حجم الخط:

محتوى الدرس (53)

البدعة الثانية: إقامة الأعياد والاحتفالات البدعية:

[تمهيد]

شرع الله تعالى لأهل الإسلام عيدين يفرحون فيهما بما أنعم الله به عليهم من إدراك المواسم الفاضلة، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى[1]، كما شرع لهم عيداً ثالثاً وهو يوم الجمعة، وهو يتكرر في كل أسبوع يجتمع فيه المسلمون لصلاة الجمعة وسماع الذكر في خطبتها وهو عيد نسبي[2]- فلا يجوز للمسلمين التعبد لله تعالى بإحداث أعياد واحتفالات أخرى تتكرر بتكرر الأيام أو الشهور أو السنين[3].

فلا يجوز تخصيص شيء من الأزمنة، سواء من الليالي، أم الأيام، أم الشهور، أم السنين بعبادة أو عبادات معينة لم يرد في الشرع تخصيصها بها، سواء أكانت هذه الأزمان أزماناً فاضلة أم لا؛ لأن ذلك من البدع المحدثة، ولذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة، ولا عن أحد من سلف هذه الأمة تخصيص ليلة معينة بعبادة معينة، وهذا إجماع منهم على عدم مشروعيته[4]، بل إنه قد جاء عن بعض الصحابة الإنكار على من خص بعض الشهور بعبادة معينة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم[5].

[أنواع الأعياد المبتدعة]

وقد أحدث كثير من المسلمين في العصور المتأخرة أعياداً واحتفالات وعبادات في كثير من الأزمان، مع أنه لم يرد دليل صحيح يدل على مشروعيتها، وهذه الأزمنة ثلاثة أنواع:

النوع الأول: يوم لم تعظمه الشريعة أصلا، ولم يحدث فيه حادث له شأن، مثل أول خميس من رجب، وليلة الجمعة التي تليه، فهذا اليوم وهذه الليلة يعظمها بعض الجهال، بصيام نهار ذلك الخميس، وقيام هذه الليلة التي تليه، ويصلون فيها صلاة يسمونها صلاة الرغائب، وكل هذا لا دليل عليه، وهو من البدع المحرمة، وإنما أحدثت هذه الصلاة بعد الأربعمائة[6]، وقد وضع بعضهم حديثاً في فضلها، وهو حديث موضوع بإجماع أهل العلم[7]، وقد وردت أيضاً أحاديث في فضل صيام بعض أيام رجب، ووردت كذلك أحاديث في فضل الصلاة في بعض أيام أو ليالي رجب، وكل هذه الأحاديث ضعيفة أو موضوعة[8]، وقد ثبت عن بعض الصحابة النهي أو الكراهة لتعظيم رجب بصيام أو غيره، وثبت عن بعضهم أن تعظيم شهر رجب من عمل أهل الجاهلية[9] فمن عظمه فقد اقتدى بهم.

النوع الثاني: الأيام والليالي التي جاء في الشرع ما يدل على فضلها، مثل يوم عرفة، ويومي العيدين، ويوم عاشوراء، وليلة القدر، وليلة النصف من شعبان[10]، فهذه الأوقات يستحب أن يفعل فيها من العبادات ما ورد في الشرع ما يدل على مشروعيتها فيها، ولا يجوز فيها إحداث عبادات ليس لها أصل في الشرع، كصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان[11] التي أحدثت في القرن الخامس الهجــري[12]، وكالتعريف بالأمصار في يوم عرفة[13]، وكالاحتفال في يوم عاشوراء[14]، كما لا يجوز للمسلم تخصيص شيء من هذه الأوقات الفاضلة بعبادة يكررها كلما جاء هذا الوقت الفاضل مما لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، كتخصيص ليلة القدر بعمرة أو بذكر خاص غير الدعاء الوارد في السنة، أو بصلاة خاصة يكررها في كل عام[15].

النوع الثالث: الأيام والليالي التي حدثت فيها حوادث مهمة، ولكن لم يأت في الشرع ما يدل على فضلها أو على مشروعية التعبد لله أو الاحتفال فيها.

ومن هذه الأوقات: الليلة التي يقال: إنه حصل فيها الإسراء والمعراج لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يثبت في تحديد هذه الليلة شيء[16].

ومن هذه الليالي أيضا: الليلة التي يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ولد فيها، مع أنه لم يثبت في تحديد شهر ولادته ولا يومها شيء يعتمد عليه، بل في ذلك خلاف مشهور[17]، وقد جزم العبيديون الإسماعيليون الملاحدة في القرن الرابع الهجري أن مولده صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول، مع أنه ليس هناك ما يرجح هذا القول.

وهذا الشهر قد أصيبت فيه الأمة الإسلامية بأعظم مصيبة، وهي وفاته صلى الله عليه وسلم[18]، فقد كانت وفاته عليه الصلاة والسلام في شهر ربيع الأول بلا خلاف.

بل إن العبيديين اختاروا يوم الثاني عشر منه، فأقاموا فيه احتفالاً وقت حكمهم لمصر زعموا أنه من باب الفرح بولادته صلى الله عليه وسلم، مع أن هذا اليوم هو اليوم الذي توفي فيه النبي صلى الله عليه وسلم في قول عامة أهل العلم[19].

وكان كثير من هؤلاء العبيديين من الملاحدة الحاقدين على الإسلام وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ادعى بعضهم الألوهية، وعلى رأسهم الحاكم بأمر الله العبيدي الذي يؤلهه الدروز إلى الآن[20]، ومنهم أو من أتباعهم: القرامطة، الذين قتلوا الحُجَّاج في عرفات وعند الكعبة المشرفة، وهدموا جزءاً من الكعبة، وأخذوا الحجر الأسود منها، ولم يعيدوه إلا بعد عدة سنوات[21].

والعبيديون هم أول من أقام الاحتفال بالمولد في القرن الرابع الهجري، وكان ذلك سنة 363هـ أثناء حكمهم لمصر[22].

فهؤلاء العبيديون الملاحدة الذين يبغضون النبي صلى الله عليه وسلم قد اختاروا شهر ويوم وفاته صلى الله عليه وسلم وقتاً لهذا الاحتفال، فرحاً بوفاته صلى الله عليه وسلم، وأظهروا للناس أنه للفرح بولادته عليه الصلاة والسلام.

وقد اتفق أهل العلم على أن السلف الصالح من أهل القرون الثلاثة المفضلة، وفي مقدمتهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلوا هذا الاحتفال، ولذلك لم ينقل فعله ولا القول بمشروعيته عن أحد من أهل القرون الثلاثة المفضلة، مع شدة محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وحرصهم على الخير[23].

وهذا إجماع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجميع سلف هذه الأمة على عدم مشروعيته، وعلى عدم مشروعية جميع الاحتفالات المحدثة.

ولما قلد كثير من المسلمين هؤلاء الشيعة العبيديين في إقامة الاحتفالات في هذا اليوم، وقلدوا النصارى الذين غلوا في عيسى عليه السلام حتى عبدوه وأقاموا احتفالات بذكرى مولده أدى بهم ذلك إلى الوقوع في بدع أخرى، كبدعة القيام أثناء إقامة هذا الاحتفال ظناً من بعض الجهال أن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر هذه الاحتفالات، وهذا من الكذب الذي يفتريه بعض من يدعي العلم ممن يقومون على هذه الاحتفالات، فيصدقهم الجهال[24]، وكبدعة الذكر الجماعي وضرب الطبول وغيرها من المحرمات[25].

بل إن إقامة هذه الاحتفالات المحدثة أدت بكثير ممن أقامها إلى الوقوع في الشرك الأكبر، وذلك بالغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، وإعطائه بعض صفات الله تعالى التي لا يشاركه فيها غيره، كعلم الغيب، والنفع والضر وغير ذلك، وكثير منهم يتلو في هذا الاحتفال قصيدة البوصيري مع أن فيها شركاً صريحاً[26]، وهكذا تفعل جميع البدع بأصحابها، وهذا هو مصداق قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة»، فهي ضلالة وتؤدي إلى ضلالة.

[تعقيب]

وبالجملة فإنه ينبغي للمسلم الذي يحب الله تعالى، ويحب نبيه صلى الله عليه وسلم أكثر مما يحب نفسه وولده أن يسير على خطى ومنهج الحبيب محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم - فداه أبي وأمي وأن يكثر من قراءة وحفظ الكتاب الذي أنزل عليه ومن حفظ وتدارس سنته وسيرته في كل أيام وليالي العام، وأن يكثر من الصلاة والسلام عليه في جميع الأوقات[27]، وبالأخص في كل يوم جمعة وليلتها من كل أسبوع[28].

وليس من محبته صلى الله عليه وسلم أن نقيم احتفالاً في وقت وفاته عليه الصلاة والسلام، والذي قطع الملاحدة العبيديون أنه وقت ولادته[29] ولا أن تقرأ سيرته والقصائد الشركية أو غير الشركية في ليلة من ليالي العام، فإن هذا من مخالفة سنته، ومن الزيادة المبتدعة المحرمة في شريعته صلى الله عليه وسلم، وفيها تقليد لطرق الكفار والرافضـــة وترك لطريقتـــه صلى الله عليه وسلم وطريقة جميع أصحابه - رضي الله عنهم [30]، فليختر المسلم لنفسه أي الطريقين شاء[31].