الفصل الثاني توحيد الألوهية
تمهيد
توحيد الألوهية هو إفراد الله بالعبادة[1].
ويسمى باعتبار إضافته إلى الله تعالى بـ «توحيد الألوهية»، ويسمى باعتبار إضافته إلى الخلق بـ«توحيد العبادة»، و«توحيد العبودية»، و«توحيد الله بأفعال العباد»، و«توحيد العمل»، و«توحيد القصد»، و«توحيد الإرادة والطلب»، لأنه مبني على إخلاص القصد في جميع العبادات، بإرادة وجه الله تعالى[2].
وهذا التوحيد من أجله خلق الله الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿ ٥٦ ﴾ ﴾ [الذاريات: 56]، ومن أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴿ ٢٥ ﴾ ﴾ [الأنبياء: 25]، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، كما قال سبحانه ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ ﴾ [النحل: 36]، ومن أجله قامت الخصومة بين الأنبياء وأممهم، وبين أتباع الأنبياء من أهل التوحيد وبين أهل الشرك وأهل البدع والخرافات، ومن أجله جردت سيوف الجهاد في سبيل الله، وهو أول الدين وآخره، بل هو حقيقة دين الإسلام[3].
وهو يتضمن أنواع التوحيد؛ فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات[4]، فإن من عبد الله تعالى وحده، وآمن بأنه المستحق وحده للعبادة، دل ذلك على أنه مؤمن بربوبيته وبأسمائه وصفاته، لأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه يعتقد بأن الله تعالى وحده هو المتفضل عليه وعلى جميع عباده بالخلق والرزق والتدبير وغير ذلك من خصائص الربوبية، وأنه تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العُلا، التي تدل على أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
ومع أهمية هذا التوحيد فقد جحده أكثر الخلق، فأنكروا أن يكون الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وعبدوا غيره معه.
قال علّامة اليمن الإمام المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني: «اعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرون بذلك، كما قررناه وكررناه، ولذا قالوا: ﴿ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ ﴾ [الأعراف: 70] أي لنفرده بالعبادة، ونخصه بها من دون آلهتنا؟.. فعبدوا مع الله غيره، وأشركوا معه سواه، واتخذوا له أندادا»[5].
وهذا التوحيد - توحيد الألوهية - تشمله وتدل عليه كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله».
وسأتكلم على هذا النوع من أنواع التوحيد في مبحثين:
المبحث الأول: شهادة «لا إله إلا الله»: معناها - شروطها - أركانها - نواقضها.
المبحث الثاني: العباده: تعريفها - أنواعها - شروطها - أركانها.
المبحث الأول: شهادة «لا إله إلا الله»
وفيه مطلبان:
معنى شهادة «لا إله إلا الله» إجمالا: لا معبود بحق إلا الله تعالى[6].
أي أنه لا أحد يستحق أن يعبد إلا الله تعالى، فلا يجوز أن يدعى إلا الله تعالى، ولا يجوز أن يصلى أو ينذر أو يذبح إلا لله تعالى، وهكذا بقية أنواع العبادة، لا يستحق أحدٌ أن تصرف له سوى الله تعالى.
قال علَّامة اليمن الإمام المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني: «ومعناها: إفراد الله بالعبادة والإلهية، والبراءة من كل معبود دونه»[7].
فـ «لا» نافية للجنس. و«إله» اسمها، وخبرها محذوف تقديره «حق».
و«إله» من «أَلهَ» بالفتح، «يَألَهُ»، «إلاهَةً»، والمعنى «عَبَدَ»، «يَعبُدُ»، «عِبادةً»[8].
و«الإلهُ» هو المعبود المطاع، الذي تألهه القلوب بالمحبة، والتعظيم، والخضوع، والخوف، وتوابع ذلك من بقية أنواع العباده.
واسم «الله» علم على ذات الرب تعالى المقدسة، لا يطلق إلا عليه سبحانه وتعالى، وأصله «إله» حذفت الهمزه، وعوض مكانها «أل» التعريف[9].
فهذه الكلمة العظيمة تشتمل على ركنين أساسين:
الأول: «النفي»، وهو نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، ويدل عليه كلمة: «لا إله» فهي تنفي أن يكون غير الله تعالى مستحقاً للعبادة.
الثاني: «الإثبات»، وهو إثبات الإلهية لله تعالى، ويدل عليه كلمة «إلا الله» فهي تثبت أن الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له[10]. فالله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده، لأنه الخالق، الرازق، المالك، المدبر لجميع الأمور، فيجب على جميع العباد أن يفردوه بالعباده شكراً له على نعمه العظيمة عليهم، كما سبق بيان ذلك مفصلاً عند الكلام على توحيد الربوبية.
فهذه الكلمة هي حقاً: كلمة التوحيد، والعروة الوثقى، وكلمة التقوى، وفي شأنها تكون السعادة والشقاوة، في الدنيا، وفي القبر، ويوم القيامة، فبالتزامها والقيام بحقوقها تثقل الموازين، وبه تكون النجاة من النار بعد الورود، والفوز بجنات النعيم، وبعدم التزامها أو التفريط في حقوقها تخف الموازين، ويكون العذاب في القبر، وفي يوم القيامة، وفي نار الجحيم.
وهي حق الله على جميع العباد، وهي أول واجب، وآخر واجب، فهي أول ما يدخل به العبد في الاسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا[11].