الأمر الخامس: ما يكون في يوم القيامة من حساب، وغيره:
وهذا يشمل أموراً كثيرة، أهمها:
1- الميزان، ووزن الأعمال فيه[1]:
كما قال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]، وكما قال جل شأنه: ﴿ الْقَارِعَةُ ﴿ ١ ﴾ مَا الْقَارِعَةُ ﴿ ٢ ﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴿ ٣ ﴾ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴿ ٤ ﴾ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴿ ٥ ﴾ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴿ ٦ ﴾ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴿ ٧ ﴾ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴿ ٨ ﴾ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴿ ٩ ﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ﴿ ١٠ ﴾ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴿ ١١ ﴾ ﴾ [القارعة][2].
2- إعطاء الكتب باليمين أو الشمال:
وعرض أعمال المؤمنين عليهم، ومناقشة الكفار والعصاة في أعمالهم.
قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴿ ١٨ ﴾ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴿ ١٩ ﴾ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴿ ٢٠ ﴾ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴿ ٢١ ﴾ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴿ ٢٢ ﴾ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴿ ٢٣ ﴾ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴿ ٢٤ ﴾ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ﴿ ٢٥ ﴾ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ﴿ ٢٦ ﴾ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ﴿ ٢٧ ﴾ مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ ﴿ ٢٨ ﴾ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴿ ٢٩ ﴾ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴿ ٣٠ ﴾ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴿ ٣١ ﴾ ﴾ [الحاقة: 18-31] [3]، وقال جل وعلا: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ﴿ ١٣ ﴾ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴿ ١٤ ﴾ ﴾ [الإسراء: 13، 14]، وقال تعالى: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49]، وروى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- مرفوعاً: «ما منكم أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة» [4].
فالمؤمن ومن غفر الله له ذنوبه تعرض أعماله عليه، ولا يناقش فيها[5]، أما من لم يغفر الله له ذنوبه، فإنه يناقش في أعماله، ويقرَّع، ويؤنب، ويعاتب على فعلها[6]، ومنهم من يفضح بذكرها بين الخلائق في ذلك الموقف العظيم[7]، ومن ينكر منهم شيئاً من أعماله، شهد عليه بها رب العالمين، والملائكة الذين يكتبون أعماله[8]، ومنهم من تشهد عليه جوارحه التي عملت تلك المعاصي، كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النور: 24]، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يس: 65]، وكما قال جل وعلا: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿ ١٩ ﴾ حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿ ٢٠ ﴾ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ ٢١ ﴾ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴿ ٢٢ ﴾ ﴾ [فصلت: 19-22].
3- الشفاعة.
ففي موقف القيـامة يأذن الله تعـالى للقرآن، وللأنبياء، وللمـلائكة، وللشهداء، وللمؤمنين، ولأطفالهم، أن يشفعوا لبعض الموحدين[9].
ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم شفاعات متعددة، منها ما خصه الله تعالى بها، ومنها ما يشاركه فيها غيره، وأهم هذه الشفاعات ما يلي:
الشفاعة الأولى، وهي الشفاعة العظمى، وهي أن الناس في موقف القيامة إذا طال وقوفهم وانتظارهم لفصل القضاء، يلجؤون إلى أنبياء الله تعالى، ليشفعوا لهم عند الله تعالى أن يريحهم من طول ذلك الموقف، فيعتذر منها آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، فيأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: «أنا لها، أنا لها»، فيسجد تحت العرش، ويحمد ربه، فيقال: «ارفع رأسك، وسل تعطـه، واشفـع تشفـع»، فيشفّعـه الله في أهل موقف القيامة أن يقضي بينهم.
الشفاعة الثانية: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة.
وهاتان الشفاعتان خاصتان به صلى الله عليه وسلم.
الشفاعة الثالثة: شفاعته صلى الله عليه وسلم فيمن استحق النار أن لا يدخلها.
الشفاعة الرابعة: شفاعته صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من الموحدين أن يخرج منها.
وهاتان الشفاعتان يشاركه فيها النبيون والملائكة والصدّيقون وغيرهم.
الشفاعة الخامسة: شفاعته صلى الله عليه وسلم في بعض الكفار من أهل النار أن يخفف عذابه، وهذه خاصة بأبي طالب وحده[10].
4- نعيم يوم القيامة، وعذابه.
فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين يظلهم الله تعالى في ظله في ذلك اليوم العظيم الذي مقداره خمسون ألف سنة[11].
وثبت في السنة أن العصاة يعذبون في ذلك اليوم، فقد روى مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل، قال: فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً»[12].
وجاء في بعض الأحاديث أن بعض العصاة يعذبون على معاصيهـم في ذلك اليوم [13].
5- القصاص بين الخلائق.
فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار، فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار»[14].
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى تقاد الشاة الجلحاء من الشاة القرناء»[15].
6- نصب الصراط على متن جهنم[16].
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – حديث القيامة الطويل، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلِّم، سلِّم»، قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: «دحض مزلة، فيه خطاطيف، وكلاليب، وحسك تكون بنجذ، فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون، كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم»[17]، وزاد مسلم في رواية: قال أبو سعيد: "بلغني أن الجسر أدق من الشعرة، وأحد من السيف"[18].
وقد ثبت في السنة أن الصراط أحد من السيف[19]، وثبت ذلك أيضاً عن ابن مسعود - رضي الله عنه - من قوله[20]، وله حكم الرفع؛ لأنه لا يقال بالرأي، وثبت في بعض الأحاديث أن الصراط أدق من الشعر[21].
7- رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا في موقف القيامة:
فيراه المؤمنون في موقف القيامة بعد دخول أصناف المشركين النار[22].
هذا وهناك أمور كثيرة أخرى تكون في موقف القيامة، يجب الإيمان بها، كتشقق السماء، وذوبانها[23]، وكقبض الجبار جل وعلا للأرض كلها، وطيه للسماوات بيمينه[24]، وكتبديل السموات والأرض[25]، وكجعل الجبال قطناً منفوشاً[26]، وكانتثار النجوم، وهو تساقطها، وكخسف القمر، وهو ذهاب ضوئه[27]، وكتسجير البحار، وهو أن توقد حتى تصير ناراً تضطرب، وكحوض النبي صلى الله عليه وسلم في عرصات القيامة، والذي يرده المؤمنون من هذه الأمة، ويصب فيه نهر الكوثر، والذي هو نهر من أنهار الجنة أعطاه الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم[28].
الأمر السادس مما يتضمنه الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالجنة والنار.
فيجب على المسلم أن يؤمن بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان وموجودتان الآن، وهذا مجمع عليه بين أهل السنة [29].
ويجب أن يؤمن بأن المؤمنين في الآخرة يدخلون الجنة، وأنهم يخلدون فيها، وأن عصاة الموحدين الذين توفاهم الله تعالى وهم مصرون على شيء من كبائر الذنوب أنهم في الآخرة تحت مشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عن ذنوبهم، وأدخلهم الجنة، خالدين فيها، وإن شاء أدخلهم النار، حتى يطهرهم من ذنوبهم[30]، فيعذبهم بقدر ذنوبهم[31]، ثم يدخلهم الجنة، خالدين فيها.
كما يجب الإيمان بأن جميع الكفار من مشركين ومنافقين وغيرهم – ويدخل في ذلك جميع من لم يدخل في الإسلام بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم من يهود ونصارى وغيرهم – يجب الإيمان بأن هؤلاء كلهم يدخلون النار، ويخلدون فيها.
ويجب الإيمان كذلك بأن الجنـة والنـار باقيتـان لا تفنيان أبدا[32]، لقوله تعالي: ﴿ ۞ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود: 108] أي غير مقطوع، ولقوله جل وعلا عن الكفار: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ [المائدة: 37]، ولقوله تعالى عنهم: ﴿ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 167] ولقوله سبحانه وتعالى: ﴿ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴿ ٧٥ ﴾ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ﴿ ٧٦ ﴾ ﴾ [الزخرف: 74 – 75].