حجم الخط:

محتوى الدرس (56)

المبحث الثاني: مظاهر الولاء المشروع والولاء المحرم:

وفيه مطلبان:

المطلب الأول: مظاهر الولاء المشروع:

هناك أمور كثيرة تدخل في الولاء المشروع، وأهم هذه الأمور والمظاهر ما يلي:

1- محبة جميع المؤمنين في جميع الأماكن والأزمان ومن أي جنسية كانوا من أجل إيمانهم وطاعتهم لله تعالى، وهذه المحبة واجبة على كل مسلم[1]، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» [2].

وينبغي للمسلم الحذر من معاداة أحد من المؤمنين من أجل دنيا أو تعصب قبلي أو مذهبي أو من أجل مشكلة حصلت بينهما، فإن معاداة المؤمن الذي هو من أولياء الله تعالى حرب لله تعالى، فقد جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب». رواه البخاري[3].

2- نصرة المسلم لأخيه المسلم إذا ظُلم أو اعتدي عليه في أي مكان، ومن أي جنسية كان، وذلك بنصرته باليد، وبالمال، وبالقلم، وباللسان فيما يحتاج إلى النصرة فيه، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً». رواه البخاري[4]، والأمر للوجوب.

فيجب على المسلم أن ينصر المسلمين إذا اعتدى عليهم الأعداء، فإذا اعتدى الكفار على بلد من بلاد المسلمين وعجز أهلها عن صد عدوانهم وجب على من يليهم من المسلمين نجدتهم والدفاع عنهم بالأموال والأنفس، وكذلك يجب على المسلم أن يعين أخاه على أخذ حقه ممن ظلمه، وأن يذب عن عرض أخيه المسلم إذا اغتيب أو قدح فيه وهو يسمع، كما يجب على المسلم أن يدافع عن المسلمين بلسانه أو قلمه عندما يقدح فيهم أحد في كتاب أو غيره، وهذا كله من فروض الكفايات[5].

3- مساعدتهم بالنفس والمال عند اضطرارهم إلى ذلك.

فيجب على المسلم أن يعين أخاه المسلم ببدنه عند اضطراره إلى ذلك، فيجب عليه مثلاً إذا وجده منقطعاً في سفرٍ أن يعينه بإصلاح ما يحتاج إليه لمواصلة سفره، ونحو ذلك، ويجب عليه أن يعينه بماله عند اضطراره إلى ذلك، كأن يكون فقيراً ولم يجد ما يأكله هو وأولاده فيجب على الأغنياء من المسلمين مساعدته، وهذا كله من فروض الكفايات، فإن لم يُوجد ممن يستطيع مساعدته إلا شخص واحد كان فرض عين عليه.

4- التألُّم لما يصيبهم من المصائب والأذى، والسرور بنصرهم، وبجميع ما فيه خير لهم، والرحمة لهم وسلامة الصدر نحوهم، قال تعالى في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ [الفتح: 29]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». رواه البخاري ومسلم [6].

هذا وهناك أمور أخرى تدخل في الولاء للمسلمين يطول الكلام بذكرها، منها: ما هو فرض عين على المسلم، كتشميت العاطس، وكف أذاه عنهم.

ومنها: ما هو فرض كفاية، كرد السلام، وتجهيز الميت، والصلاة عليه، ودفنه، والقيام بما يحتاج إليه المسلمون في أمور دينهم من طلب للعلم، ومن تعليم له، ومن دعوتهم إلى الله تعالى وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والقيام بما يحتاجون إليه في أمور دنياهم من أمور الطب والصناعة والزراعة وغيرها، وتحذيرهم مما يضرهم، وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور حياتهم.

ومنها: ما هو مستحب، كعيادة المريض، ومساعدة المحتاج غير المضطر بالبدن والمال، والدعاء لهم، والسلام على من لقيه منهم، وغير ذلك[7].

المطلب الثاني: مظاهر الولاء المحرم:

[تمهيد]

موالاة أعداء الله من عباد الأصنام والبوذيين والمجوس واليهود والنصارى والمنافقين وغيرهم والتي هي ضد البراء بجميع أقسامها وأمثلتها محرمة بلا شك كما سبق بيانه وهي تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: الموالاة الكفرية:

بعض مظاهر وأمثلة الولاء المحرم مظاهر كفرية تخرج مرتكبها من ملة الإسلام، وهي كثيرة، أهمها:

1- الإقامة ببلاد الكفار اختياراً لصحبتهم مع الرضا بما هم عليه من الدين، أو مع القيام بمدح دينهم، وإرضائهم بعيب المسلمين، فهذه الموالاة ردة عن دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [آل عمران: 28] فمن تولى الكافرين ورضي عن دينهم، وابتعد عن المسلمين وعابهم فهو كافر عدو لله ولرسله ولعباده المؤمنين[8].

2- أن يتجنس المسلم بجنسية دولة كافرة تحارب المسلمين، ويلتزم بجميع قوانينها وأنظمتها بما في ذلك التجنيد الإجباري، ومحاربة المسلمين ونحو ذلك، فالتجنس على هذه الحال محرم لا شك في تحريمه، وقد حكى بعض أهل العلم الإجماع على أنه كفر وردة عن دين الإسلام[9] وهذا كله فيما إذا كان ذلك عن رغبة ورضا من المسلم، أما إن كان ملجئاً إلى ذلك لعدم وجود بلد مسلم يمكنه الهجرة إليه أو لعدم وجود بلد كافر أحسن حالاً من حال هذا البلد المحارب للمسلمين ينتقل إليه، فحكمه حكم المكره، فلا يحرم عليه ذلك إذا كره ذلك بقلبه.

3- التشبه المطلق بالكفار، بأن يتشبه بهم في أعمالهم، فيلبس لباسهم، ويقلدهم في هيئة الشعر وغيرها، ويسكن معهم، ويتردد معهم على كنائسهم، ويحضر أعيادهم، فمن فعل ذلك فهو كافر مثلهم بإجماع أهل العلم[10]، وقد ثبت عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أنه قال: «من بنى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبّه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة»[11].

4- أن يتشبه بهم في أمر يوجب الخروج من دين الإسلام، كأن يلبس الصليب تبركاً به مع علمه بأنه شعار للنصارى وأنهم يشيرون بلبسه إلى عقيدتهم الباطلة في عيسى عليه السلام، حيث يزعمون أنه قتل وصلب، ومع علمه بأن الله تعالـى نفى ذلك في كتابه[12] بقولــه: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ۚ [النساء: 157] [13].

5- أن يزور كنائسهم معتقداً أن زيارتها قربة إلى الله تعالى[14].

6- الدعوة إلى وحدة الأديان، أو إلى التقريب بين الأديان، فمن قال إن ديناً غير الإسلام دين صحيح ويمكن التقريب بينه وبين الإسلام أو أنهما دين واحد صحيح فهو كافر مرتد، بل إن من شك في بطلان جميع الأديان غير دين الإسلام كفر، لرده لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: 85]، ولرده لما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة من أن دين الإسلام قد نسخ جميع الأديان السابقة، وأنها كلها أديان محرفة، وأن من دان بشيء منها فهو كافر مشرك[15].

والدعوة إلى توحيد الأديان دعوة إلحادية قديمة، دعا إليها بعض ملاحدة الصوفية المتقدمين، كابن سبعين، والتلمساني وغيرهم، وجدد الدعوة إليها في هذا العصر بعض المنتسبين إلى الإسلام، ومن أشهرهم جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده المصري، ورجاء جارودي الفرنسي وغيرهم[16].

7- موالاة الكفار بإعانتهم على المسلمين:

إعانة الكفار على المسلمين سواء أكانت بالقتال معهم، أم بإعانتهم بالمال أو السلاح، أم كانت بالتجسس لهم على المسلمين، أم غير ذلك تكون على وجهين[17]:

الوجه الأول:

أن يعينهم بأي إعانة محبةً لهم ورغبةً في ظهورهم على المسلمين، فهذه الإعانة كفر مخرج من الملة[18].

وقد حكى غير واحد من أهل العلم إجماع العلماء على ذلك[19].

الوجه الثاني:

أن يُعين الكفارَ على المسلمين بأي إعانة، ويكون الحامل له على ذلك مصلحة شخصية، أو خوفاً، أو عداوة دنيويّة بينه وبين من يقاتله الكفار من المسلمين، فهذه الإعانة محرمة، وكبيرة من كبائر الذنوب، ولكنها ليست من الكفر المخرج من الملة [20].

ومن الأدلة على أن هذه الإعانة غير مكفرة: ما حكاه الإمام الطحاوي من إجماع أهل العلم على أن الجاسوس المسلم لا يجوز قتله[21]، ومقتضى ما حكاه الطحاوي أنه غير مرتد.

ومستند هذا الإجماع الذي حكاه الإمام الطحاوي رحمه الله -: أن حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - قد جسَّ على النبي - عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم - وعلى المسلمين في غزوة فتح مكة، فكتب كتاباً إلى مشركي مكة يخبرهم فيه بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد أخفى وجهة سيره، لئلا تستعد قريش للقتال، وكان الدافع لحاطب رضي الله عنه لكتابة هذا الكتاب هو مصلحة شخصية، ومع ذلك لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بردته، ولم يُقمْ عليه حدَّ الردة[22]، فدلَّ ذلك على أن ما عمله ليس كفراً مخرجاً من الملة[23].

وهذا كله إنما هو في حق من كان مختاراً لذلك، أما من كان مكرهاً أو ملجئاً إلى ذلك إلجاءً اضطرارياً كمن خرج مع الكفار لحرب المسلمين مكرهاً[24]، ونحو ذلك فلا ينطبق عليه هذا الحكم لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ [آل عمران: 28].