حجم الخط:

محتوى الدرس (49)

الفصل السابع والعشرون: أمهات المؤمنين رضي الله عنهن

[تمهيد]

المشهور أن الرسول تزوج خمس عشرة امرأة. [البيهقي: الدلائل، من مرسل قتادة]، دخل بثلاث عشرة منهن، واجتمع عنده منهن إحدى عشـرة، وقبض عن تسع. [ابن المثنى: تسمية أزواج النبي ]، فأما اثنتان منهن فأفسدتهما النساء فطلقهما، وذاك أن النساء قلن لإحداهما: إذا دنا منك فتمنعي، فتمنعت فطلقها، وأما الأخرى فلما مات إبراهيم قالت: لو كان نبيًا ما مات ابنه، فطلقها، منهن خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم سَلَمة وسَوْدَة وأم حبيبة، ومن غير قريش: ميمونة الهلالية، وجُويرية الخزاعية، وزينب بنت جحش الأسدية وصفية الخيبرية. وهؤلاء التسع هن اللاتي قبض عنهن. [البيهقي: الدلائل].

وقد سبق الكلام عن زواجه من خديجة رضي الله عنها، وقد ماتت قبله بمكة كما ذكرنا وسأتناول هنا بإيجاز قصة زواجه من الثماني الباقيات، ومن تسرى بهن.

2- سودة بنت زمعة بن قيس رضي الله عنها:

كانت من المؤمنات المهاجرات في سبيل الله عز وجل. فقد هاجرت إلى الحبشة مع زوجها السَّكْرَان بن عمرو، ابن عم أبيها، فأغضب ذلك أهلها. وعندما عادت مع زوجها من هجرتها توفي زوجها السكران، وقيل توفي عنها في الحبشة. [الاستيعاب]. وتركها من غير عائل، فخشي الرسول أن يبطش بها قومها، وكانوا أشداء وأعداء ألداء للإسلام، وأراد أن يجزيها على إسلامها ومصابها خيرًا، فلم يجد غير أن يتزوجها في رمضان سنة عشر من النبوة. [ابن سعد]، بعد وفاة خديجة رضي الله عنها بلا خلاف والراجح زواجه بها في شوال بعد عائشة. [البداية].

وعندما طعنت في السن وذهبت حاجتها في الرجال، خشيت أن يطلقها الرسول ، وحرصت على أن تحشر في أزواجه، ولذا وهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنها. [متفق عليه]. ولذا كانت عائشة رضي الله عنها تقول: «ما من امرأة أَحَبَّ إليَّ من أكونَ في مِسْلاخِها من سودة بنت زمعة، إلا أنها امرأة فيها حِدَّة، فلما كَبُرَتْ قالت: يا رسول الله! قد جعلت يومي منك لعائشة». فكان رسول الله يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة. [مسلم - والمسلاخ: الجلد].

وروي أن الآية الكريمة: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ [النساء:128] نزلت في هذا السبب. [تفسير الطبري، صحيح؛ أبو داود والترمذي، صحيح].

والروايات التي تذكر أن النبي طلقها ثم ردها عندما وقفت في طريقه تطلب منه ردها؛ فهذه الروايات التي فيها مسألة وقوع طلاق، ضعيفة الإسناد، لا يحتج بها، وما في الصحيح أصح.

وكانت بدينة الجسيم ثقيلة الحركة، قالت ذات يوم للرسول : «صليت خلفك البارحة فركعت بي حتى أمسكت بأنفي مخافة أن يقطر الدم»، فضحك رسول الله من قولها. [ابن سعد، مرسل برجال الصحيح؛ الإصابة]. ولثقلها وكبرها أذن لها الرسول ولمن في حالها أن يدفعوا ليلة مزدلفة قبل الناس. [البخاري]. وأصح ما روي في تاريخ وفاتها أنها توفيت في خلافة عمر رضي الله عنه. [البخاري: التاريخ الأوسط، صحيح].

ولم نقف على رواية يحتج بها تحدد عمرها حين تزوجها النبي . ومن تلك الروايات الضعيفة عن عمرها حين وفاتها، قول البلاذري. [أنساب الأشراف]: (ويقال إنها توفيت في خلافة عثمان رضي الله عنه ولها نحو من ثمانين سنة).

3- عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما:

كانت لأبي بكر رضي الله عنه مكانة عظيمة في قلب النبي ، لما كان له من مواقف في سبيل الله في أدق اللحظات وأحرجها من مسيرة الدعوة، فلعل الرسول أراد أن يكرم صاحبه الوفي الأمين، ويوثق عرى المحبة بينه وبين أخيه في الإسلام أبي بكر، وذلك برباط المصاهرة، فتزوج من ابنته عائشة.

وكانت عائشة رضي الله عنها صغيرة السن عندما عقد عليها الرسول ، في شوال من السنة العاشرة للبعثة النبوية [مسلم]، ولم يدخل بها إلا في شوال من السنة الثانية للهجرة. [مسلم؛ ابن سعد].

قالت عائشة رضي الله عنها: «تزوجني رسول الله متوفى خديجة، قبل الهجرة وأنا بنت ست، وأدخلت عليه وأنا ابنة تسع سنين...». [متفق عليه]. وفي رواية أنه تزوجها وهي ابنة سبع. [مسلم].

ولقد رأى رسول الله في المنام - ورؤيا الأنبياء حق - أن رجلًا يحملها إليه في سَرَقَةٍ. [شقق بيضاء] من حرير، فيقول: «هذه امرأتك، فيكشف فيراها، فيقول: إن كان هذا من عند الله يمضه». متفق عليه. وهذا من فضائلها الكثيرة.

ولم يتزوج رسول الله بكرًا غيرها. [البخاري].

ومن يقف على سيرة هذه السيدة العظمى تأخذه الدهشة لذكائها وفطنتها وغزارة علمها وفقهها وسمو أخلاقها، وسيعلم حينها، لماذا كانت بتلك المكانة الكبيرة عند رسول الله . [الإصابة؛ كتب الحديث].

4- حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما:

لقد توفي عنها زوجها خُنَيس بن حُذَافَة السَّهمي المهاجري البدري، صاحب الهجرتين - الحبشة والمدينة. [البخاري؛ الإصابة] -، إذ أصابته جراحة يوم أحد، فمات منها. [الإصابة؛ الاستيعاب]. وروي أنه توفي بعد بدر. [ابن سعد].

وتزوجها رسول الله للحكمة ذاتها التي تزوج من أجلها عائشة وسودة رضي الله عنهما، إضافة إلى حزنها الشديد على زوجها المجاهد، وحزن عمر لحزنها، فعرض زواجها على حبيبيه أبي بكر وعثمان، لعل في الاقتران بهما مواساة لها وإخراجها من أحزانها. فاعتذر عثمان بحجة عدم حاجته في النساء، وسكت أبو بكر، ولذا وجد عمر في نفسه عليه أكثر مما وجد على عثمان. وما لبث ليالي حتى خطبها رسول الله ، ولقيه أبو بكر وأوضح له سبب سكوته، وهو أن الرسول كان قد ذكرها، فكره إفشاء سر رسول الله وقال: «لو تركها رسول الله قبلتها». [البخاري؛ أحمد، صحيح]. وفي هذا دليل على أن الرسول كان يشعر بما تعانيه حفصة من تأيم، فأراد أن يواسيها، ويواسي أباها لمكانته عنده.

وروي أن الرسول طلقها ثم راجعها [أبو داود، صحيح؛ ابن ماجه؛ الدارمي]. ودخل عليها عمر وهي تبكي، فقال: «ما يبكيك؟ لعل رسول الله طلقك؟ إن النبي طلقك وراجعك من أجلي، والله لئن كان طلقك مرة أخرى لا كلمتك كلمة أبدًا». [الطبراني، برجال الصحيح؛ ابن إسحاق: السير، حسن؛ ابن حبان، صحيح].

وعندما طلقها الرسول أتاه جبريل فقال له: «راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة». [الطبراني، برجال الصحيح].

وفي هذه الأحاديث ما يكفي للدلالة على حكمة زواج الرسول من حفصة.

5- زينب بنت خُزَيمة الهِلالية رضي الله عنها:

كانت زوجة للطفيل بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، فطلقها. [ابن سعد]، وقيل كانت عند جَهم بن عمرو بن الحارث. [ابن إسحاق]، فتزوجها بعده عُبيدة ابن الحارث، فقتل ببدر شهيدًا. [ابن سعد]، وقيل كانت تحت عبد الله بن جحش، وقتل عنها يوم أحد شهيدًا. [الاستيعاب، الإصابة]، وكانت تدعى أم المساكين في الجاهلية لرحمتها إياهم ورقتها عليهم. [ابن إسحاق، ابن سعد]. فقد روى الزبير بن بكار. [في المنتخب] أن الرسول عندما تزوجها أَوْلَمَ عليها جزورًا، فكثر المساكين، فتركهم الناس والطعام..

وهي أخت أم المؤمنين مَيْمُونة بنت الحارث رضي الله عنها لأمها. [الاستيعاب، الإصابة]، هند بنت عوف بن الحارث بن حماطة الحميرية. [المحبر].

إن امرأة تعاقب عليها هذا العدد من الأزواج، منهم شهيدان، وما عرف عنها من الصلاح والرأفة على المساكين، لجديرة بأن تحظى بعطف الرسول وتقديره لظروفها، ولم يكن هناك أفضل من تكريمه لها بالزواج منها، فتزوجها الرسول في رمضان، على رأس واحد وثلاثين شهرًا من الهجرة، فمكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت في آخر شهر ربيع الأول، على رأس تسعة وثلاثين شهرًا من الهجرة. [ابن سعد]. ولم يمت من أزواجه في حياته غيرها وغير خديجة بنت خويلد.

وقيل إن عمرها كان نحو ثلاثين عامًا عندما توفيت. [ابن سعد]، ويستبعد ذلك، لأن امرأة كانت تدعى في الجاهلية بأم المساكين، ثم عاشت في الإسلام خمس عشـرة سنة، لابد أن يكون عمرها عندما ماتت أكبر من ذلك بكثير.

وقد ذكر الصواف [زوجات النبي ] أنها بلغت الستين من العمر عندما تزوج بها النبي ، ولكنه لم يبين لنا مصدره، ولو ثبت ذلك لكان الأقرب إلى الصواب، والله أعلم.

ولم تهتم المصادر بسيرتها في بيت الرسول ، لا سيما علاقاتها بزوجاته: سودة وعائشة وحفصة، مما يدل على أنه لم يكن بها ما يدعو لغيرة النساء عليها، فلم يأبه بها أحد، ولم تأبه بأحد، ولعل قصر مدة إقامتها في بيت النبوة كان سببًا في ذلك.

6- أم سلمة - هند بنت أبي أمية - المخزومية رضي الله عنها:

لقد حفظ التاريخ لهذه السيدة ذكرًا مجيدًا، إذ كانت من شهيرات المؤمنات، العاملات وراء صفوف المجاهدين في غزوة أحد، كما ذكرنا، وكان لها رأي سديد كما ذكرنا في قصتها مع النبي يوم الحديبية. ومن أبرز مجاهداتها أنها هاجرت إلى الحبشة مع زوجها أبي سلمة، عبد الله بن عبد الأسد، ابن عمة النبي وأخيه من الرضاعة.

وكان لزوجها بلاء حسن يوم أحد، حتى جرح جرحًا كبيرًا، اندمل بعد فترة، ثم عاوده واشتد عليه ألمه، وكان سببًا في وفاته كما ذكرنا.

لقد مات رضي الله عنه وخلف وراءه أربعة من الأولاد، هم: زينب وسلمة وعمر ودرة. [ابن سعد]. وقد حرص الرسول على مواساتها عمليًا بأن يكرمها بضمها إلى نسائه والقيام بأمرها، لأنها من المهاجرات، ولم يكن لها أهل بالمدينة، غير أبنائها.

وروي عنها أنها قالت: «أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله بقول فسـررت به، قال: قال رسول الله : «لا تصيب أحدًا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم اْجُرْنيْ في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا فعل ذلك به»، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم اْجُرْنيْ في مصيبتي وَأَخْلِفْ لي خيرًا منه، ثم رجعت إلى نفسـي، قلت: من أين لي خير من أبي سلمة، فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله ... وأذنت له... فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بي أن لا تكون بك الرغبة في، ولكني امرأة فيَّ غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله عز وجل منك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي، قالت: فقد سلمت لرسول الله ، فتزوجها رسول الله ، فقالت: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه، رسول الله ». [مسلم؛ أحمد، صحيح؛ الترمذي، صحيح؛ ابن ماجه، صحيح؛ ابن سعد، صحيح].

وفي رواية أنه لما انقضت عدتها من أبي سلمة خطبها أبو بكر فردته، ثم خطبها عمر فردته، فبعث إليها رسول الله فقالت: «مرحبًا برسول الله إني امرأة غيرى، وإني مُصْبِيَة. [ذات الصبيان]، وليس أحد من أوليائي حاضرًا، فبعث إليها رسول الله : أما قولك إني مصبية فان الله يكفيك صبيانك، وأما قولك إني غيرى فسأدعو الله أن يذهب غيرتك، وأما الأولياء فليس أحد منهم شاهد ولا غائب إلا سيرضاني، فقالت: «يا عمر: قم فزوج رسول الله ...»[أحمد، صحيح].

وكان زواج الرسول بها في شوال سنة أربع. [ابن سعد].

وكانت آخر من توفي من زوجات النبي ، كما في الإصابة وغيرها.

7- جُوَيْرية بنت الحارث رضي الله عنها:

لقد سبق الكلام عن قصة زواجها في غزوة بني المصطلق.

أراد الرسول إكرام هذا الصنف من النساء الأسيرات، فسوى بينهن وبين الحرائر، وضرب للناس أصدق الأمثال على سماحة الإسلام. فأزال من الأذهان ما كان قد علق بها من احتقار للإماء، واتخاذهن فقط للبيع أو للخدمة، وحرمن من نعمة العتق إلا بالمكاتبة وشراء أنفسهن من مالكهن. فتعلم المسلمون من هذه الزيجة كيفية صيانة سيدات الأسر الكريمة بين قومهن ورحمة عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر. وقد زخر التاريخ الإسلامي بعد هذا بالسبايا اللائي تزوجهن أسيادهن من الخلفاء والأمراء والسادة والكبراء، وأنجبن الخلفاء والأمراء والقادة العظماء والعلماء، وتأمل في ذلك تاريخ خلفاء بني العباس. [زكريا كتابجي: الترك في مؤلفات الجاحظ].

8- زينب بنت جحش رضي الله عنها:

هي ابنة عمة الرسول أُمَيمَة. وقد زوجها الرسول لمولاه زيد بن حارثة، الذي أعتقه وتبناه إلى أن أبطل الله عادة التبني. ونزل في قصة زواجها من زيد رضي الله عنه ثم الرسول قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴿ ٣٧ [الأحزاب:37].. [البخاري]

فقد روى البخاري أن زيدًا جاء يشكو زوجته، فجعل النبي يقول: «اتق الله وأمسك عليك زوجك»، قالت عائشة: لو كان رسول الله كاتمًا شيئًا لكتم هذه، فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ، تقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.

لقد كان زواج الرسول منها لهلال ذي القعدة من العام الخامس الهجري، وهي بنت خمس وثلاثين. [ابن سعد] لحكمة، وهي إبطال عادة التبني كما هو واضح من آية سورة الأحزاب المذكورة.

وخلاصة ما ورد في تفسير هذه الآية أن الذي كان يخفيه النبي هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس: تزوج امرأة ابنه. [الترمذي، صحيح]، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني، وليس أبلغ في إبطاله من تزوج امرأة الذي يُدْعَى ابنًا، ووقوع ذلك أمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم. [عبد الرزاق؛ الترمذي؛ تفسير ابن كثير؛ ابن حجر].

هذا الذي ذكرناه من الصحيح يغنينا عن مناقشة الروايات الكثيرة الساقطة التي نسجت حول قصة زواج الرسول من زينب بنت جحش، لا سيما روايات الواقدي، التي كانت مرتعًا خصبًا لأهل الأهواء في القديم والحديث، من زنادقة ومستشـرقين ومن على شاكلتهم. وقد ألف د. زاهر الألمعي كتابًا في الرد عليهم.

9- رَيحانة بنت زيد بن عمرو بن خُنَافة رضي الله عنها:

قيل: ومن أزواجه ريحانة بنت عمرو النضيرية. [الإصابة؛ الاستيعاب]، وقيل: القريظية. [نفسه]، سبيت يوم غزوة بني قريظة، فاصطفاها رسول الله لنفسه فأعتقها وتزوجها. [الواقدي؛ ابن بكار]، ثم طلقها تطليقة، ثم راجعها. [ابن سعد].

وقالت طائفة: بل كانت أمته وكان يطؤها بملك اليمين، فهي معدودة عندهم في السراري. [ابن إسحاق]، واختلفوا في تاريخ وفاتها، هل كان قبل الرسول أم بعده؟ ولم يرجحوا قولًا على آخر. [الواقدي]، والذي نميل إليه أنها ماتت في حياة الرسول لقوة أسانيد القائلين بهذا، وهو ما جزم به ابن عبد البر. [الاستيعاب؛ ابن سعد].

10- أم حبيبة - رَملَة بنت أبي سفيان بن حرب رضي الله عنهما:

هاجرت أم حبيبة مع زوجها عبيد الله بن جحش الأسدي إلى الحبشة، ومات هناك.

وعندما علم الرسول بارتداد زوجها وثباتها على الإسلام أرسل عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ليخطبها له، فزوجها إياه بصفته وكيلًا عن النبي ، فوكلت هي خالد بن سعيد بن العاص، ابن عم أبيها. وبعث بها النجاشي إلى المدينة مع شُرَحْبيل بن حَسَنَة، وكان مهرها وجهازها من عند النجاشي. [أحمد، جيد؛ أبو داود؛ النسائي؛ ابن هشام، حسن؛ ابن سعد].

وكان ذلك سنة سبع، وكان لها بضع وثلاثون سنة. ولدت لابن جحش ابنته حبيبة، قيل بالحبشة وقيل بمكة. [ابن سعد].

وللأستاذ محمد بن عبد الله العوشن بحث بعنوان: (تحقيق دعوى ردة عبيد الله ابن جحش)، نشـر بمجلة: البيان، العدد 182، السنة: (17)، شوال 1423هـ/ ديسمبر 2002م، صفحة 22-24، خلص فيه إلى عدم ثبوت قصة ردة عبيد الله ابن جحش، رواية ودراية، ومما قاله في هذا: (1- أنها لم ترو بسند صحيح متصل، فالموصول من طريق الواقدي - وهو متروك الحديث - والمرسل جاء عن عروة بن الزبير، ولا يمكن أن نحتج بالمرسل (عند من يرى الاحتجاج به) في مسألة كهذه عقدية؛ فيها الحكم على أحد الصحابة السابقين الأولين إلى الإسلام رضي الله عنهم بالردة). (2- أن الروايات الصحيحة في زواجه بأم حبيبة لم تذكر ردة زوجها السابق، كما في رواية أحمد، وأبي داود، والنسائي...).

وحكمة هذا الزواج لا تخفى على أحد يعلم ثبات أم حبيبة رضي الله عنها على دينها عندما فقدت زوجها بالحبشة، وموقف والدها من الدعوة الإسلامية وقيادته لكل حروب قريش ضد المسلمين ما عدا غزوة بدر، لأنه كان صاحب القافلة التي جعلها الله سببًا في تلك الغزوة. ففي زواجه منها مواساة لها في مصيبتها في زوجها وغربتها، وقطع الطريق أمام شماتة الأعداء، وفيه تخفيف من غلواء عداوة قومها بني أمية للإسلام ونبي الإسلام، وقد حرص الرسول على ذلك كما هو واضح من موقفة من أبي سفيان يوم فتح مكة وعند تقسيم غنائم حنين، وغيرها من المواقف، إلى أن هداهم الله عز وجل إلى الإسلام، فأصبحوا قوة وعزة ونصرة للإسلام في مستقبل أيامه.

11- صفية بنت حيي بن أخطب النضيرية رضي الله عنها:

عندما افتتح المسلمون خيبر، سبيت النساء، منهن صفية، فاصطفيت للرسول بعد أن وقعت في سهم دِحْيَة، فعتقها رسول الله وتزوجها. [متفق عليه]. ودخل عليها في طريق العودة إلى المدينة، وتطوع لحراسته في تلك الليلة أبو أيوب الأنصاري، خوفًا منه على الرسول أن تغدر به. [ابن سعد]، ولكن اتضح أنه لم يكن في قلبها يومذاك أي حقد على الرسول ، لأنها آمنت بالرسول من أول وهلة، يوم اصطفاها له أصحابه يوم خيبر، أو يوم اشتراها من دحية. ومن أدلة ذلك أن الرسول عندما أراد أن يدخل عليها وهم على بعد ستة أميال من خيبر، أبت عليه، وعندما وصل إلى الصَّهْبَاء، على بعد بريد من خيبر، وافقت، فسألها عن سبب الامتناع في المرة الأولى، فقالت: خشيت عليك من قرب اليهود، فزادها ذلك عنده محبة. [نفسه]. وقال لها الرسول : «لم يزل أبوك من أشد يهود لي عداوة حتى قتله الله»، فقالت: «يا رسول الله، إن الله يقول في كتابه العزيز: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ »، فقال لها رسول الله : «اختاري، فإن اخترت الإسلام أمسكتك لنفسـي، وإن اخترت اليهودية فعسى أن أعتقك فتلحقي بقومك»، فقالت: يا رسول الله، لقد هويت الإسلام وصدقت بك قبل أن تدعوني، حيث صرت إلى رحلك، وما لي في اليهودية أَرَبٌ، وما لي فيها والد ولا أخ، وخيرتني الكفر والإسلام، فالله ورسوله أحب إلي من العتق وأن أرجع إلى قومي». فأمسكها رسول الله لنفسه زوجة.

كانت أمها إحدى نساء بني قينقاع، فتزوجها سَلَّام بن مِشْكَم النضيري، ثم فارقها فتزوجها كِنانة بن أبي الحقيق، فقتل يوم خيبر. ولم يسمع النبي ذاكرًا أباها بحرف مما تكره.

لقد كان في زواج الرسول منها ذات الحكمة من زواجه من جويرية رضي الله عنها. فهي ابنة زعيم من زعماء اليهود، مات هو وزوجها وأخوها في صراعهم ضد الرسول ، فكان لابد من إكرامها لمكانها عند اليهود.

ودل هذا الزواج على أن تهمة العنصـرية ضد اليهودية لم تكن واردة في قاموس الرسول السياسي والاجتماعي، وليفهم اليهود أن قضيتهم مع الرسول والمسلمين ليست قضية عنصرية كما أشاعوا.

عاشت صفية رضي الله عنها في بيت النبوة معززة مكرمة. وكان الرسول يلقنها الحجج عندما يقع بينها وبين بعض بقية نسائه ما يقع بين الضـرائر. فقد أخرج الترمذي. [صحيح] من طريق أنس، قال: بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي وهي تبكي، فقال: «ما يبكيك؟» قالت: قالت لي حفصة إني ابنة يهودي، فقال النبي : «وإنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك»، ثم قال: «اتقي الله يا حفصة».

وهجر الرسول زينب بنت جحش ثلاثة شهور، لأنها عيرت صفية باليهودية. ولما رفع الرسول عنها الهجران أهدته جارية لها فرحًا بهذا العفو وندمًا على تلك الزلة. [أحمد، جيد]. وكان ذلك في حجة الوداع كما يفهم من سياق القصة في هذا الحديث الصحيح وفي غيره من الأحاديث.

12- ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها:

تكلمنا عن قصة زواجها عند الحديث عن عمرة القضاء. وما يمكن إضافته هنا هو أن مما رغب الرسول في الزواج منها ما عرفه عنها من الصلاح والتقوى، فقد قالت عائشة عنها: «... أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم». [ابن سعد، صحيح]. وقال رسول الله عنها وعن أخواتها: «الأخوات مؤمنات ميمونة وأم الفضل وأسماء». [الإصابة؛ ابن سعد، صحيح].

وكان عمه العباس حريصًا على أن يقترن الرسول بها، فقد قال له: «يا رسول الله، تأيمت ميمونة بنت الحارث.. هل لك في أن تتزوجها؟». [الاستيعاب، مرسلًا] ولا شك أن العباس رضي الله عنه كان من أعرف الناس بها، لأنها أخت زوجه أم الفضل.

وامرأة هذا شأنها لجديرة بأن يضمها الرسول إلى بيت النبوة مواساة لها في فقدها زوجها واعترافًا منه بفضلها وتحبيبًا لقومها في الإسلام.

13- السراري:

لم يتسر رسول الله بغير مارية القبطية، أم ولده إبراهيم، وجارية أخرى أصابها في بعض السبي [البداية؛ أحمد؛ الزاد]، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش [أحمد، جيد]، وريحانة بنت زيد التي اختلف في أمرها، والراجح أنه كان يطؤها بملك اليمين، وروي أن الرسول قال عن مارية عندما ولدت له إبراهيم: «أعتقها ولدها». [البداية، يعتضد].

ولو أراد الرسول أن تكون له عشرات الجواري والسراري لما انتقص ذلك من حقه في مجتمع كان لا يرى بأسًا من التعدد في الزوجات واتخاذ السراري متى ما تيسر له ذلك ماديًا وجسديًا، وما سمعنا أن اليهود والنصارى قد جعلوا من كثرة زوجات وسراري سليمان . [البخاري، ومسلم] قضية كما فعلوا مع تعدد الزوجات عند الرسول .. ولا شك أن الغرض الباطل هو المحرك لهذه القضية في زماننا هذا...

حكمة هذا التعدد:

وخلاصة القول: إن أمهات المؤمنين اللائي توفي عنهن رسول الله كن معلمات ومفتيات لنساء الأمة الإسلامية ورجالها في القضايا النسائية والأحكام الشـرعية والآداب الزوجية والحكم النبوية، وكن قدوة صالحة في الخير والبر والإحسان، كما كان الرسول المثل الأعلى في حسن الخلق وطيب العشـرة مع نسائه. فقد عاشرهن بالمعروف، وعدل بينهن وعلمهن الأحكام الشرعية الخاصة بالنساء. وسياسة النبي في تعدد الزوجات هي السياسة الرشيدة التي اقتضتها ظروف الدعوة الإسلامية في ذلك الوقت، ومن الصعب أن تقوم زوجة واحدة بمهام تبليغ تلك الأحكام إلى الناس». [الصواف: زوجات النبي ].

ولم يكن هناك ما يغريهن بالبقاء في بيت الرسول سوى هذه المهمة الجليلة، لأن الأخبار قد تواترت لتقطع بأن زوجات الرسول كن يعشن في شظف من العيش إلى الحد الذي طالبنه فيه بزيادة النفقة عليهن، فخيرهن الرسول بين الطلاق وبين قبول هذه المعيشة الصعبة معه. [متفق عليه]، وذلك في قصة طويلة وثابتة بنص القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴿ ٢٨ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿ ٢٩ [الأحزاب:28-29].

ويلحظ أن من بين زوجات الرسول ، الصغيرة التي ما تزال تلعب مع أترابها بلعب الأطفال، والمسنة، وابنة عدو لدود، وابنة صديق حميم، ومنهن من كانت تشغل نفسها بتربية الأيتام، ومنهن من تميزت على غيرها بكثرة الصيام والقيام... إنهن نماذج لأفراد الإنسانية، ومن خلالهن قدم رسول الله للمسلمين تشـريعًا فريدًا في كيفية التعامل السليم مع كل نموذج من هذه النماذج البشرية.

وعندما انتقل الرسول إلى المدينة لم يكن أمر العداء قاصرًا على قريش، بل تعداها إلى غيرها من قبائل العرب، فاقتضت الحكمة أن يجمد الرسول بعض أطراف هذا العداء، وذلك بالإصهار إلى قبائل شتى، لأن أعراف العرب كانت تقضي بأن يحمي أهل المرأة زوج امرأتهم، كما تفيد ذلك لغتهم، إذ يسمون أنفسهم بالأحماء - من الحماية -.

ولما كانت هذه المصلحة يمكن أن تستغل استغلالًا سيئًا، نظرًا لأن الأمور الجنسية تتبعها النفوس اللاهثة، فقد جعل الله تعالى ذلك التعدد بتلك الكيفية خاصًا برسول الله ، وحدد عدد الزوجات لغيره بأربع زوجات كحد أقصى. [رواس: قراءة جديد للسيرة].

وتجدر الإشارة هنا أيضًا إلى أن من دلائل سمو أهداف تعدد زوجات الرسول ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله خطب امرأة من قومه يقال لها سودة، فاعتذرت [وهي غير سودة بنت زمعة أم المؤمنين، لم يعرف نسبها، ولذلك ترجمها الحافظ في الإصابة (4/ 339) باسم سودة القرشية]، وكانت مُصْبِيَة، لها خمسة صبية أو ستة، من بعل لها مات، فقال رسول الله عندما اعتذرت: «ما يمنعك مني؟»، قالت: والله يا نبي الله، ما يمنعني منك أن لا تكون أحبَّ البَرِيَّة إليَّ، ولكني أكرمك أن يَضْغُوَ هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية، قال: «فهل منعك مني غير ذلك؟» قالت: لا والله، قال لها رسول الله : «يَرْحَمُكِ الله، إن خير نساء ركبن أعجاز الإبل صَالِحُ نساء قريش، أحناه على ولد في صِغَرٍ، وأرعاه على بَعْلٍ بذات يد». [أحمد، حسن] وقال ابن حجر. [الفتح] بعد سياقه هذا الحديث: (وأصله في البخاري من وجه آخر، لكن لم يسمها). وأشار كذلك إلى أصله عند مسلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة