حجم الخط:

محتوى الدرس (31)

الفصل الثامن: الغزوات والسرايا والأحداث بين أحد والمُرَيْسِيع

المبحث الأول: غزوة حَمْرَاء الأَسَد

أ- معالم غزوة حَمْرَاء الأَسَد

فكر المشركون في الكرة مرة أخرى على المسلمين ليقضوا عليهم قضاء مبرمًا، وعندما علم الرسول بنيتهم ندب الناس إلى المسير إلى لقائهم، وقال: «لا يخرج معنا إلا من شهد القتال» فاستجاب له المسلمون على ما بهم من القرح الشديد والخوف، وقالوا سمعًا وطاعة، وأذن لجابر بن عبد الله بالمسير معه لأنه لم يشهد أحدًا، إذ كان أبوه قد خلفه على بناته، وساروا حتى بلغوا حمراء الأسد.

وعندما أقبل مَعْبَد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله ، أمره أن يلحق بأبي سفيان فيخذله، فلحقه بالروحاء، ولم يعلم بإسلامه، فخذله وأخبره بخروج المسلمين إلى حمراء الأسد ونصحهم بالعودة إلى مكة. [ابن إسحاق].

وقال الله تعالى في هذه الغزوة: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿ ١٧٢ [آل عمران:172] [متفق عليه وفي البخاري أن الزبير وأبا بكر كانا من هؤلاء].

روى ابن إسحاق أنهم في طريق عودتهم من حمراء الأسد أسروا مُعاوية بن المُغِيرة، جد عبد الملك بن مروان لأمه، وأبا عَزَّة الجُمَحِيّ الذي مَنَّ الرسول عليه بغير فداء من بين أسرى بدر، فقال: «يا رسول الله! أَقِلْنِيْ»، فقال رسول الله : «والله لا تَمْسَحُ عَارِضَيْكَ بمكة بعدها وتقول: خَدَعْتُ محمدًا مرتين». وضرب الزبير عنقه بأمر الرسول .

وروي أن الرسول قال لأبي عزة: «إنَّ المؤمن لا يُلْدَغُ من جحر مرتين»، وأمر عاصم بن ثابت فضرب عنقه. [أصله في الصحيحين؛ ابن هشام، بلاغًا عن ابن المسيب].

لقد كانت هذه الغزوة في الثامن من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة وقيل غير ذلك [الواقدي، وابن سعد]، إذ قال ابن إسحاق: (إنها في يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال).

ب - عبر في هذه الغزوة:

1- إن خروج الرسول إلى حمراء الأسد، يُعَدُّ مظهرًا من مظاهر الكمال المحمدي من: شجاعة وتحمل وصبر وعدم الاستسلام لأي مظهر من مظاهر الهزيمة، وحسن سياسة، وبيانًا لفضل أصحاب محمد وما كانوا عليه من طاعة وصبر وتحمل واستجابة لله والرسول. وفيهم نزل قول الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿ ١٧٢ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿ ١٧٣ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴿ ١٧٤ [آل عمران:172-174]. [تفسير الطبري، وفيه طرق صحيحة].

المبحث الثاني: سرية الرَّجِيع

روى البخاري أن الرسول بعث بسـرية عَيْنًا وأَمَّرَ عليهم عَاصِم بن ثابت فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عُسْفَان ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لِحْيَان، فتبعوهم بقريب من مائة رام، فاقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلًا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فَرْفَد - مرتفع من الأرض- وجاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا لا نقتل منكم رجلًا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذِمَّةِ كافر، اللهم اخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل. وبقي خُبَيْبٌ وزيدٌ ورجل آخر. فأعطوهم العهد والميثاق، فنزلوا إليهم. فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قِسِيِّهِم فربطوهم بها. فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم، فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخُبَيْب وزيد حتى باعوهما بمكة.

فاشترى خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فمكث عندهم أسيرًا حتى إذا أجمعوا قتله، استعار مُوسَى من بعض بنات الحارث ليستحد بها، فأعارته، وقالت: «فغفلت عن صبي لي، فَدَرَجَ إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك مني، وفي يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى. وكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قِطْفِ عنب، وما بمكة يومئذ تمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزقًا رزقه الله» [ابن إسحاق].

فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: «دعوني أصَلِّ ركعتين»، ثم انصـرف إليهم فقال: «لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت». فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو، ثم قال: «اللهم أَحْصِهِم عَدَدًا واقتلهم بَدَدًا ولا تُبْقِ منهم أحدًا، ثم قال:

ما إن أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا

على أي شَقٍّ كان في الله مصـرعي

[وفي رواية: فلست أبالي..].

وذلك في ذات الإله وإن يَشأ

يُبارك على أوْصَال شِلْوٍ مُمَزَّعِ

[البخاري، الفتح (15/259-265، ح4086)، وقال ابن حجر في شرحه لحديث الباب (15/265)]: وعند أبي الأسود عن عروة زيادة في هذا الشعر، ثم ذكر البيتين الآتيين:

لقد أَجْمَعَ الأحزاب حولي وألَّبوا

إلى الله أشكو غُربتي بعد كُربتي

قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

وما أَرْصَدَ الأحزابُ لي عند مَصْرَعِي

وروى أبو الأسود من حديث عروة: «وقال خبيب حين رفعوه إلى الخشبة:

لقد جَمَعَ الأحزاب حولي وألَّبوا

وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم

إلى الله أشكو غُرْبَتِي ثم كُرْبَتِي

فذا العرش صَبِّرْنِي على ما يُرادُ بي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ

لَعَمْرِي ما أَحْفَل إذا مِتُّ مسلمًا

قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

وَقُرِّبْتُ من جِذْعٍ طويل مُمَنَّعِ

وما أَرْصَدَ الأحزاب لي عندَ مَصْـرَعِي

فقد بَضَّعُوا لَحمِي وقد يَاسَ مَطْمعِي

يبارك على أوصال شِلْو مُمَزَّعِ

على أي حَال كان لله مَضْجَعِي

وقال ابن حجر: إن ابن إسحاق ساقها ثلاثة عشر بيتًا، والذي وقفنا عليه لابن إسحاق في سيرة ابن هشام عشرة أبيات، والأبيات الزيادة على ما ذكرناه هنا عن عروة، وهي:

وكُلُّهُمُ مبدي العداوةِ جاهدٌ

وقد خَيَّرُوني الكُفْرَ والموتُ دونه

وما بي حِذَارُ الموتِ إني لَمَيِّتٌّ

فَوَاللهِ ما أرجُو إذا مِتُّ مسلمًا

فَلَسْتُ بِمُبْدٍ للعدو تَخَشُّعًا

عليَّ لأني في وِثَاقٍ مُضيَّعِ

وقد هَمَلَتْ عَيْنَايَ من غير مَجْزَعِ

ولَكنْ حِذَارِي جَحْمُ نَارٍ مُلَفَّعِ

على أي جنب كان في الله مَصْـرَعِي

ولا جَزَعًا إني إلى الله مَرْجِعِي

[انظر: مغازي عروة، ص177، وقال ابن هشام (3/250)]: وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له، أي لخبيب.

ثم قام إليه عقبة بن الحارث [وفي رواية ثانية عند البخاري أن الذي قتله هو أبو سَرْوَعَة (الفتح 15/266) وفي رواية ثالثة أنه أبو سروعة عقبة بن الحارث، الفتح (15/177) وقال ابن حجر: إن أبا سروعة هو أخو عقبة، وليس أبو سروعة وعقبة اسمًا واحدًا. وفي رواية لابن إسحاق بإسناد حسن صحيح أن عقبة بن الحارث لم يقتل خبيبًا لأنه كان صغيرًا، وأن الذي قتله هو أبو ميسرة العبدري، أخذ الحربة فجعلها في يده، ثم أخذ بيده وبالحربة ثم طعن بها خبيبًا حتى قتله]. وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قد قتل عظيمًا [هو عقبة بن أبي معيط، الذي أسر ببدر وقتله عاصم صبرًا بأمر الرسول كما مر بنا]. من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدَّبُر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء. [عند ابن إسحاق أن هذيلًا أرادت أخذ رأسه ليبيعوه من سُلَافَة بنت سعد بن شُهَيْد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد: لئن قدرت على رأس عاصم لتشـربن في قِحْفِهِ الخمر...].

وقال حسان بن ثابت شعرًا رائعًا في رثاء خبيب ورفقائه الكرام، [انظره عند ابن إسحاق: ابن هشام (3/250- 260)، وعروة: المغازي، ص177، قال الأعظمي: (رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف)] ومثاله قوله:

مَا بَالُ عَيْنَيْكَ لَا تَرْقَا مَدَامِعُهَا

على خُبَيْبٍ فتى الفتيان قد علموا

سَحًّا على الصَّدْرِ مِثْلَ اللُّؤلُؤِ القَلِقِ

لا فَشِلٍ حين تَلْقَاهُ ولا نَزِقِ

[لا ترقى مدامعها، أي: لا تنقطع. والسَّحُّ: الصَّبُّ. والقلق: المتحرك الساقط. الفشل: الجبان، والنزق: السَّيئ الخُلُقِ].

وقوله:

يَا عَيْنُ جُوْدِيْ بدمع منك مُنْسَكِبِ

صقرًا توسط في الأنصار منصبه

قَدْ هَاجَ عيني على عِلَّاتِ عَبْرَتِها

وَابْكي خبيبًا مع الفتيانِ لم يَؤُبِ

سَمْحَ السجية محضًا غَيْرَ مُؤْتَسِبِ

إذا قيل: نُصَّ إلى جِذْعٍ من الخشب

[السَّجِيَّة: الطبيعة، والمحض: الخالص النسب، والمؤتسب: المُخْتَلِط. العِلَّات: المشقات، والعَبْرَةُ: الدمعة، ونص: رفع].

وهجا كذلك هذيلًا وبني لحيان - بطن من هذيل.

وأما زيد بن الدَّثِنَّة فابتاعه صَفْوَان بن أمية ليقتله بأبيه، أمية بن خَلَف. وعندما أخرجوه من الحرم إلى التنعيم ليقتلوه، اجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان، فقال أبو سفيان حين قدم ليقتل: «أَنْشُدُكَ الله يا زيد، أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نَضْرِبُ عنقه، وأَنَّك في أَهْلِكَ؟» قال: «والله ما أُحِبُّ أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تُصِيْبُه شَوكةٌ تُؤذيه وإني جالس في أهلي»، فقال أبو سفيان: «ما رأيت من الناس أحدًا يُحِبُّ أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا». ثم قتله نِسْطَاسُ مولى صَفْوَان. [ابن إسحاق؛ ابن سعد، من طريق ابن إسحاق مرسلًا].

لما قُتل أصحاب الرجيع، قال ناس من المنافقين: «يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا، لا هم أقاموا في أهلهم ولا هم أدّوا رسالة صاحبهم، فأنزل الله فيهم آية: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة:204] وما بعدها، وأنزل في أصحاب السـرية: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴿ ٢٠٧ [البقرة:207] [ابن إسحاق، منقطعًا، ووصله ابن كثير في البداية بسند ضعيف].

بعث الرسول عمرو بن أُمَيَّة الضَّمْرِيّ وحده إلى قريش، قال: «فجئت إلى خشبة خبيب وأنا أتخوف العيون، فرقيت فيها، فحللت خبيبًا، فوقع إلى الأرض، فانتبذت غير بعيد، ثم التفت فلم أر خبيبًا، ولكأنما ابتلعته الأرض، فلم ير لخبيب أثر حتى الساعة». [أحمد في المسند وابن أبي شيبة].

كانت هذه السرية في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة [الواقدي؛ ابن سعد].

المبحث الثالث: سرية بئر مَعُونَة

وفي الشهر ذاته الذي أرسل فيه الرسول سرية الرجيع، أرسل الرسول سرية بئر معونة [ابن إسحاق؛ ابن سعد؛ الواقدي].

فقد ثبت في الصحيح أن الرسول أرسل إلى نجد سبعين من خيار الصحابة رضي الله عنهم عُرِفُوا بالقراء، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل [البخاري]، وينفقون ثمن حطبهم على أهل الصُّفَّة [مسلم].

وذكر مسلم: أن سبب إرسالهم هو أن أناسًا جاءوا إلى رسول الله وطلبوا منه أن يبعث معهم رجالًا يعلِّمونهم القرآن والسنة.

وذكر البخاري سببًا آخر لا يختلف عن هذا في جوهره، وهو: أن بطونًا من بني سُلَيم، هم: رِعْل وذَكْوان وعُصَيَّة وبني لِحيان استمدوا رسول الله على عدو، فأمدهم بأولئك السبعين، وقد وافق البخاري ابن سعد في هذا السبب.

وذكر بعض أئمة المغازي [ابن هشام؛ ابن سعد؛ الواقدي]: أن أبا براء عامر بن مالك، المدعو «مُلَاعِبُ الأَسِنَّة» قدم على رسول الله المدينة، فدعاه إلى الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد، وقال: «يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك، لرجوت أن يجيبوهم، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال أبو براء: أنا جارٌ لهم».

ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأن يكون كلا من الأمرين قد وقعا، أي إرسال الرسول هؤلاء السبعين بناء على طلب أبي براء وبني سليم.

عندما نزلوا ببئر معونة بين أرض عامر وحرة بني سُلَيم، بعثوا حرام بن مِلْحَان - أخا سليم - بكتاب رسول الله إلى عدو الله عامر بن الطُّفَيل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلًا - إيماءً - فطعن حرامًا بالحربة من خلفه، فلما أنفذها فيه ورأى الدم، قال حرام: «الله أكبر، فُزْتُ وَرَبَّ الكعبة» [هنا يتفق أهل المغازي مع رواية الصحيحين].

وعندما خرج الدم من حرام رضي الله عنه نَضَحَهُ على وجهه ورأسه [البخاري]، وكأنه يريد أن يلقى ربه وكل جسمه ملطخ بدم الشهادة، فيزيده الله من الأجر.

ثم استنفر ابن الطفيل بني عامر إلى قتال المسلمين، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء، فاستنفر بني سُلَيم فأجابته عُصَيَّة ورِعل وذَكْوَان، وخاضوا مع المسلمين معركة ضارية، قتل فيها المسلمون جميعًا، إلا كعب بن زيد بن النجار، الذي ترك وبه رَمَق، فعاش حتى استشهد في غزوة الخندق، وعمرو بن أمية، الذي كان قد تأخر عنهم هو والمُنْذِر عُقْبَة ابن عامر، وعندما وجدا أصحابهما قد صرعوا قاتلا المشـركين، فقتلوا المنذر وأسروا عمرًا، ثم أعتقه عامر عن رقبة كانت على أمه.

وعاد عمرو بن أمية بالخبر الأليم إلى الرسول بالمدينة، وفي الطريق فتك برجلين من بني كِلَاب، هو يرى أنه قد أصاب ثأر أصحابه، وإذا معهما عهد من رسول الله ، لم يعلم به، ولذا التزم الرسول بأداء ديتهما، فأخذ في تحصيل الدية من المسلمين وأهل الصحيفة من اليهود.

وعندما ذهب إلى اليهود للإعانة في دية الكلابيين حاولوا قتله، مما كان من أسباب غزوة بني النضير - كما سنرى.

وقد تألم الرسول لهاتين الفاجعتين - معونة والرجيع - فأخذ يدعو في صلاة الصبح ثلاثين صباحًا على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة والرجيع: رعل وذكوان ولحيان وعصية. [خلاصة البخاري ومسلم].

وظهرت لعامر بن فُهَيْرَة كرامة في هذه الموقعة. فقد روى البخاري أنه لما قتل الذين ببئر معونة وأسر عمرو الضمري، قال له ابن الطفيل: من هذا؟ فأشار إلى قتيل، فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة، فقال: «لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى إنّي لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض ثم وضع». وكان الذي قتله جَبَّار بن سَلْمَى الكِلابي، وقد أسلم نتيجة ما رأى من حال عامر بن فهيرة رضي الله عنه [الواقدي؛ ابن سعد]. ولم نقف على كيفية نجاة كعب بن زيد رضي الله عنه. تقول المصادر إنه ارْتُثَّ من بين القتلى. وارتُثَّ: أي حُمل رثيثًا - أي جريحًا - وبه رمق.

حكم وأحكام وعبر ودروس من سريتي الرجيع ومعونة

1- تدل هاتان الحادثتان على اشتراك المسلمين كلهم في مسؤولية الدعوة إلى الإسلام وتبصير الناس بحقيقته وأحكامه. فليس أمر الدعوة موكولًا إلى الأنبياء والرسل وحدهم أو خلفائهم والعلماء دون غيرهم.

وعلى الرغم من استشعار الرسول الخوف على القراء نتيجة لما وقل لأهل الرجيع، إلا أنه لم يتوقف عن إرسال بعث القراء، ومن بعده أرسل بعوثًا أخرى حتى تاريخ وفاته، لأنه كان يرى أن القيام بأعباء تبليغ الدعوة أهم من كل شيء، ليكن ما يريد الله في سبيل القيام بأمره وتبليغ دعوته.

2- إن معجزة التربية الإسلامية تتجلى في موقف خبيب بن عدي عندما لم يمس طفل آل الحارث بسوء، على الرغم من مواتاة فرصة الانتقام لنفسه من المشركين الذين حبسوه ليقتلوه، وتتجلى نذالة الكافرين في الغدر بأصحاب الرجيع وأصحاب بئر معونة، ولم يشفع لخبيب عندهم موقفه النبيل من طفل آل الحارث. والغدر والخيانة وصف لازم في الغالب لأهل الكفر والشرك.

3- إن للأسير في يد العدو أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكن نفسه ولو قتل، ترفُّعًا عن أن يجري عليه حكم الكافر، كما فعل عاصم رضي الله عنه، فإن أراد الترخص فله أن يستأمن، مترقبًا الفرصة للخلاص، كما فعل زيد وخبيب رضي الله عنهما.

4- إن ما ظهر من أمر خارق للعادة لخبيب عندما كان أسيرًا، دل على أن كل ما أمكن أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي.

5- مشروعية الصلاة عند القتل، وأن خبيبًا هو الذي سنها، وأقر ذلك الرسول .

6- تتجلى قوة إيمان ابن الدثنة في حبه لرسول الله ورضائه بالموت ولا يصاب رسول الله بشوكة تؤذيه، وهو آمن في أهله، وكذا كان حب أصحاب رسول الله له، وذلك واجبهم وواجب كل مؤمن ومؤمنة، وإن ذلك من دلائل إيمان العبد.

7- إن أصحاب رسول الله هم أحب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى ورسوله، ممن يضعهم الله تعالى في محك الامتحان.

8- مشروعية القنوت في الصلاة للدعاء على الظلمة، ولرفع البلاء النازل على المؤمنين.

[ملخصًا عن: فقه السيرة للبوطي؛ هذا الحبيب محمد يا محب، فقه السيرة للغزالي].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة