الفصل الثالث توحيد الأسماء والصفات
[تمهيد]
أسماء الله تعالى وصفاته من الغيب الذي لا يعرفه الإنسان على وجه التفصيل إلا بطريق السمع، لأن البشر لا يحيطون بالله تعالى علماً، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴿ ١١٠ ﴾ ﴾ [طه: 110] والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات.
فلا يمكن للعقل البشري أن يستقل بالنظر في أسماء الله وصفاته ومعرفتها على التفصيل إثباتاً ونفياً، ومن فعل شيئاً من ذلك فقد أخطأ، ومال عن الصراط المستقيم.
فيجب على العبد أن يقف عند كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فيؤمن بجميع ما ثبت في النصوص الشرعية من أسماء الله وصفاته، وينفي عنه تعالى ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد دلت النصوص الشرعية الكثيرة على إثبات صفات الكمال لله تعالى على وجه التفصيل فيجب إثباتها لـه تعالى على الوجه اللائق بجلاله، كما دلت النصوص أيضا على نفي صفات النقص عنه تعالى، فيجب نفيها عنه وإثبات كمال ضدها لـه سبحانه وتعالى، وهذا هو الحق الواجب في أسماء الله تعالى وصفاته على وجه الإجمال.
وسأتكلم على هذا التوحيد - توحيد الأسماء والصفات - بشيء من الاختصار في المباحث الأربعة الآتية:
المبحث الأول: طريقة أهل السنة في أسماء الله وصفاته:
طريقة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته
يمكن تلخيصها في ثلاثة أمور رئيسة، هي:
الأول: طريقتهم في الإثبات:
وهي إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل، فيؤمنون بأن جميع ما ثبت في النصوص الشرعية من صفات الله تعالى أنها صفات حقيقية تليق بجلال الله تعالى، وأنها لا تماثل صفات المخلوقين. ويؤمنون كذلك بجميع أسماء الله تعالى الثابتة في النصوص الشرعية، ويؤمنون بأن كل اسم يتضمن صفة لله تعالى، فاسم «العزيز» يتضمن صفة العزة لله تعالى، واسم «القوي» يتضمن صفة القوة له سبحانه، وهكذا بقية الأسماء.
وكل ما ثبت لله تعالى من الصفات فهي صفات كمال يحمد عليها، ويثنى بها عليه، وليس فيها نقص بوجه من الوجوه، بل هي ثابتة له على أكمل وجه.
الثاني: طريقتهم في النفي:
نفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات النقص، مع اعتقادهم ثبوت كمال ضد الصفة المنفية عنه جل وعلا.
وكل ما نفاه الله تعالى عن نفسه فهي صفات نقص، تنافي كماله الواجب، فجميع صفات النقص ممتنعة على الله تعالى لوجوب كماله.
وما نفاه الله عن نفسه فالمراد به انتفاء تلك الصفة المنفية وإثبات كمال ضدها، وذلك أن النفي لا يدل على الكمال إلا إذا كان متضمناً لصفة ثبوتية يُحمد عليها، فإن مجرد النفي قد يكون سببه العجز فيكون نقصا، كما في قول الشاعر:
| قُبيِّلـةٌ لا يغــــدرون بذمّـةٍ |
| ولا يظلمون النَّاسَ حبَّةَ خردل |
وقد يكون سببه عدم القابلية فلا يقتضي مدحاً، كما لو قلت: الجدار لا يظلم.
إذا تبين هذا فمما نفى الله تعالى عن نفسه: «الظلم»، والمراد به انتفاء الظلم عن الله مع ثبوت كمال ضده لـه تعالى، وهو «العدل»، ونفى عن نفسه «اللغوب» وهو التعب والإعياء، والمراد نفي اللغوب مع ثبوت كمال ضده، وهو «القوة»، وهكذا بقية ما نفاه الله تعالى عن نفسه.
الثالث: طريقتهم فيما لم يرد نفيه ولا إثباته مما تنازع الناس فيه،
كالجسم، والحيز، والجهة ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه، فلا يثبتونه ولا ينفونه، لعدم وروده، وأما معناه فيستفصلون عنه، فإن أريد به باطـل ينزه الله عنـه ردوه، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله قبلوه[1].
وهذه الطريقة هي الطريقة الواجبة:
وهي القول الوسط بين أهل التعطيل، وأهل التمثيل، وقد دل على وجوبها وصحتها: العقل، والسمع:
فأما العقل فوجه دلالته: أن تفصيل القول فيما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى لا يدرك إلا بالسمع، لأنه من أمر الغيب الذي لا يحيط به الإنسان علما فوجب اتباع السمـع في ذلك، بإثبات ما أثبته، ونفي ما نفاه، والسكوت عما سكت عنه.
وأما السمع: فمن أدلته قولـه تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿ ١٨٠ ﴾ ﴾ [الأعراف: 180]، وقولـه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿ ١١ ﴾ ﴾ [الشورى: 11]، وقولـه: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ ﴾ [الإسراء: 36].
فالآية الأولى: دلت على وجوب الإثبات من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تمثيل، لأن هذه الأمور الثلاثة من الإلحاد.
والآية الثانية: دلت على وجوب نفي التمثيل مع وجوب الإثبات.
والآية الثالثة: دلت على وجوب نفي التكييف، وعلى وجوب التوقف فيما لم يرد إثباته أو نفيـه[2].
ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن أهل السنة والجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم يؤمنون بأن جميع صفات الله جل وعلا الثابتة في الكتاب والسنة صفات حقيقية، لا مجازية.
وقد نقل الحافظ ابن عبدالبر الأندلسي المالكي المولود سنة (368هـ) إجماع أهل السنة على ذلك[3]، وذكر غير واحد من المتقدمين إجماع السلف على ذلك[4]، فالسلف يعتقدون أن الظاهر المتبادر من لفظ الصفة معنى حق يليق بجلال الله تعالى[5]، فيثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ الصفة الوارد في الكتاب أو السنة، فمثلاً يثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ «العزة» في قولـه تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ ﴾ ، وهذا المعنى هو: «القدرة والغلبة»، وكذلك يثبتون المعنى الذي يدل عليه لفظ «استوى» في قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ﴿ ٥ ﴾ ﴾ ، وهذا المعنى هو: «العلو والاستقرار» كما سيأتي بيانه عند الكلام على صفة الاستواء – إن شاء الله تعالى -، وهكذا بقية الصفات؛ لأن الله تعالى خاطب عباده في كتابه بلسان عربي مبين، والنبي صلى الله عليه وسلم خاطب أمته بألفاظ عربية صريحة، فوجب إثبات المعنى الحقيقي الذي يدل عليه اللفظ الوارد في القرآن أو السنة في لغة العرب، وهذا هو مقتضى الإيمان بهما ومقتضى الانقياد لما جاء فيهما.
وبهذا يعلم بطلان مذهب المفوضة الذين يقولون: نؤمن بالصفات الواردة في النصوص، لكن لا نثبت المعنى الذي يدل عليه لفظ الصفة، وإنما نفوض علم معناه إلى الله تعالى، وهذا مذهب حادث بعد القرون المفضلة[6]، والسلف بريؤون منه، فقـد تواترت الأقوال عن السلف بإثبـات معاني الصفـات، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله عز وجل[7].
فتبين مما سبق أن عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته إجمالاً
هي: الإيمان بجميع ما أثبته الله لنفسه أو أثبته لـه رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات، وإثباتها لـه سبحانه على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، وعدم التعرض لشيء من ذلك بتحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل، ونفي ما نفاه الله تعالى عن نفسه أو نفاه عنه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، واعتقاد كمال ضده لـه سبحانه وتعالى، مع اعتقاد أن جميع صفاته تعالى صفات حقيقية لا تماثل صفات المخلوقين.
[ما يضاد طريقة أهل السنة والجماعة]
والتحريف معناه: تغيير النص لفظاً، أو معنىً، والتغيير اللفظي قد يتغير معه المعنى، وقد لا يتغير. فهذه ثلاثة أقسام:
1- تحريف لفظي: يتغير معه المعنى، كتحريف بعضهم قولـه تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا ﴿ ١٦٤ ﴾ ﴾ بنصب لفظ الجلالة ليكون التكليم من موسى[8].
2- وتحريف لفظي لا يتغير معه المعنى: كفتح الدال من قولـه تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿ ٢ ﴾ ﴾ ، وهذا في الغالب لا يقع إلا من جاهل، إذ ليس فيه غرض مقصود لفاعله غالبا.
3- تحريف معنوي: وهو صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل، كتحريف معنى اليدين المضافتين إلى الله إلى القوة أو النعمة، وتحريف معنى الاستواء إلى الاستيلاء، وتحريف معنى الضحك إلى الثواب، وغير ذلك، كما فعل الأشاعرة وغيرهم. وهذا من الإلحاد في أسماء الله وآياته، فيتأولون نصوص الصفات على غير تأويلها، ويدَّ عون فيها صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بغير دليل، سوى الآراء البشرية والشبه العقلية التي ظنوها بينات، وإنما هي في واقع الأمر شبهات كلامية مبنية على الفلسفة اليونانية، فتأويلهم لنصوص الصفات حقيقته تحريف لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم عن مواضعه[9]، فإن التأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاء في الكتاب والسنة، وما خالف ذلك باطل، فإن كل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق ولا معه قرينة تقتضيه فهذا لا يقصده الهادي المبين بكلامه، إذ لو قصده لحفَّ به قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ، فإن الله أنزل كلامه بياناً وهدى، فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم يلحق به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد لم يكن بيانا ولا هدى. فالتأويل إخبار بمراد المتكلم لا إنشاء، فإذا قيل: «معنى اللفظ كذا وكذا» كان إخباراً بالذي عنى المتكلم وأراده بكلامه، فإن لم يكن الخبر مطابقاً كان تفسيراً لكلام المتكلم بغير مراده، وذلك خطأ ظاهر.
والتعطيل معناه: إنكار ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات، أو إنكار بعضها.
فهو نوعان:
1- تعطيل كلي: كتعطيل الجهمية الذين ينكرون الأسماء والصفات.
2- تعطيل جزئي: كتعطيل الأشعرية الذين ينكرون بعض الصفات ويؤولونها، ويثبتون بعض الصفات.
وأول من عرف بالتعطيل من هذه الأمة هو الجعد بن درهم، وكل من جاء بعده من المعطلة فهو مقلد له متأس به في كل ما جاء به من التعطيل أو في بعضه.
والتكييف معناه: حكاية كيفية الصفة، كقول القائل: كيفية يد الله كذا وكذا، وكيفية نزولـه إلى السماء الدنيا كذا وكذا. وقد يقيد أو يقرن هذه الكيفية بمماثل فيقول مثلاً: نزول الله تعالى كيفيته كنزول المطر، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، فيجمع بين التكييف والتمثيل.
ومعنى التمثيل: إثبات مثيل للشيء، كأن يقول: يد الله مثل يد الإنسان، تعالى الله عن ذلك[10].