الفصل الثامن والعشرون: بعض شمائل الرسول ﷺ
لقد تميز الرسول ﷺ بصفات خَلْقِيَّة وخُلُقية كثيرة. وأريد هنا أن أقف عند بعض صفاته الأخلاقية أو الخُلُقية بصفة خاصة وذلك لحاجة الناس الماسة إليها في كل زمان ومكان، لمعرفة هذه الصفات والاقتداء بها.
ولما كانت صفات الرسول ﷺ الأخلاقية انعكاسًا لما في قلب الرسول ﷺ من قيم ومبادئ، كان لابد لكل مسلم أن يعلم بها، ويتحلَّى بمحاسنه.
ومن أبرز هذه الصفات الخُلُقية أو الشمائل:
قال أنس رضي الله عنه، خادم النبي ﷺ: «إن النبي ﷺ لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف». [الترمذي: شمائل؛ أحمد؛ ابن حبان، والأسانيد صحيحة]، وفي رواية عن مالك بن دينار رضي الله عنه، قال: «ما شبع رسول الله ﷺ من خبز قط ولا لحم إلا على ضفف». [الترمذي: الشمائل، صحيح].
وقالت عائشة رضي الله عنها: «ما شبع آل محمد من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله ﷺ». [مسلم؛ أبو الشيخ، مرسلًا صحيحًا]. وفي رواية أخرى عنها: «ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة، من طعام بر ثلاث ليالٍ تباعًا حتى قبض». [متفق عليه].
وهناك روايات أخرى عند مسلم وأبي الشيخ [أخلاق النبي] بهذا المعنى. [وضفف: الضيوف].
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاويًا هو وأهله، لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير». [الترمذي: الشمائل، صحيح]. وذكرت عائشة رضي الله عنها أنه كان يأتيها، فيقول: «أعندك غداء؟» فتقول: لا، فيقول: «إني صائم...» [مسلم 1145].
قالت عائشة رضي الله عنها: «إنما كان فراش الرسول ﷺ الذي ينام عليه، أدَمًا. [الجلد المدبوغ] حَشْوُهُ لِيف». [متفق عليه].
قال رسول الله ﷺ: «لا تُطْرُونِي كما أَطْرَتِ النصارى ابنَ مريم، إنما أنا عَبْدٌ، فقولوا عَبْدُ اللهِ ورسُولُه». [البخاري].
وعن أنس رضي الله عنه أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة)، فقال: «يا أم فلان، انظري أي السِّكَكِ شئت، حتى أَقْضِيَ لك حاجتك»، فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها. [مسلم؛ الترمذي: الشمائل]. وكانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت. [البخاري].
وكان يدعى إلى خبز الشعير والإِهَالة السَّنِخَة فيجيب. [البخاري؛ الترمذي: الشمائل]. وقال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ ذراع أو كُرَاع لقبلت». [البخاري؛ الترمذي: الشمائل].
وكان يشرب من القربة البالية. قالت أم المؤمنين سودة رضي الله عنها: «ماتت لنا شاة فدبغنا مَسْكَهَا - أي جلدها - ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صار شيئًا - أي باليًا -». [البخاري 6686].
ومع أنه لم يكن شخص أحب إلى الصحابة رضي الله عنهم من رسول الله ﷺ، إلا أنهم كانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهته لذلك. [الترمذي: الشمائل، صحيح؛ الأدب المفرد، صحيح؛ أبو الشيخ، صحيح].
وقال ﷺ في الثناء على التواضع وذم الاستكبار: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كُلُّ عُتُلٍ جَوَّاظ مستكبر». [البخاري]. وقال: «... وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». [مسلم]. والكبرياء من صفات الله عز وجل، لذا حرم ذلك على المؤمنين. وقال ﷺ في هذا: «... العِزُّ إِزَارُهُ، والكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ - أي الله عز وجل - فمن يُنَازِعُنِيْ عَذَّبْتُهُ». [نفسه].
وكان ﷺ لا يستكبر عن خدمة أهله. [البخاري].
كان رسول الله ﷺ يقبل بوجهه وحديثه على أَشَرِّ القوم، يَتَأَلَّفُهُم بذلك. [الترمذي: الشمائل، حسن]. «خدمه أنس بن مالك رضي الله عنه نحو عشر سنين، فما قال له أُفٍّ قط، وما قال له لشـيء صنعه: لِمَ صنعته، ولا لشـيء تركه لِمَ تركته؟». [متفق عليه؛ الترمذي: الشمائل، صحيح].
«وما كان فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صَخَّابًا في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح». [الترمذي: السنن الشمائل، صحيح؛ أبو الشيخ، صحيح]. ويقول: «خياركم أحسنكم أخلاقًا». [البخاري].
وقال لعائشة رضي الله عنها: «إن شر الناس من تركه الناس - أَوْ وَدَعَهُ الناس - اتقاء فحشه». [متفق عليه].
ونهى عن اللعن، فقال: «لا ينبغي لِصِدِّيقٍ أن يكون لَعَّانًا». [مسلم]. وقال: «ولا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة». [مسلم]. وعندما قيل له: ادع على المشركين، قال: «إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة». [مسلم].
أما من لعنه الرسول ﷺ أو سبه أو دعا عليه، وليس هو أهلا لذلك، كان ذلك له زكاة وأجرا ورحمة؛ لأن الرسول ﷺ شارط ربه على ذلك كما في الحديث: «اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرًا» [مسلم: 26200-2604].
وما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط، حتى تنتهك حرمات الله، فينتقم الله.. [البخاري 6786].
وما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله.. [مسلم: 2328].
وما سئل رسول الله ﷺ قط فقال: «لا». [مسلم 2311].
وقال أنس رضي الله عنه: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقًا، وكان لي أخ يقال له أبو عُمَيْر، وكان إذا جاء قال: «يا أبا عمير، ما فعل النُّغَيْرُ؟» نُغَرٌ كان يلعب به.. [بخ 6203] [والنغر: طائر يشبه العصفور، أحمر المنقار]. فمات فدخل عليه النبي ﷺ يوما، فوجد حزينًا لموته، فقال ما قال. [البيهقي: السنن الكبرى].
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كان رسول الله ﷺ أَحْسَنَ الناس، وكان أَشْجَعَ الناس، ولقد فَزِعَ أهلُ المدينة ذَاتَ ليلةٍ، فانْطَلَقَ ناسٌ قِبَلَ الصوت، فالتقاهم رسول الله ﷺ راجعًا، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ، في عنقه السيف، وهو يقول: «لم تُرَاعُوا لم تُرَاعُوا».
وقال عن الفرس: «وجدناه بحرًا، أو: إنه لبحر». قال الراوي: وكان فرسًا يُبَطَّأُ. [متفق عليه].
وقال علي رضي الله عنه: «لما حضر البَأُسُ يوم بدر اتقينا برسول الله ﷺ، وكان من أشد الناس ما كان، أوَلم يكن أحد أقرب إلى المشـركين منه». وعنه من طريق ثانٍ، قال: «رَأَيْتُنَا يَوْمَ بدر ونَحْنُ نَلُوذُ برسول الله ﷺ، وهو أَقْرَبُنَا إلى العدو، وكان من أَشَدِّ الناس بَأْسًا». [أحمد، صحيح].
وقد وقفت على موقفه يوم بدر وأُحد وحنين، حين امتحن الله المسلمين.
قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «كان ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه». [البخاري]. وقال ﷺ عن الحياء: «الحياء لا يأتي إلا بخير». [البخاري]. وروى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ مر على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي حتى كأنه يقول قد أضرَّ بك، فقال رسول الله ﷺ: «دعه فإن الحياء من الإيمان». [نفسه]. وقال ﷺ: «إن مما أَدْرَكَ الناسُ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت». [البخاري].
أما الحق فلم يكن الرسول ﷺ يستحي منه، لأن ذلك من التفقه في الدين. فقد روت أم سلمة رضي الله عنها أن أم سليم رضي الله عنها جاءت إلى الرسول ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟، فقال: «نعم، إذا رأت الماء». [نفسه].
قال رسول الله ﷺ: «يسّروا ولا تعسّروا، وسكنوا ولا تنفروا». [بخ 6125]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أَعْرَابيًا بَالَ في المسجد، فَثَارَ إليه الناس لِيَقَعُوا به، فقال لهم رسول الله ﷺ: «دعوه، وَأَهْرِيْقُوا على بوله ذَنُوْبًا من ماء - أو سَجْلًا من ماء - فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». [البخاري: 6121].
وقال في الرفق: «من يحرم الرفق يحرم الخير» [م2592]، وقال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه». [م 2592]. وقال: «وإن الرفق لا يكون في شيء إلا زَانَهُ، ولا يُنْزَعُ من شيء إلا شَانَهُ». [مسلم: 2594].
إن من أوصاف المؤمنين وسجاياهم الصفح والعفو عن الناس وعدم الانتقام عند الغضب، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴿ ٣٧ ﴾ ﴾ [الشورى:37]، ويقول الرسول ﷺ «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». [البخاري: 6114، مسلم: 2609]. وعندما قال رجل للنبي ﷺ: «أوصني» قال: «لا تغضب»، ورددها مرارًا. [البخاري: 6116].
كان مما يحبه ﷺ هاتان الصفتان، وقد قال لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم، والأناة». [مسلم: 17-18].
قال ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». [البخاري: 6014، 2624- 2625].
وقال لأبي ذر رضي الله عنه: «يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك». [مسلم: 2625]. وفي رواية: «... ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف». [نفسه]. وقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره». [البخاري: 6018]، وفي رواية: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره..». [ابن ماجه.. صحيح].
عن أنس رضي الله عنه «أن النبي ﷺ أخذ ولده إبراهيم فقبله وشمه». وذلك عندما زاره، وهو مُسْتَرْضَعٌ عند ظِئْرِهِ أبي سَيْفٍ. [متفق عليه]. وأخبر الرسول ﷺ: «أن الله جعل الجنة لمن يموت وله ثلاث من الولد لم يبلغوا الحِنْثَ، بفضل رحمته إياهم». [البخاري].
وكانت تفيض عيناه لموتهم، وقد سَألهُ مرة سعد بن عبادة: «يا رسول الله ما هذا؟» فقال ﷺ: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء». [البخاري]. وعندما ذرفت عيناه لوفاة ابنه إبراهيم، قال له عبد الرحمن بن عوف: «وأنت يا رسول الله؟، فقال: «يا ابن عوف، إنها رحمة لمن اتبعها بأخرى»، وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون». [البخاري].
وخرج ذات يوم على الصحابة رضي الله عنهم وأُمَامَةُ بنت ابن الربيع، ابنة ابنته زينب رضي الله عنها، على عاتقه، فصلى، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها. [نفسه].
وَقَبَّلَ الحسن بن علي وعنده الأَقْرَعُ بن حَابِسٍ، فقال الأقرع: إن لي عشـرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ، ثم قال: «من لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ». [نفسه].
وجاء أعرابي فقال: «أتقبِّلون الصبيان؟ فما نقبلهم»، فقال النبي ﷺ: «أَوَ أَمْلِكُ لك أن نَزَعَ الله من قلبك الرحمة». [نفسه].
عندما اشتكى سعد بن عبادة رضي الله عنه ذات مرة، عاده فوجده في غشاية أهله، فقال: «قد قضى؟، قالوا: لا يا رسول الله»، فبكى النبي ﷺ، فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا، فقال: «إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم». [البخاري].
شبه النبي ﷺ النساء بالقوارير، إشارة إلى ما فيهن من الصفاء والنعومة والرقة، وإلى ضعفهن وقلة تحملهن، ولذا فإنهن بحاجة إلى الرحمة والرفق. وله توجيهات كثيرة ومواقف عملية في هذا المجال. ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
1- كان رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وكانت معه نساء منهن أم سُلَيْم، وغلام أسود يقال له أَنْجَشَة يحدو، فقال له النبي ﷺ: «يا أنجشة رُوَيْدَكَ، سَوْقًا بالقَوَارِير». [البخاري].
2- وقد عثرت ناقته ذات يوم، ومعه عليها زوجته صفية رضي الله عنها، فطرحتها على الأرض، فلحق بهما أبو طلحة رضي الله عنه، فقال له النبي ﷺ: «عليك بالمرأة». [البخاري].
3- روى أنس أن النبي ﷺ قال: «من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو»، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. [مسلم].
4- وقال عليه الصلاة والسلام: «من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن، كن له سِتْرًا من النار». [متفق عليه].
5- وكان عليه الصلاة والسلام يحب بناته حبًا جمًا. فقد روي أن ابنته فاطمة كانت عندما تأتيه يقوم لها، ويأخذ بيدها ويقبلها ويجلسها في مكانه الذي كان يجلس فيه. [أبو داود].
6- وقال: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه». [متفق عليه].
كان ﷺ: كثيرًا ما يوصي بالزوجات خيرًا، ويقول: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي، وما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم». [أبو عسكر، والترمذي، وابن ماجه، على شرط الشيخين]. وأوصى بهن خيرًا في حجة الوداع، كما ذكرنا ذلك في مكانه. وقال: «حبب إليَّ من الدنيا الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة». [الحاكم، صحيح، وأحمد، حسن] دلائل شدة احترامه وحبه لزوجته خديجة رضي الله عنها، إن كان ليذبح الشاة، ثم يهديها إلى خلائلها. [صديقاتها] وذلك بعد مماتها. وقد أقرت عائشة رضي الله عنها بأنها كانت تغار من هذا المسلك منه. [بخاري: 3821].
وقد روى أنه وضع ركبته لتضع عليها زوجه صفية رضي الله عنها رجلها حتى تركب على بعيرها.. [بخاري: 4211].
وأوصى ﷺ بالمرأة الزوجة، فقال: «استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا». [البخاري: 5186، مسلم 1468]. وقال: «ألا واستوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنما هن عوان - أي أسيرات - عندكم..». [مسلم: 889، أحمد، صحيح لغيره مقطعًا، والترمذي، 1163، حسن صحيح، وأبو داود 1905]. وقال: «بم يضـرب أحدكم امرأته ضرب الفحل ثم لعله يعانقها؟»، وفي رواية: «... جلد العبد...». [البخاري: 6042].
وقال ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، خياركم خياركم لنسائهم».. [أحمد، حسن، والترمذي 1162، حسن صحيح]، وفي رواية: «إن من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله». [الترمذي: حسن صحيح، وأحمد، صحيح لغيره].
وقال: «إن من أعظم الأمور أجرًا النفقة على الأهل». [مسلم: 994، 995].
لقد بُعِثَ الرسول محمد ﷺ رحمة. [مسلم؛ المفرد] لكل العالمين: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴿ ١٠٧ ﴾ ﴾ [الأنبياء:107].
ويقول عن هذه الرحمة الإلهية المهداة إلى كل المخلوقات: «ولما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي». [البخاري]. وشملت رحمته ﷺ الضعفاء حتى وهو في السقيم والضعيف والكبير، «وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء»، وفي رواية: «إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز، فإن فيهم الضعيف والكبر وذا الحاجة». [البخاري: 704- 468].
وشملت رحمته الخدم والأرقاء. وأهل الذمة، وفي ذلك قال:
1- على المسلم أن يعامل خدمه أو موالاه كأخ له. فقد روى أبو ذر أن الرسول ﷺ قال: «هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم». [مسلم].
2- روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه ثم جاء به، وقد وَلِيَ حَرَّهُ ودُخَانَهُ، فليقعد معه، فليأكل، فإن كان الطعام قليلًا فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين». - أي لقمة أو لقمتين. [مسلم].
وحث على كفالة الأيتام لضعفهم وحاجتهم للرعاية، فقال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة، هكذا، وقال - أي أشار - بأصبعه السبابة والوسطى». [البخاري].
وحث على إعالة الأرامل والمساكين، فقال: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل». [البخاري]. وقال: «اللهم إني أحرِّج - أي ألحق والحرج والأثم - بمن ضيع حق الضعفين: اليتيم، والمرأة». [أحمد، حسن]. وقال: «ابغوني الضعفاء، فإنما تنصـرون وترزقون بضعفائكم». [أبو داود؛ أحمد، صحيح].
وشملت رحمته حتى البهائم، قال: «ما من مسلم غرس غرسًا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان صدقة». [البخاري]. وقال: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له» قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: «في كل ذات كبد رطبة أجر». [البخاري].
16- رحمته ﷺ بالأعداء في الحرب والسلم:
كان الرسول ﷺ يصلي الفجر مع المسلمين في الحديبية، فنزل سبعون أو ثمانون رجلًا من التنعيم يريدون الفتك بالمسلمين، فأخذوا، فأعتقهم رسول الله ﷺ دون عوض، ولا عقاب. [أحمد، صحيح].
وقد قبل الفداء من أسرى بدر، وعفا عن قريش وأهل مكة، يوم فتح مكة، وأطلق سراح أسرى حنين.. [سبق ذكره].
وعفا عن غَورث بن الحارث مع محاولته قتل الرسول ﷺ، فجاء غورث إلى قومه بعد هذا، فقال لهم: جئتكم من عند خير الناس. [سبق ذكره].
روى البخاري [1312] أنه مر عليه بجنازة، فقام لها، فقالوا يا رسول الله ﷺ: إنها جنازة يهودي!! فقال: «أليست نفسًا منفوسة؟» ونهى ﷺ عن قتل النساء والصبيان والأجير، ماداموا غير مشاركين في قتال المسلمين. [سبق ذكره]. فكان بعثا أو جيشًا أوصاهم قائلًا: «لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا». [مسلم: 1731].
وكان له خادم يهودي، فكان إذا مرض عاده، فعاده مرة، فعرض عليه الإسلام، وأبوه حاضر، فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، فقال الرسول ﷺ: «الحمد لله الذي أنقذه من النار». [البخاري].
ذكرنا من قبل بمناسبة الكلام عن غزوة الفتح أن الرسول ﷺ رفض شفاعة أسامة بن زيد رضي الله عنه في المرأة المخزومية التي سرقت، وأهم أمرَها قريشًا، وقال: «والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
لقد أخبر الرسول ﷺ أصحابه بأن من أحب الأعمال إلى الله تعالى بر الوالدين. [البخاري].
قال له رجل من الصحابة: يا رسول الله: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك؟». [البخاري].
وقال رجل للنبي ﷺ: «أجاهد؟ قال: ألك أبوان؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد». [البخاري].
وجعل عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، قال لأصحابه: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالها ثلاثا»، فقال الصحابة: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين...». [البخاري]. وقال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات...». [البخاري]، وحث على صلة الوالدين المشركين والأقارب المشركين. [البخاري].
وقال رجل للنبي ﷺ: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم، ويجهلون عليَّ، فقال: «لئن كنت كما قلت، فإنما تسفهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك». [مسلم، والمل: الرماد الحار].
روي عن أنس أنه ﷺ كان عنده رجل به أثر صفرة - وكان ﷺ لا يكاد يواجه أحدًا بشيء يكرهه - فلما قام الرجل، قال النبي ﷺ للقوم: «لو قلتم له يدع هذه الصفرة». [أحمد، حسن، تر، د، صحيح]؛ لأن الصفرة من أثر طيب النساء، ويكره للرجل أن يتطيب بما له لون، بل يتطيب بما له رائحة فقط.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ، فقال: «ائذنوا له، فبئس رجل العشير، أو بئس رجل العشيرة، فلما دخل ألان له القول. قال: يا عائشة، إن شر الناس منزلة يوم القيامة من وَدَعَه - أو تركه - الناس اتقاء فحشه». [البخاري ومسلم].
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي ﷺ إذا بلغه عن رجل شيء لم يقل ما بال يقول كذا وكذا، ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا». [أبو داود، صحيح].
20- عدم ذكره عيب الطعام واستحبابه مدحه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه، تركه». [البخاري].
وعن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ سأل أهله إدامًا، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به، فجعل يأكل، ويقول: «نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل». [مسلم].
21- من جامع صفاته وإرشاداته ﷺ:
روي عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن سلام رضي الله عنهم أنهما قالا: «والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ [الأحزاب:45]، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه لله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا». [البخاري].
وكان ﷺ لا يحب أن يمدح بما فيه انتقاص لغيره من الأنبياء، ويقول: «ولا تخيروا بين الأنبياء». [البخاري، مسلم].
وكان يحث على الصبر والشكر، وفي ذلك يقول: «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه». [البخاري].
وجعل مقياس القوة تملك أو ضبط النفس عند الغضب. [البخاري]. وكان ينهي عن سيء الخلق، وفي ذلك يقول: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا».. [البخاري].
وفي وصف جوامع خُلقه وَخَلقه نورد جزءاً من الحديث الذي رواه الترمذي في الشمائل[1] عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: سألت خالي هند بن أبي هالة[2]، وكان وصافاً، عن حلية النبي ﷺ، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئاً أتعلق به، فقال: «كان رسول الله ﷺ فخماً مفخماً، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رَجْلَ الشعر، إن انفرقت عقيقته[3] فَرقَها، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج[4] الحواجب سوابغ في غير قرن[5]، بينهما عرق يدرُّه الغضب[6]، أقنى العِرْنَين[7]، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم[8]، مفلج الأسنان[9]، دقيق المسـرُبة[10]، كأن عنقه جيد دُمية، في صفاء الفضة[11]، معتدل الخلق، بادن متماسك[12]، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس[13]، أنور المتجرد[14]، موصول ما بين اللَّبَّةِ[15] والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن ما سوى ذلك، أَشْعَرَ الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزِّنْدَيْنِ، رَحْبَ الراحة، سَبْط القصَب، ششن الكفين والقدمين، [أي غليظهما] سائل الأطراف، أو قال: شائل الأطراف[16]، خُمصان الأَخْمَصَين[17]، مَسِيحَ[18] القدمين ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعاً يخطو تكفيا[19] ويمشي هوناً، ذريع[20] المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه[21]، ويبدر[22] من لقي بالسلام». [وسبط القصب: السبط الممتد في استواء، يوصف به الشعر والأعضاء والجلد، والقصب: مفردها قصبة، وفي كل عظم أجوف مخ].
ومن الأحاديث الجامعة في وصفه ﷺ حديث ام معبد الخزاعية، الذي سبقت الإشارة إليه في أخبار الهجرة إلى المدينة المنور، فعندما طلب أبو معبد من أم الخزاعية أن تصف له الرسول ﷺ، قالت: «رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة أبلج[23] الوجه لم تَعِبْه ثُجْلَه[24]، ولم تُزْر به صَقْلَة[25]، وسيم قسيم[26]، في عينيه دعج[27]، وفي أشفاره وطف[28]، وفي صوته صَهَل[29]، وفي عنقه سطع[30]، وفي لحيته كثاثة، أزجٌ أقرن[31]، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصلٌ لا نَزْرٌ ولا هَذَرٌ[32]، كأن منطقه خرزات نظم يَتَحَدَّرْنَ[33]، رَبَعَة[34]، لا يأس[35] من طول، ولا تقتحمه عين من قصر. غصن بين غصنين. فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً. له رفقاء يَحُفُّون به، إن قال أنصتوا، وإن أمر تبادروا لأمره. محشود[36] محفود[37]، لا عابس، ولا مُفَنَّد...»[38].
وخلاصة القول: إن النبي ﷺ قد اتصف بصفات الكمال، ولا غرو فقد أدبه ربه فأحسن تأديبه، وخاطبه بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴿ ٤ ﴾ ﴾ [القلم:4]. وقالت عائشة رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن». [مسلم، وغيره].
ومن أرادأن يقف على أكبر قدر من القيم التربوية في السيرة النبوية فليقرأ موسوعة: (نظرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم(، في (12) مجلدًا ، الأخير في الفهارس، ومعظم المجلد الأول في أحداث السيرة النبوية العطرة.