حجم الخط:

محتوى الدرس (25)

المبحث الثاني: أقسام الشـرك الأكبر:

للشـرك الأكبر ثلاثة أقسام رئيسة هي:

القسم الأول: الشـرك في الربوبية:

وهو أن يجعل لغير الله تعالى معه نصيباً من الملك أو التدبير أو الخلق أو الرزق الاستقلالي [1].

ومن صور الشـرك في هذا القسم:

1- شـرك النصارى الذين يقولون: «الله ثالث ثلاثة»، وشـرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخيـر إلى النور - وهو عندهم الإله المحمود - وحوادث الشـر إلى الظلمة.

2- شـرك القدرية الذين يزعمون أن الإنسان يخلق أفعاله.

3- شـرك كثير من غلاة الصوفية والرافضة من عباد القبور الذين يعتقدون أن أرواح الأموات تتصـرف بعد الموت فتقضـي الحاجات وتفرج الكربات، أو يعتقدون أن بعض مشايخهم يتصرف في الكون أو يغيث من استغاث به ولو مع غيبته عنه.

4 - الاستسقاء بالنجوم: وذلك باعتقاد أنها مصدر السقيا، وأنها التي تنزل الغيث بدون مشيئة الله تعالى، وأعظم من ذلك أن يعتقد أنها تتصرف في الكون بالخلق أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة أو بالشفاء أو المرض أو الربح أو الخسارة، فهذا كله من الشـرك الأكبر. قال الله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴿ ٨٢ [الواقعة: 82]، والمعنى تجعلون شكركم لله على ما رزقكم الله من الغيث والمطر أنكم تكذبون - أي تنسبونه إلى غيره - [2]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». رواه مسلم[3].

القسم الثاني: الشـرك في الأسماء والصفات:

وهو: أن يجعل لله تعالى مماثلاً في شيء من الأسماء أو الصفات، أو يصفه تعالى بشيء من صفات خلقه.

فمن سمّى غير الله باسم من أسماء الله تعالى معتقداً اتصاف هذا المخلوق بما دل عليه هذا الاسم مما اختص الله تعالى به، أو وصفه بصفــة من صفات الله تعالى الخاصة به فهو مشـرك في الأسماء والصفات.

وكذلك من وصف الله تعالى بشيء من صفات المخلوقين فهو مشـرك في الصفات.

* ومن صور هذا الشـرك:

1- اشتقاق أسماء للآلهة الباطلـــة من أسماء الله تعالى، كاشتقاق اسم «اللات» من «الإله»، و«العزى» من «العزيز»[4].

2- اعتقاد بعض غلاة الرافضة وبعض غلاة الصوفية أن بعض الأحياء أو الأموات يسمعون من دعاهم في أي مكان وفي أي وقت[5].

3- شـرك الممثلة: وهو اعتقاد أن صفات الخالق تماثل صفات المخلوق، كمن يقول: «يد الله كيدي»، أو «سمعه كسمعي»، أو «استواؤه كاستوائي»[6]، وهذا كله شـرك، فالله تعالى يقول: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ [الشورى: 11].

4- الشـرك بدعوى علم الغيب، أو باعتقاد أن غير الله تعالى يعلم الغيب، فكل ما لم يطلع عليه الخلق ولم يعلموا به بأحد الحواس الخمس[7] فهو من علم الغيب، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ [النمل: 65]، وقال جل شأنه: ﴿ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ [يونس: 20]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ ۞ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ [الأنعام: 59]، وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ [الأعراف: 188]، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم أيضاً: ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام: 50].

فمن ادَّعى أنَّ أحداً من الخلق يعلم الغيب، فقد وقع في الشـرك الأكبر المخرج من الملة؛ لأن في ذلك ادعاء مشاركة الله تعالى في صفة من صفاته الخاصة به، وهي «علم الغيب».

ومن أمثلة الشـرك بدعوى علم الغيب:

أ - اعتقاد أن الأنبياء أو أن بعض الأولياء والصالحين يعلمون الغيب: وهذا الاعتقاد يوجد عند غلاة الرافضة والصوفية، ولذلك تجدهم يستغيثون بالأنبياء والصالحين الميتين وهم بعيدون عن قبورهم، ويدعون بعض الأحياء وهم غائبون عنهم، ويعتقدون أنهم جميعاً يعلمون بحالهم وأنهم يسمعون كلامهم، وهذا كله شـرك أكبر مخرج من الملة [8].

ب - الكهانة: الكاهن هو الذي يدعي أنه يعلم الغيب. ومثله أو قريب منه «العرّاف»، و«الرمّال»، ونحوهم، فكل من ادعى أنه يعرف علم ما غاب عنه دون أن يخبره به مخبر، أو زعم أنه يعرف ما سيقع قبل وقوعه فهو مشـرك شـركاً أكبر، سواء ادّعى أنه يعرف ذلك عن طريق «الطرق بالحصى»، أم عن طريق حروف «أبا جاد»[9]، أم عن طريق «الخط في الأرض»، أم عن طريق «قراءة الكف»، أم عن طريق «النظر في الفنجان»، أم غير ذلك، كل هذا من الشـرك[10]، وقد روى البخاري عن أبي مسعود، قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن»[11]، وروى مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: قلت: يا رسول الله أمورا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان، قال: «فلا تأتوا الكهان»، قال: قلت: كنا نتطير قال: «ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم»[12]، وروى مسلم أيضا عن صفية، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»[13]، وقد ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما - مرفوعا: "من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلّم"[14]، وثبت عن على رضي الله عنه- أنه قال: «إن هؤلاء العرافين كهان العجم، فمن أتى كاهنا يؤمن بما يقول فقد برئ مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم»[15]، وله حكم الرفع؛ لأنه لا يقال بالرأي، وثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلّم»[16]، وله حكم الرفع؛ لأنه لا يقال بالرأي[17]، وإذا كان هذا في حق من يذهب للكهان ويصدقهم، فذلك في حق الكاهن الذي يدعي علم الغيب أعظم وأطم؛ لأن كفره أشد[18].

ج - اعتقاد بعض العامة أن السحرة أو الكهان يعلمون الغيب، أو تصديقه لهم في دعواهم معرفة ما سيقع في المستقبل[19]، فمن اعتقد ذلك أو صدقهم فيه فقد وقع في الكفر والشـرك المخرج من الملة[20]، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم»[21].

د - التنجيم: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية المستقبلة.

وذلك أن الـمُنَجِّم يدّعي من خلال النظر في النجوم معرفة ما سيقع في الأرض من نصر لقوم، أو هزيمة لآخرين، أو خسارة لرجل، أو ربح لآخر، ونحو ذلك، وهذا لا شك من دعوى علم الغيب، فهو شـرك بالله تعالى[22].

ومما يفعله كثير من المشعوذين والدجاجلة: أن يدعي أن لكل نجم تأثيراً معيناً على من ولد فيه، فيقول: فلان وُلِدَ في برج كذا فسيكون سعيداً، وفلان وُلِدَ في برج كذا فستكون حياته شقاء، ونحو ذلك، وهذا كله كذب، ولا يصدقه إلا جهلة الناس وسفهاؤهم، قال الشيخ ابن عثيمين: «فهذا اتخذ تعلُّم النجوم وسيلةً لادّعاء علم الغيب، ودعوى علم الغيب كفر مخرج من الملة»[23].