حجم الخط:

محتوى الدرس (41)

المبحث الثالث: رفع القبور وتجصيصها، وإسراجها، وبناء الغرف فوقها، وبناء المساجد عليها، وعبادة الله عندها.

[الأحاديث في ذلك]

وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن هذه الأمور كلها، ومنها:

1- ما رواه جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس[1] وهو يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، إني أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم[2].

2- ما رواه ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد»[3].

3- ما روته أم المؤمنين عائشة وابن عباس - رضي الله عنهم – قالا: «لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه[4]، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر مثل ما صنعوا. قالت عائشة -رضي الله عنها-: «ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي[5]، أن يتخذ مسجداً». رواه البخاري ومسلم[6].

4- ما رواه أبو الهياج الأســـدي – رحمه الله – قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أنْ لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته». رواه مسلم[7].

5- ما رواه جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما – قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. رواه مسلم[8].

ولهذه الأحاديث شواهد كثيرة من أحاديث جمع من الصحابة بلغت حد التواتر[9].

ومعنى اتخاذ القبور مساجد: بناء المساجد عليها، ويدخل فيه أيضاً جعلها مكاناً للصلاة ولو لم يبن عليها أو بينها مسجد، ويشمل السجود على القبر، ويشمل الصلاة إليه وجعله في قبلة المصلي، ويشمل قصد الصلاة والدعاء والذكر عنده[10].

وقد وردت أحاديث فيها النص على النهي عن هذه الأمور بخصوصها، ومنها:

1- ما رواه أبو مرثد الغنوي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تصلوا إلى القبور[11] ولا تجلسوا عليها» رواه مسلم[12].

2 – ما رواه جابر، قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» رواه مسلم[13].

وورد في الأحاديث أيضاً النهي عن اتخاذ قبره صلى الله عليه وسلم عيدا، والعيد المكاني هو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة[14].

ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»[15]، وإذا كان هذا في حق قبره صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل قبر على وجه الأرض، فكيف بقبر غيره من البشر[16].

[ما يُستفاد من هذه الأحاديث]

ولصحة هذه الأحاديث وتواترها عن النبي صلى الله عليه وسلم وتنوع الوعـيد الوارد فيها[17] فقد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من سلف هذه الأمة وجميع من سار على طريقتهم على تحريم بناء المساجد أو الغرف أو القبب على القبور أو بينها[18].

كما أجمع أهل العلم على تحريم رفع القبور، سواء كان رفعها بجعل تراب القبر مرتفعاً أكثر من شبر[19]، أم برفع جوانب القبر بطين أو بأحجار أو بغيرهما[20]، وعلى تحريم إيقاد المصابيح والأنوار عندها[21].

كما أجمعوا على تحريم الصلاة في المسجد الذي بني على قـبر[22]، وقـال كثير منهم ببطلان هذه الصلاة، لأجل النهي عنها[23].

وأجمعوا على أنه لا يجوز دفن الميت في المسجد[24]، وأجمعوا على وجوب إزالة المسجد المبني على القبر، أو إزالة صـورة القبر من المسجد، وصرح كثير منهم بوجوب إزالة كل بناء على القبور أو رفع لها[25].

وأجمعوا أيضاً على أن الذهــاب إلى القبور بقصد التعبد لله تعالى عندها، بالصلاة عندها أو إليها، أو للذبح لله عندها، أو دعاء الله تعالى عندها[26]، أو لغير ذلك من العبادات أن ذلك كله من البدع المنهي عنها[27].

وأجمعوا كذلك على أن الطواف بالقبور تقرباً إلى الله تعالى أو إلى غيره محرم[28].

وذكر بعض علماء الشافعية وبعض علماء الحنفية أن هذه الأمور كلها من كبائر الذنوب[29].

وحكى بعض العلماء من الحنفية وغيرهم الإجماع على أنه لا يستحب السفر من أجل زيارة القبر[30].

فيجب على المسلم الذي يريد لنفسه السلامة البعد عن هذه البدع المحرمة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم وغلظ على من فعلها، كما ابتعد عنها جميع سلف هذه الأمة اتباعاً منهم للنبي صلى الله عليه وسلم، واجتناباً لما نهى عنه[31].

وعليه فمن أصر على فعل شيء من هذه الأمور المحرمة أو دعا إلى فعلها فقد عرّض نفسه لعقوبة الله في الدنيا والآخرة.

والبعد عن هذه الأمور التي حذر منها نبينا – عليه الصلاة والسلام – علامة على محبته صلى الله عليه وسلم، وفعلها محادة له – عليه الصلاة والسلام – ومخالفة لسنته ورد لها[32].

كما أن في فعل هذه الأمور المحرمة في السنة تقديم لأقوال المشايخ وعادات الآباء والأجداد على سنة الحبيب محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وفعل لما يبغضه عليه الصلاة والسلام أشد البغض، ولذلك حذر منه عند فراقه للدنيا أشد التحذير وغلظ على من فعله[33]، وعليه فمن فعل ذلك وأصر عليه بعــد علمه بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه، ولعنه لمن فعل ذلك عند فراق هذه الحياة لحرصه الشديد على بُعد أمته عنه، فذلك علامة على استهانته بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم مبالاته بمخالفتها، وهذا أكبر برهان على نقص محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، كما أن فعل ذلك من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في أصحاب القبور والتعلـق بـهم حتى يصل إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة[34].

فيؤدي ذلك إلى أن يكون القبر وثناً يُعبد من دون الله[35].

ولذلك لما سَنَّ العُبيديون المنتسبون إلى التشيع في مصر وغيرها سنة سيئة؛ وذلك ببناء المساجد والقباب والمشاهد على القبور، وكانوا أول من أحدثها في ديار الإسلام[36] تقليداً لليهود والنصارى[37] انتشر وكثر الغلو في القبور.

ثم إنه لما تبع كثيرٌ من المسلمين العبيديين في بناء القبور، وجعلوا المقابر مكاناً للصلاة والدعاء[38]، أدى بهم ذلك إلى عبادة المقبورين من دون الله، فأصبحوا يستغيثون بهم، ويطلبون منهم كشف الكربات، وجلب النفع[39]، ويطوفون بقبورهم تقرباً إليهم، ويذبحون عندها تقـرباً إليهم، وهذا كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة[40].

بل وصل الحال بسبب الغلو في القبور وتقديم الصدقات والقرابين لها أن قام كثير من المرتزقة والدجاجلة بإقامة مشاهد، وبناء مساجد على بعض القبور، وزعموا أن هذه القبور لبعض الأنبياء، أو لبعض الصحابة وآل البيت، كذباً وزوراً[41]، بل وصل الحال بسبب كثرة الكذب والدجل في ذلك أن جعل للحسين بن علي - رضي الله عنهما – ثلاثة قبور، وقد أجمع العلماء من أهل السير وغيرهم على أن القبر المنسوب إليه في القاهرة غير صحيح[42]، ووصل الحال أيضاً إلى أن جعل للجيلاني مائة قبر في العالم الإسلامي[43].

وهذا كله يُبيِّن خطر التساهل فيما حذرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم منه ونهانا عنه، ويبين لنا أهمية التمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يجب تقديمها على اجتهادات البشر وآرائهم، وما تميل إليه نفوسهم.

وبالجملة فإن من دعا الناس إلى الغلو في القبور فقد دعا الناس إلى خلاف ما دعا إليه رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وإلى خلاف ما دعا إليه جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه، وقد دعاهم أيضاً إلى ما هو سبب في وقوعهم فيما يبغضـه النبي صلى الله عليه وسلم ويبغضه جميـع أولياء الله تعالى من الشرك والكفر، والذي أرسل جميع رسل الله تعالى من أجل محاربته[44].

بل إن من دعا الناس إلى الغلو في القبـــور قد دعاهم إلى أن يكونوا أعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولجميع أولياء الله تعالى ومحاربين لطريقتهم، وهم يظنون أنهم يوالونهم[45].

والمسلم الذي يبتغي لنفسه النجاة من عذاب الله يجب عليه أن يختار طريق أنبياء الله وأوليائه على طريق من خالف دعوتهم وهو يحسب أنه يحسن صنعاً[46].

هذا، وهناك وسائل أخرى تؤدي إلى الشرك الأكبر غير هذه الوسائل الثلاث، يأتي بعضها عند الكلام على البدعة في الفصل الخامس من هذا الباب إن شاء الله تعالى.

الفصل الثاني الشرك الأصغر

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: تعريفه وحكمه:

سبق تعريف الشرك في اللغة عند الكلام على تعريف الشرك الأكبر.

أما تعريف الشرك الأصغر في الاصطلاح، فهو: كل ما كان فيه نوع شرك لكنه لم يصل إلى درجة الشرك الأكبر[47].

أما حكمه فيتلخص فيما يأتي:

1- أنه كبيرة من كبائر الذنوب، بل هو من أكبر الذنوب بعد نواقض التوحيد[48].

2- أن هذا الشرك قد يعظم حتى يؤول بصاحبه إلى الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام[49]، فصاحبه على خطر عظيم من أن يؤدي به الوقوع في الشرك الأصغر إلى الخروج من دين الإسلام.

3- أنه إذا صاحب العمل الصالح أبطل ثوابه[50]، كما في الرياء وإرادة الإنسان الدنيا وحدها بعمله الصالح، والدليل: قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه جل وعلا: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». رواه مسلم[51].