الفصل الثاني والعشرون: السرايا والأحداث بين غزوتي الطائف وتبوك
المبحث الأول: سرية الطُّفَيل بن عمرو إلى ذِي الكَفَّين
عندما أراد الرسول ﷺ المسير إلى الطائف، بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين: صنم عمرو بن حُمَمَة الدوسي ليهدمه، وأمره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف. فخرج سريعًا إلى قومه، فهدم ذا الكفين، وحرقه وانحدر معه من قومه أربعمائة، فوافوا النبي ﷺ بالطائف بعد مقدمه إليها بأربعة أيام، ومعه دبابة ومنجنيق. [ابن سعد؛ الواقدي].
المبحث الثاني: إسلام كَعب بن زُهير عند منصرف الرسول ﷺ من الطائف
كان كعب بن زهير بن أبي سُلْمَى المُزَنيّ من الشعراء المخضـرمين المرموقين، وأبوه زهير بن أبي سلمى صاحب إحدى المعلقات السبع المعروفة. وكان ممن يهجو النبي ﷺ ويؤذيه. وروى قصته وقصّة أخيه بُجَير بن إسحاق والبيهقي [في الدلائل]، بإسناد متصل إليه، وفيها أنه خرج مع أخيه بُجَير حتى أتيا أَبْرَقَ العَزَّافِ، طلب بجير من أخيه كعب أن يبقى في هذا المكان حتى يأتي محمد ﷺ ويسمع ما يقول، فعندما جاء عرض عليه النبي ﷺ الإسلام فأسلم، فبلغ ذلك كعبًا فأنشد قائلًا:
| ألا أبلِغَا عني بجيرًا رسالة على خُلُقٍ لم أَلْفِ أُمَّا ولا أَبـًا سقاك أبو بكرَ بكأس رَوِيَّةٍ |
| على أي شيء غير ذلك دَلَّكَا عليه ولم تدرك عليه أَخـًا لَكا وأنهلك المأمون منها وعَلَّكَا |
فلما بلغت الأبيات رسول الله ﷺ أهدر دمه، فكتب إليه أخوه بجير يخبره بذلك وينصحه بالنجاء، ثم كتب إليه بعد ذلك وأعلمه أن رسول الله ﷺ لا يأتيه أحد مسلمًا إلا قبل ذلك منه، وطلب منه أن يُسلم ويُقبل على النبي ﷺ، فأسلم، ونظم قصيدته التي يمتدح فيها رسول الله ﷺ وقدم على الرسول ﷺ فأمَّنه، فأنشده قصيدته التي مطلعها:
| بَانَتْ سُعاد فقلبي اليوم مَتْبُولُ |
| مُتَيَّمٌ عندها لم يُفد مَكْبُول |
[نيل الأوطار؛ ابن إسحاق]
وذكر موسى بن عقبة في مغازيه [البيهقي الدلائل] أن كعب بن زهير أنشد النبي ﷺ قصيدته (بانت سعاد) في المسجد، فلما بلغ قوله:
| إن الرسولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ به في فتية من قريش قال قائلهم |
| مُهَنَّدٌ من سيوف الله مسلول ببطن مكة لما أسلموا زُولوا |
أشار رسول الله ﷺ بكمه إلى الخلق ليأتوا فيسمعوا منه.
قال الساعاتي: (وفي المواهب اللدنية، قال أبو بكر بن الأنباري، إنه لما وصل إلى قوله:
| إن الرسولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ به |
| مُهَنَّدٌ من سيوف الله مسلول |
رمى عليه النبي بردة كانت عليه، وإن معاوية رضي الله عنه بذل فيها عشـرة آلاف، فقال كعب: «ما كنت لأوثر بثوب رسول الله ﷺ أحدًا». فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته عشرين ألفًا، فأخذها منهم، قال: «وهي البردة التي عند السلاطين إلى اليوم»). [انظر: العقبة عند الحاكم؛ ابن إسحاق؛ الذهبي: المغازي].
شرع رسول الله ﷺ في بعث المصَّدِّقين إلى المناطق المختلفة في مطلع المحرم من العام التاسع الهجري. فبعث: بُرَيْدَة بن الحُصَيْب إلى أسلم وَغِفَار، ويقال كعب بن مالك، وعَبَّاد بن بِشـر الأشهلي إلى سُلَيم ومُزَيْنَة، ورافع بن مَكِيْث إلى جُهَيْنَة، وعمرو ابن العاص إلى فَزارة، والضَّحَّاك بن سُفيان الكِلابي إلى بني كِلاب، وبُسْـر بن سفيان الكَعْبي إلى بني كعب، ويقال: نُعَيم بن عبد الله النَّحام العَدَوي، وابن اللُّتْبِيَّة الأزْدي إلى بني ذُبيان، ورجلًا من بني سعد بن هُذَيْم إليهم [الواقدي؛ ابن سعد]، والمهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء، وزياد بن لَبِيد إلى حَضْرَمَوت، وعَدِيّ بن حاتم الطائي إلى طيء وأسد، ومالك بن نُوَيرة إلى بني حَنْظَلة، والزِّبرِقَان بن بدر وقيس بن عاصم إلى بني سعد، كل منهما على ناحية، والعلاء بن الحضـرمي إلى البحرين، وعلي ابن أبي طالب إلى نجران ليجمع صدقتهم ويقدم عليه بجزيتهم [ابن إسحاق].
المبحث الرابع: سرية عبد الله بن حُذَافَة السَهْمِيّ
روى البخاري ومسلم أن الرسول ﷺ استعمل رجلًا من الأنصار على سرية وأمرهم أن يطيعوه. فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوه، وأمرهم فأوقدوه، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار، فسكن غضبه، وطفئت النار. فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا له ذلك فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف».
والراجح عندي أن أمير هذه السرية هو عبد الله بن حذافة السهمي. فقد روى الشيخان وبقية الجماعة، أن الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ ﴾ [النساء:59] نزلت فيه عندما أرسله الرسول ﷺ في سرية. وصرح به في رواية أحمد وابن ماجه [صحيح]. وذكر القصة بمثل مضمون رواية البخاري في كتاب الأحكام، ومسلم في كتاب الإمارة.
أما الرواية المرجوحة فهي التي رواها ابن كثير [التفسير] والطبري [التفسير]، وفيها أنها نزلت في خالد بن الوليد عندما بعثه الرسول ﷺ في سرية فيها عمار بن ياسر، فعندما سمع بهم العدو هرب إلا رجلًا واحدًا، جاء إلى معسكر المسلمين في جنح الليل، وسأل عن عمار بن ياسر، فدلوه عليه، فأخبره أنه مسلم، واستفتاه إن كان ذلك ينفع وإلا هرب مع قومه، فطلب منه عمار البقاء، وفي الصباح أغار خالد على مكان العدو فلم يجد إلا هذا الرجل، فأخذه وماله، فاعترض عمار على هذا الإجراء، فتلاحا واستبَّا، ولام الرسول ﷺ خالدًا، فاعتذر إلى عمار، فأنزل الله تعالى الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ ﴾ الآية.
وخلاصة رأيهما أن الآية عامة في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء. وقد استشكل العلماء وصف أمير هذه السرية بأنه أنصاري، لأن ابن حذافة مهاجري، ولذا قال ابن حجر [في الفتح]: (ويحتمل الحمل على المعنى الأعم: أي أنه نصر رسول الله ﷺ في الجملة). وجنح إلى تعدد القصة لاختلاف سياقي القصة واسم أميرها. وأما ابن الجوزي [كما ذكر ابن حجر] فقال: (قومه من الأنصار، وهم من بعض الرواة، وإنما هو سهمي). ولعلي أرجح تعليل ابن الجوزي.
وذكر الواقدي وابن سعد في سببها أنه بلغ رسول الله ﷺ أن ناسًا من الحبشة تراءاهم أهل جُدَّة، فبعث إليهم عَلْقَمَة بن مُجَزِّر، في ربيع الآخر من سنة تسع، في ثلاثمئة، فانتهى إلى جزيرة في البحر، فلما خاض البحر إليهم هربوا، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى أهلهم، فأمَّر عبد الله بن حذافة على من تعجل.
وذكر ابن إسحاق في سببها أن وقاص بن مجزز كان قد قتل يوم ذي قرد، فأراد علقمة بن مجزز أن يأخذ بثأره، فأرسله رسول الله ﷺ في هذه السـرية. ويمكن الجمع بين الأمرين. [ابن حجر: الفتح].
المبحث السابع: من فوائد هذا المقطع
إن الحكم في حالة الغضب يُنَفَّذ منه ما لا يخالف الشرع، وإن الأمر المطلق لا يعم بالأحوال، لأنه ﷺ أمرهم أن يطيعوا الأمير، فحملوا ذلك على عموم الأحوال حتى في حال الغضب، وفي حال الأمر بمعصية، فبين لهم ﷺ أن الأمر بطاعته مقصور على ما كان منه في غير معصية.
المبحث الثامن: سرية علي بن أبي طالب إلى الفُلْس وإسلام عَدِيٍّ ابن حاتم الطائي
في ربيع الآخر من العام التاسع الهجري أرسل الرسول ﷺ علي بن أبي طالب في خمسين ومائة رجل إلى الفلس - صنم طيء ليهدمه -، فشنوا الغارة على محلة آل حاتم الطائي مع الفجر، فهدموا الفلس وخربوه وأخذوا ما به، وملؤوا أيديهم من السبي والنعم والشاء. وهرب عدي إلى الشام. [ابن سعد؛ الواقدي].
روى أحمد [المسند، حسن] والترمذي [حسن] من حديث سماك بن حرب بإسناد إلى عدي بن حاتم أنه عندما جاءت خيل رسول الله ﷺ كان هو بعَقْرُب، فأخذوا عمته وناسًا، فلما أتوا بهم رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله نأى الوافد وانقطع الوالد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة، فمُنَّ عليَّ مَنَّ الله عليك، فسألها عن وافدها، فقالت: عدي بن حاتم، فقال: «الذي فر من الله ورسوله؟»، فمَنَّ عليها رسول الله ﷺ وجهزها فأتت ابن أخيها عديَّا وهو هارب بالشام، وأخبرته خبر الرسول ﷺ وطلبت منه أن يأتي الرسول ﷺ راغبًا أو راهبًا، فأتاه فأسلم، فسُـرَّ بذلك النبي ﷺ. [وروى القصة بتفاصيل أكثر ابن إسحاق، معلقة].
الفصل الثالث والعشرون: غزوة تبوك (أو العُسْرَة)
روى مسلم، بسنده إلى معاذ رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي». فهذا رسول الله ﷺ سماها تبوكًا قبل أن يأتيها أحد، فلا وجه لقول غير هذا، كما قال أكرم السندي: [الذهب المسبوك في تحقيق روايات غزوة تبوك].
جاءت تسميتها بغزوة جيش العسرة من الحديث الذي رواه البخاري، بسنده إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله الحُمْلَان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك...»، وعنون البخاري لهذه الغزوة بقوله: «باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة». وحديث الأشعري واضح الدلالة على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من العسر الشديد في المال والزاد والركائب.
وروى مسلم، بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه، ما وقع للمسلمين في طريق هذه الغزوة من نقص في الزاد حتى مصوا النوى وشربوا عليه الماء. وفي رواية أخرى له أنهم استأذنوا الرسول ﷺ في نحر مطاياهم ليأكلوا.
ودل على هذه الضائقة الاقتصادية الآية الكريمة: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ﴾ [التوبة:117] [انظر: تفسيرها عند الطبري].
خرج الرسول ﷺ لهذه الغزوة في رجب من العام التاسع الهجري [ابن إسحاق، ابن سعد]، بعد العودة من حصار الطائف بنحو ستة أشهر. [الفتح].
ذكر الواقدي وابن سعد أن هرقل جمع جموعًا من الروم وقبائل العرب الموالية لها، فعلم بهم الرسول ﷺ فخرج إليهم. وذكر اليعقوبي أن سببها أخذ الثأر لجعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه.
وروى ابن عساكر في سبب الخروج إلى تبوك أن اليهود أتوا الرسول ﷺ وقالوا له إن كنت صادقًا بأنك نبي فالحق بالشام فإنها أرض المحشـر والأنبياء، تغريرًا بالمسلمين ليخرجوهم من المدينة، ويعرضوهم لخطر المواجهة مع الروم، وعندما وصل تبوكًا نزلت عليه آيات من سورة بني إسرائيل، منها ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ ﴾ [الإسراء:76]، تفضح موقف اليهود، وأمره الله بالرجوع إلى المدينة حيث الممات والمحشر.
وقال ابن كثير [البداية]: فعزم رسول الله ﷺ على قتال الروم، لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام وأهله، وقد قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿ ١٢٣ ﴾ ﴾ [التوبة:123].
والذي قاله ابن كثير هو الأقرب إلى الصواب. إضافة إلى أن الأمر الذي استقر عليه حكم الجهاد هو قتال المشركين كافة، بما فيهم أهل الكتاب، الذين وقفوا في طريق الدعوة، وظهر تحرشهم بالمسلمين، كما روى أهل السير والمغازي.
حث الرسول ﷺ الصحابة على الإنفاق في هذه الغزوة لبعدها وكثرة المشتركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله عز وجل. فأنفق كل حسب مقدرته، وكان عثمان ابن عفان أكثر المنفقين. ووردت في ذلك عدة أحاديث وآثار، منها:
روى البخاري: وقال النبي ﷺ: «... من جهز جيش العسرة فله الجنة»، فجهزه عثمان. وروى من حديث أبي عبد الرحمن السُّلَمِيِّ أن عثمان رضي الله عنه قال لمحاصريه أيام الدار: «ألستم تعلمون أنه قال: من جهز العسرة فله الجنة؟ فجهزته»، فصدَّقوه بما قال، وروى من هذا الطريق وبنحوه الترمذي، ولفظه: «أذكركم بالله، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال في جيش العسرة: من ينفق نفقة متقبلة؟ والناس مجهدون معسـرون، فجهزت ذلك الجيش؟ قالوا: نعم...». ومن طريق آخر له من حديث ثُمامة بن حَزْنٍ: «...أنشدكم الله وبالإِسلام، هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا: اللهم نعم».
وبلغت هذه المشاركة من عثمان ألف دينار. وعندما نثرها في حجر النبي ﷺ أخذ يقلبها ويقول مرارًا: «ما ضرَّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم». [نفسه].
وقيل إن عثمان رضي الله عنه قدم أشياء عينية كالإِبل وعدتها، وأنه تصدق بثلاثمئة بعير بأحلاسها وأقتابها [والأحلاس جمع حلس: وهو مايوضع تحت السـرج، والأقتاب: جمع قتب: وهو الرحل] [الحاكم]، وليس هناك ما يمنع ذلك، ما دام قد ثبت أن الصحابة قد أقروا له بتجهيز جيش العسرة، كما هو ظاهر الأحاديث والآثار التي ذكرناها.
وروي أن عبد الرحمن بن عوف أنفق ألفي درهم، وهي نصف أمواله، لتجهيز جيش العسرة [تفسير الطبري]، وفي أنه تصدق بأربعة آلاف دينار، وهي أيضًا نصف ماله [نفسه]. وأن عمر تصدق بمائة أوقية. [ابن عساكر].
وتصدق العباس وطلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة وعاصم بن عدي، كما ذكر الواقدي.
وتصدقت النساء بكل ما قدرن عليه من الأسورة والخلاخل والختم والأقراط، كنّ يضعنه على ثوب مبسوط بين يدي رسول الله ﷺ في بيت عائشة رضي الله عنها. [الواقدي].
وقدم فقراء المسلمين جهدهم من النفقة على استحياء، ولذلك تعرضوا لسخرية وغمز ولمز المنافقين. فقد جاء أبو عُقَيل بنصف صاع من تمر، وجاء آخر بأكثر منه، فلمزوهما قائلين: «إن الله لغني عن صدقة هذا!! وما فعل هذا الآخر إلا رياء» فنزلت الآية: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ﴾ [التوبة:79] [البخاري].
وجاء أبو خَيثَمَة الأنصاري بصاع تمر فلمزوه أيضًا [مسلم]، ولعله هو المعني أيضًا في حديث الطبري [التفسير] في إنفاق ابن عوف، وفيه أن رجلًا من الأنصار قال: «... وإن عندي صاعين من تمر: صاعًا لربي، وصاعًا لعيالي»، فلمزه المنافقون، وقالوا: «ما أعطى ابن عوف هذا إلا رياء»، وقالوا: «أو لم يكن الله غنيًا عن صاع هذا؟» فأنزل الله الآية: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
وواضح من هذا أنهم يتهمون الأغنياء بالرياء ويسخرون من صدقة الفقراء.
وروي أن عُلْبَة بن زيد بن حارثة عندما لم يجد ما يتصدق به، جاء إلى الرسول ﷺ فقال: «اللهم إنه ليس عندي ما أتصدق به، اللهم إني أتصدق بِعِرْضِي على من ناله من خلقك»، فأمر رسول الله ﷺ مناديًا فنادى أين المتصدق بعرضه البارحة، فقام علبة، فقال الرسول ﷺ: «قد قُبِلَتْ صَدَقَتُكَ». [الإصابة - وعلبة المذكور ليس من ولد زيد مولى النبي ﷺ].
لقد كان علبة بن زيد [الحارثي الأنصاري] واحدًا من سبعة رجال من المؤمنين عرفوا بـ(بالبِكَّائِيْن)، أتوا رسول الله ﷺ يطلبون منه ما يخرجون عليه معه في هذه الغزوة، فلم يجد ما يحملهم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون. [ابن إسحاق].
وأرسل جماعة من الأشعريين أبا موسى الأشعري إلى الرسول ﷺ يطلبون منه ما يركبونه، فكان في لحظة غضب، فلم يحصل لهم منه على شيء، فعاد إليهم حزينًا. وبعد قليل أرسل الرسول ﷺ بلالًا إلى أبي موسى، فجاءه، فأعطاه ستة أبعرة ابتاعهن من سعد ليركبها مع أصحابه الأشعريين [البخاري]، وفي رواية أنه أعطاهم خمس ذَوُد عندما أُتيَ بِنَهْبِ إبل. [نفسه].
وذكرت بعض الروايات أنه نزل في البكائين والأَشْعَرِيِّين قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ ٩١ ﴾ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴿ ٩٢ ﴾ ﴾ [التوبة:91-92] [تفسير الطبري].
إنها صورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد على عهد الرسول ﷺ، وما كان يحسه صادقو الإيمان من ألم إذا ما حالت ظروفهم المادية بينهم وبين القيام بواجباته، وكان هؤلاء المعوزون وغيرهم ممن عذر الله لمرض أو كبر سن أو غيره يسيرون بقلوبهم مع المجاهدين، وهم الذين عناهم الرسول ﷺ عندما قال: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟! قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر». [البخاري].