حجم الخط:

محتوى الدرس (9)

الركن الثالث من أركان الإيمان: الإيمان بكتب الله تعالى التي أنزلها على أنبيائه ورسله.

والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:

الأمر الأول: الإيمان بأنه تعالى أنزل إلى كل نبي ورسول كتاباً:

كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: 25]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا إلى قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [البقرة: 136]، والإيمان بأن هذه الكتب كلها كلام الله تعالى[1]، تكلم بها الباري جل وعلا حقيقة، كما شاء، وعلى الوجه الذي أراد، فمنها المسموع منه من وراء حجاب، بدون واسطة، ومنها ما يسمعه منه الرسول الملكي، ويأمره بتبليغه إلى الرسول البشري، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: 51].

الأمر الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه من كتب الله تعالى:

التي أنزلها على رسله باسمه، كالقرآن الذي أنزل على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكالتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام، والإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام، والزبور الذي أنزل على داود عليه السلام، وصحف إبراهيم - عليه السلام –[2]، أما ما لم نعلم اسمه من كتب الله تعالى فنؤمن به على وجه الإجمال[3]، فنؤمن أن الله تعالى أنزل إلى كل رسول كتاباً، كما سبق في الأمر الأول.

الأمر الثالث: يجب أن نصدق بأن كل ما ثبت أنه من كلام الله تعالى الذي أنزله في كتبه حق:

وأن جميع ما هو موجود الآن من كتب الله تعالى السابقة للقرآن قد دخلها التحريف والتغيير، لأن الله تعالى لم يتكفل بحفظها من ذلك، وقد أخبرنا جل وعلا أن بعض من سبقنا غيروا كتبهم وحرفوها، كما قال تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة: 79] أما القرآن الكريم، فإن الله تعالى حفظه من أي تحريف أو تبديل، كما قال جل وعلا: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9].

الأمر الرابع: يـجب على كـل أمة أن تـعمـل بـالـكتـاب الــذي أنـزلـه الله إليها:

ومن ذلك أنه يجب على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تعمل بهذا القرآن العظيم، كما أنه بعد نزول هذا القرآن العظيم نسخ جميع ما في الكتب السابقة، فيجب على أتباع الديانات السماوية السابقة بعد نزوله أن يعملوا بما فيه، كما قال جل وعلا: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿ ١٥٦ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ ١٥٧ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿ ١٥٨ [الأعراف: 156-158]، فلا يجوز لأحد من العالمين بعد نزول هذا القرآن الكريم أن يعمل بشيء من كتب الله تعالى سوى هذا القرآن العظيم، فمن عمل بشيء منها فعمله باطل وضـلال، لأنه عمل بكتاب مبدل ومنسوخ [4].

الركن الرابع من أركان الإيمان: الإيمان برسل الله تعالى وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام [5]:

وهو يتضمن ثلاثة أمور:

الأمر الأول: الإيمان بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولاً:

يدعوهم إلى التوحيد، وينهاهم عن الشرك، أولهم نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأنهم بشر أرسلهم الله تعالى رحمة للعالمين، ولإقامة الحجة عليهم، وأنهم صادقون فيما بلغوا عن الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36]، وكما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [6] إلى قوله تعالى: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 163-165].

الأمر الثاني: الإيمان بمن ذكرت لنا أسماؤهم من رسل الله وأنبيائه باسمه:

كأولي العزم من الرسل[7]، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وكإدريس، ويونس، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحي، وغيرهم صلواة الله وسلامه عليهم، ومن لم يذكر اسمه منهم نؤمن بهم على وجه الإجمال، فنؤمن بأن لله أنبياء ورسلاً سوى من ذكرت لنا أسماؤهم[8]، كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ [غافر: 78]، وقد جاء في حديث صحيح: أن عدد رسل ربي عز وجل وتعالى وتقدس: ثلاثمائة وخمسة عشر رسولا[9].

الأمر الثالث: أن عقيدة رسل الله تعالى واحدة، أما شرائعهم فمختلفة في تفصيلات أحكامها:

كما قال تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: 48].

ويجب على جميع أهل الأرض إنسهم وجنهم بعد بعثة خاتم المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم، أن يتبعوا شريعته، التي بعثه الله تعالى وتقدس بها إليهم، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: 158]، كما أنه يجب على كل أمة اتباع نبيها، إلا أنه بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم نسخت جميع الشرائع السابقة، فيجب على جميع العالمين بعد بعثته صلى الله عليه وسلم أن يتبعوه، ويتركوا الشريعة السابقة التي بعث بها نبي قبله؛ للآية السابقة، ولقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85]، ولما سبق ذكره عند الكلام على الكتب، ولما روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة [10] يهودي ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار»[11].