النوع الثالث من أنواع الشـرك في الألوهية: الشـرك في الحكم والطاعة:
ومن صور الشـرك في هذا النوع:
1- أن يعتقد أحد أن حكم غير الله أفضل من حكم الله أو مثله، فهذا شـرك أكبر مخرج من الملة، لأنه مكذب للقرآن، فهو مكذب لقولـه تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا ﴾ [المائدة: 50]، ولقولـه تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴿ ٨ ﴾ ﴾ [التين: 8] وهذا استفهام تقريري، أي أن الله تعالى أحكم الحاكمين، فليس حكم أحد غيره أحسن من حكمه ولا مثله.
2- أن يعتقد أحد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، فهذا شـرك أكبر، لأنه اعتقد خلاف ما دلت عليه النصوص القطعية من الكتاب والسنة، وخلاف ما دل عليه الإجماع القطعي من المسلمين من تحريم الحكم بغير ما أنزل الله[1].
3- أن يضع تشـريعاً أو قانوناً مخالفاً لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويحكم به[2]، معتقداً جواز الحكم بهذا القانون، أو معتقداً أن هذا القانون خير من حكم الله أو مثله[3]، فهذا شـرك مخرج من الملة.
4- من يحكم بعادات آبائه وأجداده أو عادات قبيلته - وهي ما تسمى عند بعضهم بـ: السُّلُوم - وهو يعلم أنها مخالفة لحكم الله، معتقداً أنها أفضل من حكم الله أو مثله أو أنه يجوز الحكم بها، فهذا شـرك أكبر مخرج من الملة.
5- أن يطيع من يحكم بغير شـرع الله عن رضى، مقدماً لقولهم على شـرع الله، ساخطاً لحكم الله، أو معتقداً جواز الحكم بغيره، أو معتقداً أن هذا الحكم أو القانون أفضل من حكم الله أو مثله[4].
ومثل هؤلاء من يتبع أو يتحاكم إلى الأعراف القبلية - التي تسمى: السُّلوم - المخالفة لحكم الله تعالى، مع علمه بمخالفتها للشـرع، معتقداً جواز الحكم بها، أو أنها أفضل من الشـرع أو مثله، فهذا كله شـرك أكبر مخرج من الملة[5].
والدليل على أن هذا كله شـرك: قولـه تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿ ٤٤ ﴾ ﴾ [المائدة: 44][6]، وقولـه تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿ ٣١ ﴾ ﴾ [التوبة: 31]، وروي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ فقلت: إنا لسنا نعبدهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «أليس يحرِّمون ما أحلَّ اللهُ، فتُحرِّمونه، ويُحِلُّون ما حرَّم الله، فتحلُّونه؟» قال: قلت: بلى. فقال صلى الله عليه وسلم: «فتلك عبادتهم»[7]. فذكر في هذا الحديث أن طاعتهم في مخالفة الشـرع عبادة لهم، وذكر الله تعالى في آخر الآية أن اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً شـرك، ولأن من كره شـرع الله كفر، لقولـه تعالـــى: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴿ ٩ ﴾ ﴾ [محمد: 9][8].
6- من يدعو إلى عدم تحكيم شـرع الله، وإلى تحكيم القوانين الوضعية محاربةً للإسلام وبغضاً لـه، كالذين يدعون إلى سفور المرأة واختلاطها بالرجال الأجانب في المدارس والوظائف وإلى التعامل بالربا، وإلى منع تعدد الزوجات، وغير ذلك مما فيه دعوة إلى محاربة شـرع الله، فالذي يدعو إلى ذلك مع علمه بأنه يدعو إلى المنكر وإلى محاربة شـرع الله ظاهر حاله أنه لم يدع إلى ذلك إلا لما وقع في قلبه من الإعجاب بالكفار وقوانينهم واعتقاده أنها أفضل من شـرع الله، ولما وقع في قلبه من كره لدين الإسلام وأحكامه، وهذا كله شـرك وكفر مخرج من الملة، ومن كانت هذه حقيقة حالـه فقد وقع فـي الشـرك الأكبر، وإن كان يظهر أنه من المسلمين فهو نفاق أيضاً؛ للأدلة التي سبق ذكرها في الفقرة السابقة، بل هنا أولى؛ لأن الدعوة إلى الشيء شـر من مجرد اتباعه[9]