفتين من كلامي]:
1- إن الجهاد يلزم بالشروع فيه، حتى إن استعد له وتأهب للخروج، ليس له أن يرجع عن ذلك حتى يقاتل عدوه.
2- إنه لا يجب على المسلمين إذا طرقهم عدوهم في ديارهم الخروج إليه، بل يجوز لهم أن يلزموا ديارهم، ويقاتلوهم فيها إذا كان ذلك أنصر لهم على عدوهم، كما أشار به رسول الله ﷺ عليهم يوم أحد.
3- جواز سلوك الإمام بالعسكر في بعض أملاك رعيته إذا صادف ذلك طريقه، وإن لم يرض المالك، كما كان حال مربع بن قيظي مع الرسول ﷺ وجيشه.
4- إنه لا يأذن لمن لا يطيق القتال من الصبيان غير البالغين، بل يردهم إذا خرجوا، كما رد رسول الله ﷺ ابن عمر ومن معه.
5- جواز الغزو بالنساء والاستعانة بهن فيما دون القتال مثل السقي والتطبيب، [إذا أُمِنَتِ الفتنة].
قلت: أخرج ابن أبي شيبة [في المصنف، بسند ضعيف كما حققه د. خالد الدريس]، بسنده إلى سعيد بن عمرو القرشي، أن أم كبشة، امرأة من بني عذرة - عذرة قضاعة - قالت: يا رسول الله! إني لستُ أُريدُ أن أقاتل، إنما أريد أن أداوي الجريح والمريض أو أسقي المريض، فقال: «لولا أن تكون سنة، ويقال فلانة خرجت، لأذنت لك، ولكن اجلسي».
ذكرت هذا الحديث لأن بعض طلاب العلم يحتج به على أن الرسول ﷺ نهى في آخر حياته عن خروج النساء في الغزو. وقد علمت درجته، ولكن إذا ترجح احتمال وقوع نساء المسلمين في أسر الكفار وتعرضهن للاغتصاب، فالذي أميل إليه الاحتجاج بحديث أم كبشة على الرغم من ضعفه، لأن الاحتجاج بالضعيف في فضائل الأعمال قال به بعض العلماء، وعلى رأسهم الإمام أحمد يرحمه الله، خاصة أن حديث أم كبشة كان بعد الفتح وحنين، وهما آخر غزوتين خرجن فيهما بعض النساء كما علمت من أحداثهما وأحداث ما بعدهما من غزوات.
6- جواز الانغماس في العدو، كما انغمس أنس بن النضر وغيره. [ولابن تيمية كتاب في هذا].
7- إن الإمام إذا أصابته جراحة صلى بأصحابه قاعدًا، وصلوا وراءه قعودًا كما فعل رسول الله ﷺ واستمرت على ذلك سنته إلى حين وفاته [المغني والمحلى ونيل الأوطار].
8- جواز دعاء الرجل وتمنيه أن يقتل في سبيل الله، وليس ذلك من تمني الموت المنهي عنه، كما فعل عبد الله بن جحش.
9- إن المسلم، إذا قتل نفسه، فهو من أهل النار، كما في حال قزمان.
10- السنة في الشهيد أن لا يغسل ولا يكفن في غير ثيابه، بل يدفن فيها بدمه، إلا أن يسلبها العدو، فيكفن في غيرها. والحكمة في ذلك كما روى الترمذي: «حتى يلقوا ربهم بكُلُومِهِم - جُروحهم-، ريح دمهم ريح المسك، واستغنوا بإكرام الله لهم». وكما روى ابن إسحاق [بسند حسن] أن الرسول ﷺ قال عن شهداء أحد: «أنا شهيد على هؤلاء، ما من جريح يُجرَح في الله، إلا والله يبعثه يوم القيامة يَدْمَى جرحه، اللون لون دم والريح ريح مسك...».
11- أما الصلاة على الشهيد فقد اختلف فيها العلماء، وقد رجح ابن القيم أن الإمام مخير بين الصلاة عليه وتركها لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين.
وقد خَرَّجَ محققا الزاد تلك الآثار وبيَّنا درجتها من الصحة، ثم قالا: «ففي هذه الأحاديث مشروعية الصلاة على الشهداء، لا على سبيل الإيجاب، لأن كثيرًا من الصحابة استشهد في غزوة بدر وغيرها، ولم ينقل أن النبي ﷺ صلى عليهم، ولو فعل لنقل عنه، وقد جنح المؤلف رحمه الله في [تهذيب السنن: (4/3295)] إلى هذا.
12- السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم.
13- إن من عذره الله في التخلف عن الجهاد، لمرض أو عرج [شديد أو شيخوخة]، يجوز له الخروج إليه، وإن لم يجب عليه، كما خرج عمرو بن الجَمُوح وهو أعرج، [واليَمَان والد حُذَيْفَة، وثابت بن وَقْش، وهما شيخان كبيران].
14- إن المسلمين إذا قتلوا واحدًا منهم في الجهاد يظنونه كافرًا، فعلى الإمام دفع ديته من بيت المال، كما في واقعة قتل اليمان.
وذكر ابن القيم بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في غزوة أحد.
وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى أمهاتها وأصولها في سورة آل عمران، حيث افتتح القصة بقوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ ﴾ [آل عمران:121] إلى تمام نحو ستين آية من هذه السورة.
نذكر هنا باختصار ما ذكره ابن القيم:
1- تعريف المؤمنين بسوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، وأن الذي أصابهم هو لذلك السبب، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴿ ١٥٢ ﴾ ﴾ [آل عمران:152]. فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول ﷺ وتنازعهم وفشلهم، كانوا بعد ذلك أشد حذرًا ويقظة، وتحرزًا من أسباب الخذلان.
2- إن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يُدَالوا مرة ويُدَالُ عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصـروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين، ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاؤوا به ممن يتبعهم على الظهور والغلبة، خاصة وإن هذا من أعلام الرسل، كما قال هرقل لأبي سفيان: «هل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سِجَالٌ، يدال علينا المرة، وندال عليه الأخرى، قال: كذلك الرسل تُبتلى، ثم تكون لهم العاقبة» [متفق عليه].
3- ميزت محنة أُحد بين المؤمن والمنافق الذي دخل الإسلام ظاهرًا بعد انتصار المسلمين ببدر، وفي ذلك قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ ﴾ [آل عمران:179].
4- استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السـراء والضـراء، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون، فهم عبيده حقًا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية.
5- لا يصلح عباده إلا السراء والضراء، فهو المدبر لأمر عباده كما يليق بحكمته، فهو (سبحانه) إذا أراد أن يعز عبده ويجبره وينصـره، كسـره أولًا، ويكون جبره له ونصره على مقدار ذله وانكساره.
وهذا ما وقع للمسلمين ببدر: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ ﴾ [آل عمران:123]، وبحنين: ﴿ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ ﴾ [التوبة:25].
6- إنه سبحانه هيَّأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته، لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها.
7- إن النفوس تكتسب من العافية الدائمة والنصـر والغنى طغيانًا وركونًا إلى العاجلة، وذلك مرض يعوقها عن جدها في سيرها إلى الله والآخرة، فإذا أراد الله بها الرحمة والكرامة قيض لها من الابتلاء ما فيه دواء وشفاء لذلك المرض.
8- إن الشهادة عند الله من أعلى مراتب أوليائه، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتقدير الأسباب المفضية إليها من تسليط العدو وغيره.
9- إن في الابتلاء من الله تمحيص وتكفير لذنوب عباده وفرصة لهم لنيل الشهادة، قال تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿ ١٤٠ ﴾ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴿ ١٤١ ﴾ ﴾ [آل عمران:140-141].
10- إن الأنبياء عليهم السلام إذا أصيبوا ببعض العوارض الدنيوية من الجراحات والآلام والأسقام - تعظيمًا لأجرهم - تأسى بهم أتباعهم في الصبر على المكاره والعاقبة للمتقين، وهذه سنة الله فيهم. [الباكري].
11- إن اشتراك الرسول ﷺ في القتال مثله كأي فرد من أفراد جيشه دليل على حرصه ﷺ على عدم تميزه عن جنده ومساواة نفسه بهم. وفيه دليل على شجاعته وصبره وتحمله الأذى في سبيل دعوته.