موقف المنافقين من غزوة تبوك:
عندما أعلم الرسول ﷺ النفير ودعا إلى الإنفاق في تجهيز هذه الغزوة، أخذ المنافقون في تثبيط همم الناس، قائلين لهم: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴿ ٨١ ﴾ ﴾ [التوبة:81] [ابن إسحاق، تفسير الطبري والشوكاني؛ الدر المنثور].
وقال رسول الله ﷺ ذات يوم - وهو في جهازه لتبوك - لِلجَدِّ بن قَيْس: «يا جَدُّ! هل لك العام في جِلَادِ بني الأصْفَر؟» فقال: «يا رسول الله أَوَ تَأْذَنُ لي ولا تفتني؟ فو الله لقد عَرَفَ قومي أنه ما من رجل بأشد عُجْبًا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر»، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، وقال: «قد أذنت لك»، ففيه نزلت الآية: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿ ٤٩ ﴾ ﴾ [التوبة:49] [ابن إسحاق، الطبري في التفسير؛ الإصابة بأسانيد ضعيفة].
وذهب بعضهم إلى النبي ﷺ مبدين أعذارًا كاذبة، ليأذن لهم بالتخلف، فأذن لهم، فعاتبه الله بقوله تعالى: ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴿ ٤٣ ﴾ ﴾ [التوبة:43] [الطبري: التفسير، من مرسل مجاهد بسند صحيح].
وبلغ رسول الله ﷺ أن ناسًا منهم يجتمعون في بيت سُوَيْلِم اليهودي يثبطون أناس عن رسول الله ﷺ، فأرسل إليهم من أحرق عليهم بيت سويلم [ابن هشام].
ووصلت بهم الجرأة على الله ورسوله أن يبنوا مسجدًا قُبيل غزوة تبوك ليجتمعوا فيه ويديروا حلقات تآمرهم على المسلمين، ويأملوا في مجيء أبي عامر الفاسق من عند الروم بجيش يغزو المدينة. وزعموا أنهم بنوه للمنفعة والتوسعة على أهل الضعف والعلة ومن عجز عن المسير إلى مسجد الرسول ﷺ للصلاة فيه، وطلبوا من الرسول ﷺ أن يصلي فيه خداعًا للناس، ولكن الله فضح حقيقة نواياهم عندما أنزل في هذه الآيات: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿ ١٠٧ ﴾ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴿ ١٠٨ ﴾ ﴾ [التوبة:107-108] [الطبري: التفسير، صحيح]. فامتنع الرسول ﷺ عن الصلاة فيه، ثم أحرقه عندما عاد من تبوك ومنعه الله من الصلاة على أمواتهم بعد أن صلى على عبد الله بن أبي بن سلول عقب عودته من تبوك، وذلك في قوله: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ ﴾ [التوبة:84] [متفق عليه].
وقد تخلف منه جماعة كما ثبت في حديث كعب بن مالك في قوله: «فكنت إذا خرجت في الناس... أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموسًا بنفاق أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء...». [متفق عليه].
وخرج بعضهم مع الرسول ﷺ لعلهم يتحينون الفرص للتخذيل، كما سترى.
لقد استنفر الرسول ﷺ المسلمين للخروج في هذه الغزوة، وهو ما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿ ٣٨ ﴾ ﴾ [التوبة:38]، وكان تثاقلهم بسبب مجيء وقت جني التمر وطيب ثمره واشتهاء الظل لشدة الحر [الطبري: التفسير، من مرسل مجاهد]، وبعد المسافة ومشقة السفر، كما ذكرت الآية: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [التوبة:42] [الطبري: التفسير، من مرسل قتادة، حسن].
وتخلف عن الغزوة كثير من الأعراب والمنافقين، وعدد قليل من الصحابة من أهل الأعذار، وثلاثة ممن لم يكن لهم عذر عن الجهاد، وسيأتي ذكرهم.
موقف المؤمنين من الخروج إلى تبوك:
عندما كشف الرسول ﷺ للمسلمين عن وجهته خلافًا لما كان يفعل في مثل هذه الغزوات الكبيرة، ليتهيأ المسلون إلى الجهاد [البخاري]، سارع المؤمنون إلى مرافقة الرسول ﷺ ولم ينظروا إلى ما سيلاقونه من مشقة، ولم تفتنهم طيبات الحياة الدنيا بالمدينة، فها هو علي بن أبي طالب لا يرضى أن يخلفه الرسول ﷺ في أهله، فيلحق بالرسول وهو نَازِلٌ بالجُرْفِ ويقول: «يا رسول الله، تخلفني في النساء والصبيان؟» فقال له الرسول ﷺ: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي». [متفق عليه].
وها هو أبو خيثمة الأنصاري وقد سارع إلى حسم الصراع الدائر في نفسه بين البقاء والخروج، ثم يؤثر الخروج رغبة في ما عند الله عز وجل، وفي ذلك يقول: «تخلَّفت عن رسول الله ﷺ، فدخلت حائطًا لي - بستانًا - فرأيت عَرِيْشًا قد رُشَّ بالماء، ورأيت زَوْجَتَيَّ فقلت: ما هذا بإنصاف، رسول الله ﷺ في السَّموم والحرور وأنا في الظل والنعيم، فقمت إلى ناضح لي وتمرات فخرجت، فلما طلعت على العسكر فرآني الناس، قال النبي ﷺ: «كن أبا خيثمة»، فجئت فدعا لي. [ابن حجر: الفتح، من رواية الطبراني؛ ابن إسحاق، مرسلًا؛ الواقدي].
ويروى أن أبا ذر عندما أبطأ عليه بعيره أخذ متاعه فحمله على ظهره ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيًا، وعندما نزل رسول الله ﷺ في بعض منازله، رأى أحد المسلمين رجلًا يمشي وحده، فأخبر الرسول ﷺ فقال: «كُنْ أبا ذر»، فعندما وصل كان هو أبا ذر، فقال رسول الله ﷺ: «رَحِمَ الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» [الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي؛ البيهقي: الدلائل؛ ابن كثير: البداية، وحسنه].
وعندما أقام أبو ذر بالرَّبَذَة في عهد عثمان رضي الله عنه لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه، فأوصاهما بأن يغسلاه ويكفناه إذا مات، ثم يضعاه على قارعة الطريق ويطلبا الإعانة على دفنه من أول ركب يمر بهما، ففعلا، ويومها أقبل ابن مسعود رضي الله عنه في رهط من أهل العراق عُمَّارًا، وكادت إبلهم أن تطأ الجنازة، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذر، صاحب رسول الله ﷺ فأعينونا على دفنه، فبكى ابن مسعود وقال: «صدق رسول الله ﷺ: تمشي وحدك وتموت وحدك، وتبعث وحدك»، ثم نزل هو وأصحابه فدفنوه، ثم حدثهم حديثه، وما قال له رسول الله ﷺ في مسيره إلى تبوك. [الحاشية نفسها، حسن بطرقه].
وهذه معجزة من معجزات الرسول ﷺ الكثيرة في هذه الغزوة وغيرها، كما هو معلوم. وأفردنا لذلك فصلًا فيما بعد.
تباينت الروايات في ذلك. ففي رواية معقل عن كعب بن مالك، عند مسلم قال: «وغزا رسول الله ﷺ بناس كثير يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان حافظ». وفي رواية أخرى له عنه: «المسلمون مع رسول الله كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد بذلك الديوان». وقال ابن حجر [في الفتح]: وللحاكم في الإِكليل من حديث معاذ: «خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفًا، وبهذا العدد جزم ابن إسحاق». وروى الواقدي عن زيد بن ثابت أنهم كانوا ثلاثين ألفًا، وفي رواية أخرى له: «وكان الناس مع رسول الله ﷺ ثلاثين ألفًا ومن الخيل عشرة آلاف فرس»، وقد نقل عن أبي زُرعة الرازي أنهم كانوا أربعين ألفًا [الفتح]، وقال ابن حجر [الفتح] في تعليقه على بعض هذه الروايات: «فتحمل رواية معقل عن كعب على إرادة عدد الفرسان». وقال أبو زرعة الرازي: «وكانوا سبعين ألفًا». وجمع بعض الأئمة بين قوله وقول ابن إسحاق بأن أبا زرعة عد التابع والمتبوع، وابن إسحاق عد المتبوع فقط [تاريخ ابن أبي خيثمة].
والمشهور والراجح أن جيش تبوك كان ثلاثين ألفًا، وهو ما اتفق عليه أئمة المغازي والسير: ابن إسحاق والواقدي وابن سعد، وليس هناك تعارض مع ما جاء في الصحيح، والله أعلم.
لقد تخلف عن غزوة تبوك، من غير ذوي الأعذار والمنافقين، ثلاثة من خيار الصحابة، وهم: كَعْبٌ بن مالك، ومُرَارَة بن الربيع العَمْرِي، وهِلَال بن أُمَيَّة الواقِفِيُّ، فقد غلبهم التسويف والميل إلى الراحة. وروى كعب رضي الله عنه قصته في هذا التخلف، في حديث طويل، رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وجاء فيه:
«كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسـر منه حين تخلفت عنه في تلك الغزاة... وطفقت أغدو لكي أتجهز مع المسلمين، فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد ولم أقض من جهازي شيئًا. ولم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو - أي فاتوا - وهممت أن أرتحل فأدركهم. فيا ليتني فعلت. فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموسًا بنفاق أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء.. ولما بلغني أنه توجه قافلًا حضـرني همي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول بماذا سأخرج من سخطه غدًا؟!... واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، ولما قيل إن رسول الله ﷺ قد أقبل، زاح عني الباطل وأجمعت أن أَصْدُقَهُ، فجئته، فلما سلَّمت عليه تبسَّم تبسُّم المُغْضَبِ، ثم قال: تعال، فجئت أمشـي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خَلَّفَكَ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعْطِيْتُ جَدَلًا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليَّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله. والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك! فقال رسول الله ﷺ: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني يؤنبونني (أي يعتبون عليه أنه لم يعتذر كالآخرين) فقلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ فقالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما؟ فقالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية. فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرًا، لي فيهما أسوة... ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا - أي الثلاثة - فَاجْتَنَبَنَا الناسُ وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي الأرض، فما هي بالتي أعرفها. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه أسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني. وبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نَبَطِيٌّ من أَنْبَاط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يَدُلُّنِي على كعب بن مالك؟ فَطَفِقَ الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غَسَّان، فإذا فيه: «أما بعد فإنه قد بَلَغَنِي أن صاحبك قد جفاك، ولم يَجْعَلْكَ الله في دار هوان ولا مَضْيَعَة، فالحق بنا نُوَاسِك»، فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التَّنُّور فسجرته بها. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضـي الله في هذا الأمر.. فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ حتى كملت لي خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا. فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسـي وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سَلْع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فخررت ساجدًا، وعرفت أنه قد جاء فرج، وآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشرونا، وذهب قِبَلَ صاحِبَيَّ مبشـرون.. ولما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله ﷺ، فتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة. فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله. فقلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله. قال رسول الله ﷺ: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. فقلت: يا رسول الله، إنما نجَّاني الصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. وأنزل الله تعالى على رسوله: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴿ ١١٩ ﴾ ﴾ [التوبة:117-119]... وكنا تَخَلَّفْنَا نحن الثلاثة عن أمر أولئك الذين قَبِلَ منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضـى الله فيه. فبذلك قال الله تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ [التوبة:118]، وليس الذي ذَكَرَ الله مما خُلِّفْنَا عن الغزو، إنما هو تَخْلِيفُهُ إيانا وإرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عمن حَلَفَ له واعتذر إليه فَقَبِلَ منه».
وجاء في حديث كعب هذا أن الذين تخلفوا عن هذه الغزوة كانوا بضعة وثمانين رجلًا، اعتذروا للرسول ﷺ عن تخلفهم فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، ويتطابق هذا العدد مع ما ذكره الواقدي، وقد زاد الواقدي، بأن المُعَذَّرِيْنَ من الأَعْرَابِ كانوا أيضًا اثنين وثمانين رجلًا من بني غِفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي سلول ومن تابعه من قومه كانوا من غير هؤلاء، وكانوا عددًا كثيرًا،
وروى هو وابن سعد وابن إسحاق أن ابن أبي خرج حتى وصل جبل ذُبَاب - وفي رواية عند ثنية الوداع - بالمدينة ومعه حلفاؤه من اليهود والمنافقين، فكان يقال: ليس عسكر ابن أبي بأقل العسكرين، فلما سار الرسول ﷺ تخلف عنه فيمن تخلف من المنافقين، وكل هذه لم يثبت بطرق صحيحة.
وكان من يتخلف يظن أن لا أحد يتفقده لكثرة أفراد الجيش، ولكن الرسول ﷺ تفقد وهو في طريقه إلى تبوك بعض من تخلف، فقد سأل أبا رِهْم كلثوم بن حصين الغفاري عمن تخلف من بني غفار وأسلم [ابن إسحاق، حسن لغيره]، وعندما وصل تبوك سأل عن كعب بن مالك. [البخاري].
قيل إن الرسول ﷺ خطب الناس خطبة طويلة في تبوك، قال فيها: «أيها الناس، أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدي الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهُدَى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب...». [أحمد؛ الأموال؛ البداية، وفي الروايات مطعن].
وبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد على رأس سرية إلى أُكَيْدِر دُوْمَة الجندل فأخذوه، فأتوا به النبي ﷺ فحقن دمه وصالحه على الجزية. [ابن إسحاق، يعتضد].
وعندما أخذوه كان يصيد البقر خارج حصنه، وهي الهيئة التي ذكرها الرسول ﷺ لخالد - أنهم سيجدونه عليها [ابن إسحاق، حسن]. وقد تعجب المسلمون من قَبَاء كان يلبسه أكيدر، واستلبه منه خالد وأرسله إلى النبي ﷺ، فقال لهم النبي ﷺ: أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا» [متفق عليه، ابن إسحاق؛ عروة؛ الترمذي؛ النسائي].
وفي الصحيح أن أكيدر أهدى رسول الله ﷺ حلة من حرير [متفق عليه]، فعجب الناس منها، فقال: «والذي نفس محمد بيده...» الحديث بمثل ما عند ابن إسحاق. والراجح أن حصول الرسول ﷺ على الحلة كان عن طريق الإهداء كما في الصحيح وليس عن طريق الاستلاب كما ذكر ابن إسحاق. ويؤيد ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي، أنه لما قدم أكيدر، أخرج قباء من ديباج منسوجًا بالذهب، فرده النبي ﷺ عليه، ثم إنه وجد في نفسه من رد هديته فرجع به، فقال له النبي ﷺ: «ادفعه إلى عمر»، الحديث [ابن حجر: الفتح؛ الذهبي: المغازي]. وفي رواية عند البخاري أن الرسول ﷺ لم يعطها عمر ليلبسها، ولذا كساها عمر لأخ له كان بمكة مشـركًا [البخاري]. وفي رواية عن علي أنه أهدي إلى النبي ﷺ حُلَّةً سِيراءَ فلبسها، فرأى الغضب في وجه النبي ﷺ، فشقها بين نسائه. [البخاري].
ويفهم من مجموع هذه الأحاديث أن الحلة التي أهديت إلى الرسول ﷺ ليست واحدة [البخاري]، وأن الرسول ﷺ والصحابة لم يكونوا يلبسون الحرير، لأن ذلك محرم بالأحاديث الصحيحة كما هو معروف.
وقيل إن الرسول ﷺ أرسل خالدًا إلى أكيدر في أربعمائة وعشرين فارسًا، وأن غنائمه كانت ثمانمائة من السبي، وألف بعير، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح. [عروة، مرسلًا].
روى البخاري أن الرسول ﷺ عندما كان بتبوك جاءته هدية ملك أَيْلَة، وهي بغلة بيضاء، وكساه بردًا، وصالحه على الجزية.
وأتاه أهل جَرْبَاء وأَذْرُح، فأعطوه الجزية، فكتب لهم كتابًا، فهو عندهم. [ابن إسحاق].
وفي ذات يوم من أيام تبوك تخلف رسول الله ﷺ عن صلاة الفجر لحاجة، وعندما انتهى إلى مكان المسلمين، كانوا قد قدموا عبد الرحمن بن عوف إمامًا لهم وشرعوا في الصلاة، فصلى رسول الله ﷺ خلف ابن عوف، ثم أكمل صلاته. [مسلم؛ أحمد؛ أبو داود].
ويروى أن الرسول ﷺ أرسل دِحْيَة بن خَليفة الكَلبي إلى هرقل، وهو بتبوك، وأن هرقل أرسل التَّنُوخِي ليتعرف على بعض علامات نبوة محمد ﷺ. ولو ثبت هذا فيكون إرسال دحية للمرة الثانية.
وتوفي حين مقام الرسول ﷺ بتبوك ذو البِجَادَيْنِ [البجادين: مفردها البجاد، وهو الكساء الغليظ الجافي أو المِسْح - كساء من أشعر أسود. وذكر ابن هشام (4/234) سبب هذه التسمية، فقال: (لأنه كان ينازع إلى الإسلام، فيمنعه قومه من ذلك ويضيقون عليه حتى تركوه في بجاد واحد ليس عليه غيره، فهرب منهم إلى رسول الله ﷺ، فلما كان قريبًا منه شق بجاده باثنتين، فاتزر بواحد واشتمل بالآخر، ثم أتى رسول الله ﷺ، فقيل له: ذو البجادين لذلك)] عبد الله بن عبد نهم بن عفيف المزني، فنزل رسول الله ﷺ في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه إليه. فلما هيأه لشقه قال: «اللهم إني أمسيت راضيًا عنه، فارض عنه». وقال الراوي - عبدالله بن مسعود: «يا ليتني كنت صاحب الحفرة». [ابن هشام، بسند مرسل جيد].
لم يلق الرسول ﷺ حربًا من الأعداء، فرجع إلى المدينة منتصرًا، بعد أن أقام بتبوك عشرين ليلة [ابن حبان: الموارد، صحيح]. وفي الطريق أتوا على الحِجْر من ديار ثَمُود، الذين غضب الله عليهم لعصيانهم أمره بعدم ذبح ناقة نبي الله صالح [متفق عليه]، وعندما سارع الناس إلى دخول مساكن أهل الحجر، نهاهم الرسول ﷺ [أحمد، حسن]، وقال لهم: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين»، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي [متفق عليه]، وعندما نزلوا الحجر استقوا من آبارها وعجنوا من مائها العجين، فنهاهم عن ذلك، وأمرهم بطرح ذلك العجين للإبل وَيُهْرِيقوا ذلك الماء، وأن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة [متفق عليه].
وعندما اشتكى المسلمون إلى النبي ﷺ ما أصاب إبلهم من الإِجهاد، دعا الله أن ينشطها، فنشطت بهم حتى بلغوا المدينة [أحمد، حسن، الموارد].
وحاول جماعة من المنافقين الملثمين أن يطرحوا الرسول ﷺ عن راحلته من رأس عَقَبة بالطريق، في عَتَمةٍ من الليل، فشعر بمؤامرتهم، فأمر بإبعادهم عنه [أحمد، حسن].
فلما دنا رسول الله ﷺ من المدينة، خرج الصبيان إلى ثنية الوداع لتلقيه [البخاري]، ومعهم النساء والولائد يقلن:
| طلع البدر علينا وجب الشكر علينا |
| من ثنيات الوداع ما دعا لله داع |
وكان أول ما فعله الرسول ﷺ عند دخوله المدينة أن صلى في مسجده ركعتين ثم جلس للناس فجاءه المنافقون المتخلفون عن الغزوة اعتذروا بشتى الأعذار، فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم لله عز وجل. [متفق عليه]، وجاء الثلاثة المخلفون، وكان من خبرهم ما سبق ذكره.
وقفة مع بعض الآيات التي نزلت بمناسبة غزوة تبوك:
نزلت آيات كثيرة من سورة براءة - التوبة - حول موضوع هذه الغزوة، نزل بعضها قبل الخروج، وبعضها بعد الخروج وهو مسافر، وبعض آخر منها بعد الرجوع إلى المدينة. وقد اشتملت على ذكر ظروف الغزوة، وفضح المنافقين، وفضل المجاهدين المخلصين، وقبول التوبة من المؤمنين الصادقين، الخارجين منهم في الغزوة والمتخلفين.
1- قال تعالى: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿ ١٠٢ ﴾ ﴾ [التوبة:102].
قال الطبري [التفسير]: (وقد اختلف أهل التأويل في المعني بهذه الآية، والسبب الذي من أجله أنزلت فيه. فقال بعضهم: نزلت في عشرة أنفس كانوا تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، منهم أبو لبابة، فربط سبعة منهم أنفسهم إلى سواري المسجد عند مقدم النبي ﷺ من تبوك، توبة منهم من ذنبهم... وقال آخرون: الذين ربطوا أنفسهم كانوا ثمانية... وقال آخرون: كانوا سبعة... وقال آخرون: بل نزلت في أبي لبابة بسبب تخلفه عن تبوك. وقال بعضهم: عنى بهذه الآية الأعراب...)، وذكر الطبري المرويات فيمن قال بكل قول من الأقوال المذكورة... وكلها روايات لا تقوم بها الحجة حسب دراسة الدكتور السندي [الذهب] لها، ولذا قال الطبري [في التفسير]: (وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رسول الله ﷺ، وتركهم الجهاد معه، والخروج لغزو الروم، حين شخص إلى تبوك، وأن الذين نزل ذلك فيهم جماعة، أحدهم أبو لبابة... قد تبين أن هذه الصفة لم تكن إلا لجماعة فعلت ذلك، فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل، إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك... منهم أبو لبابة، لإِجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك).
2- قال الله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴿ ٦٥ ﴾ ﴾ [التوبة:65]
روى الطبري [بسند صحيح] عدة آثار في سبب نزول هذه الآية، منها أثر صحيح عن ابن عمر مضمونه أن رجلًا قال في مجلس في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ. فبلغ ذلك النبي ﷺ، ونزل القرآن؛ قال ابن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بِحَقَبِ ناقة رسول الله ﷺ تَنْكُبُهُ [تصيبه] الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم». واستدل بعضهم بهذه الآية على أن الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء ولا خلاف بين الأئمة في ذلك. [زاد المسير]. [وحَقَب: حبل يشد به الرحل على بطن البعير].
ويقول الله تعالى تعقيبًا على ما صدر من هذا الرجل: ﴿ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴿ ٦٦ ﴾ ﴾ [التوبة:66].
ومما روي في تفسير هذه الآية أن الذي عُفِيَ عنه هو وحشي بن حمير الأشجعي، وذلك لأنه أنكر منهم بعض ما سمع. [الدر المنثور، من حديث ابن إسحاق وابن المنذر بسند حسن].
معجزات وقعت للرسول ﷺ في أحداث تبوك:
شكا الصحابة رضي الله عنهم إلى النبي ﷺ ما برواحلهم من جهد، فأمر أن يمروا بها عليه عند مكان ضيق، فأخذ ينفخها ويقول: «اللهم احمل عليها في سبيلك، إنك تحمل على القوي والضعيف، وعلى الرطب واليابس في البر والبحر»، فما بلغوا المدينة حتى جعلت تنازعهم أزمتها، فقال الراوي - فُضَالة بن عُبيد الأنصاري: «هذه دعوة النبي ﷺ على القوي والضعيف، فما بال الرطب واليابس، فلما قدمنا الشام غزونا غزوة قبرص في البحر، فلما رأينا السفن في البحر وما يدخل فيها عرفت دعوة النبي » [أحمد، حسن].
روى الواقدي عدة آثار عن معجزات وقعت للرسول ﷺ ضمن أحداث غزوة تبوك، ولكن كلها ضعيفة، لانفراده بها، مثل الحية التي اعترضت سبيل المسلمين في غزوة تبوك، ومعجزة نبع الماء من أصابعه، ومعجزة تكثير الطعام.
وكذلك روى السيوطي [في الخصائص الكبرى] آثارًا عن معجزات وقعت للرسول ﷺ وكلها ضعيفة، مثل نزول المطر بدعاء الرسول ﷺ في غزوة تبوك، ولقاء إلياس ﷺ بالرسول ﷺ في هذه الغزوة، وكل هذه المعجزات التي وردت عند الواقدي والسيوطي بأسانيد ضعيفة، وقع مثلها بأسانيد صحيحة، جاء ذكرها في ثنايا هذا الكتاب، اللهم إلا قصة إلياس ﷺ والحية، فهي لم ترد من قبل بإسناد صحيح أو سقيم. وقد أفردنا فصلًا خاصًا للكلام عن معجزات النبي ﷺ.
الأحكام والفوائد والدروس المستنبطة من غزوة تبوك:
1- إن في صلاة النبي ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه تكريمًا لأحد أصحابه، ودليلًا على جواز إمامة المفضول وصلاة الأفضل أو الفاضل خلفه.
2- سأل معاذ بن جبل رضي الله عنه الرسول ﷺ عن عمل يدخله الجنة، وهم في طريق العودة من تبوك، فأجابه الرسول ﷺ بأن رأس هذا الأمر الشهادة، وقوامه الصلاة والزكاة، وذروة سَنَامِه الجهاد [أحمد، حسن].
3- كان الرسول ﷺ يجمع بين صلاتي الظهر والعصـر، وبين صلاتي المغرب والعشاء [الزرقاني: شرح الموطأ]. وأصبحت سنة لأصحاب الأعذار.
4- سئل النبي ﷺ عن سترة المصلي، فأجاب بأنها مثل مُؤخرة الرحل [النسائي، صحيح].
5- أقام ﷺ بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة [ابن حبان: الموارد، صحيح]. وبهذا استدل بعض العلماء على جواز القصر ما دام المرء في حالة سفر ولم ينو الإقامة، وانظر الفقرة 17 بعد قليل.
6- قال ﷺ عن جِلْدِ الميتة: «دِبَاغُها طهورها»، وذلك عندما طلب ماء من بيت بتبوك فأتي له به في قربة من جلد فشرب. [أبو داود، حسن].
7- أهدر الرسول ﷺ ثنية رجل عض يد رجل آخر فانتزعها بقوة ومعها الثنية. [متفق عليه].
8- جواز الهجر أكثر من ثلاث ليالٍ لسبب شرعي، كما في أمر الرسول الله ﷺ بمقاطعة الذين خُلِّفوا لمدة خمسين ليلة.
9- إن من يمر بديار المغضوب عليهم والمعذبين، لا ينبغي له أن يدخلها، [إلا لضرورة]، ولا أن يقيم بها، بل عليه أن يسرع، ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها، ولا يدخل عليهم إلا باكيًا معتبرًا، كما فعل الرسول ﷺ وأمر به عندما مر بديار ثمود بالحجر، وكما فعل في وادي محسر بين منى وعرفة، فإنه المكان الذي أهلك الله عز وجل فيه الفيل وأصحابه. [الزاد].
10- تصريح الإمام للرعية، وإعلامهم بالأمر الذي يضـرهم ستره وإخفاؤه ليتأهبوا له، وجواز ستر غيره عنهم والكناية عنه للمصلحة، كما فعل الرسول ﷺ في أمر الإِعلام بوجهته حين عزم على غزوة تبوك. [نفسه].
11- إذا استنفر الإِمام الناس للجهاد لزمهم النفير جميعًا، ولا يشترط في وجوب ذلك تعيين كل واحد منهم بعينه، وهو أحد المواضع الثلاثة التي يصبح فيها الجهاد فرض عين، والثاني: إذا حضر العدو البلد، والثالث: إذا حضر بين الصفين. [أي حين لقاء العدو].
12- وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، وهذه إحدى روايتي أحمد، قال ابن القيم [الزاد]: (وهو الصواب الذي لا ريب فيه).
13- إن في قول الرسول ﷺ لعثمان رضي الله عنه عندما رأى سخاء بذله: «ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم»، منقبة كبرى لعثمان رضي الله عنه، تضاف إلى مناقبه الأخرى الكثيرة، والتي أعظمها البشرى له بالجنة.
14- إن العاجز عن الجهاد والذي لا حرج عليه إذا تخلف عنه هو الذي يبذل جهده ويتحقق عجزه، كما في حالة الذين جاءوا يسألون الحملان فلم يجد الرسول ﷺ ما يحملهم عليه، فرجعوا يبكون لما فاتهم من شرف وأجر الجهاد.
15- مشروعية استخلاف الإمام، إذا سافر، رجلًا من الرعية على الضعفاء والنساء والذرية، كما في حالة علي رضي الله عنه، ويكون نائبه من المجاهدين، وهي خلافة خاصة، أما الاستخلاف العام والخاص بالشؤون الأخرى فكان لمحمد بن مسلمة. [نفسه].
16- لا يجوز شرب ماء آبار ثمود ولا الطبخ منه ولا العجن به، ولا الطهارة به، ويجوز أن يسقى منه البهائم، إلا ما كان من بئر الناقة، فيجوز الاستفادة من مائها في كل شيء. [نفسه].
17- أقام النبي ﷺ عشرين يومًا يقصر الصلاة، ولم يقل للأمة: لا يقصـر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواء طالت المدة أم قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع، وكان ذلك عمل بعض أئمة السلف، مثل سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأنس ابن مالك وعبد الرحمن بن سَمُرة، وهو الصواب كما قال ابن القيم [في الزاد].
18- إن من مراتب الجهاد الأربعة: الجهاد بالقلب، كما في حال الذين حبسهم العذر، وقال عنهم الرسول ﷺ: «إن بالمدينة أقوامًا... الحديث» والمراتب الأخرى: اللسان، والمال، والبدن، كما في الحديث: جاهدوا المشـركين بألسنتكم وقلوبكم وأموالكم» [أبو داود؛ أحمد، النسائي؛ الدارمي؛ الحاكم (صحيح)؛ ابن حبان].
19- جواز إحراق وهدم أمكنة المعصية، كما فعل الرسول ﷺ بمسجد الضِّرَار.
20- جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله عز وجل ورسوله ﷺ، كما في رواية كعب لقصة تخلفه عن غزوة تبوك.
21- جواز مدح الإِنسان نفسه بما فيه من الخير، إذا لم يكن ذلك على سبيل الفخر والترفع، كما فعل كعب رضي الله عنه.
22- إن بيعة العقبة الكبرى كانت من أفضل مشاهد الصحابة رضي الله عنهم، حتى إن كعبًا رضي الله عنه كان لا يراها دون مشهد بدر.
23- لا ينبغي للإِمام أو المطاع أن يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور، بل يذكره ليراجع الطاعة ويتوب، كما فعل الرسول ﷺ عندما سأل عن كعب وغيره بتبوك.
24- إن رسول الله ﷺ كان يقبل علانية من أظهر الإِسلام من المنافقين، ويكل سريرته إلى الله عز وجل، ويجري عليه حكم الظاهر، ولا يعاقبه بما لم يعلم من سره، كما فعل الرسول ﷺ مع الذين جاؤوه يعتذرون له عن تخلفهم.
25- إن في سجود كعب حين سمع صوت المبشر دليلًا ظاهرًا على أن تلك كانت عادة الصحابة، وهو سجود الشكر عند حدوث النعم المتجددة، والنقم المندفعة، وقد سجد أبو بكر رضي الله عنه لما جاءه خبر مقتل مسيلمة الكذاب [البيهقي: السنن]، وسجد علي عندما وجد ذا الثُّدَيَّةِ أو المُخْدَجَ مقتولًا في الخوارج [أحمد، صحيح] وهم في هذا يقتدون بالرسول ﷺ. فقد سجد رسول الله ﷺ عدة مرات لأحداث سارة، وقال أبو بكْرَة: «كان رسول الله ﷺ إذا أتاه أمر يسره خرَّ لله ساجدًا» [أبو داود، صحيح؛ الترمذي، حسن؛ ابن ماجه، حسن]، ومن أمثلة ذلك سجوده عندما أتاه خبر إسلام همدان على يد علي بن أبي طالب رضي الله عنه. [البخاري].
26- استحباب الصدقة عند التوبة بما قُدِرَ عليه من المال، كما جاء في موقف كعب رضي الله عنه وحواره مع الرسول ﷺ عندما أراد التصدق بكل ماله، ولكن الرسول ﷺ استحب له الثلث، فأمسك فقط سهمه الذي بخيبر. [أبو داود، صحيح].
27- مشروعية أخذ الجزية من أهل الكتاب، وأنهم يحرزون بذلك دماءهم وأموالهم، فقد رأيت أن الروم اختفوا وتفرقوا خوفًا من مواجهة رسول الله ﷺ حينما وصل تبوك، وجاءه نصارى العرب فصالحوه على الجزية.
28- إن موقف كعب رضي الله عنه من رسالة ملك غسان وتعليقه على طلبه، فيه صورة رائعة لما ينبغي أن يكون عليه إيمان المسلم بربه تعالى، وإن الابتلاء لا بد أن يكشف عن المزيد من الإِيمان وشدة الإِخلاص.
29- لقد وطدت هذه الغزوة سلطان الإِسلام في شمالي شبه الجزيرة العربية، ومهدت لفتوح الشام التي استعد لها الرسول ﷺ بإعداد جيش أسامة رضي الله عنه قبيل وفاته، فأنفذه أبو بكر، ثم أتبعه أبو بكر بجيوش الفتح الأخرى التي انساحت في بلاد الشام والعراق، وكانت بداية تحرير شعوب تلك المناطق من عبودية القيصرية والكسروية.