حجم الخط:

محتوى الدرس (51)

الأعذار المبيحة لترك الجماعة والجمعة:

أولًا: المرض:

فمتى لحق المريض مشقة من ذهابه للجمعة والجماعة أبيح له ترك الحضور؛ قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض، إن كان المريض ليؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف»[1].

ثانيًا: مدافعة الأخبثين (البول والغائط):

لقوله : «لا صلاة بحضـرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان»[2].

ثالثًا: حضور الطعام وهو محتاج إليه:

للحديث السابق، ولقوله : «إذا حضـر العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب»[3]. ويبدأ بالطعام حتى لو سمع النداء أو الإقامة، فقد كان ابن عمر يسمع قراءة الإمام وهو يتعشـى[4]. واعلم أن الرخصة عامة؛ فله أن يأكل حتى يشبع، ولا يقال له: كل بمقدار أن تكسـر نهمتك[5]، ويشترط لهذا أن لا يتخذ ذلك عادة بحيث لا يقدم الطعام إلا إذا قاربت الإقامة؛ فإن هذا متعمد لترك الجماعة[6].

رابعًا: الخوف من ضـياع ماله أو فواته أو وقوع ضـرر فيه:

وذلك لأن النبي نهى عن إضاعة المال.

خامسًا: التأذي بنزول المطر أو كثرة الوحل (الطين) في الطرقات:

وكذلك بالريح الباردة، ولهذا كان منادي الرسول ينادي في الليلة الباردة أو المطيرة: «ألا صلوا في رحالكم»[7].

سادسًا: خوف ضـياع المريض أو الميت[8]، أو الخوف على نفسه من الضـرر:

كأن يكون بينه وبين المسجد كلب عقور، أو يكون الطريق كله شوك أو قطع زجاج، وليس عنده حذاء[9]، أو يخاف من سلطان ظالم أن يحبسه أو يغرمه مالًا بظلم أو يؤذيه[10]، أو تفوته الرفقة الذين يرافقهم في سفره، وكذلك من غلبه النعاس بحيث إنه لو صلى مع الجماعة لا يدري ما يقول.

سابعًا: أن يطيل الإمام طولًا زائدًا عن السنة، فأما إذا كان التطويل في حدود السنة فلا يحل له التخلف؛ وذلك لأن النبي لم ينكر على الرجل عندما خرج من الصلاة خلف معاذ بسبب إطالته، وقد ورد في بعض رواياته: «أن الرجل تنحَّى فصلى وحده»[11].

ثامنًا: النوم أو النسـيان؛ لما تقدم في الحديث: «من نام عن صلاة أو نسـيها فليصلها إذا ذكرها، فذلك وقتها»[12].

تاسعًا: من أكل البصل والثوم:

لقوله : «من أكل بصلًا أو ثومًا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا»[13]، وهذا وإن خرج مخرج العذر، إلا أنه في الحقيقة يمنع دفعًا لأذيته؛ لما ثبت في الحديث من تعليل النبي لمنعه فقال: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم»[14].

وعلى هذا فهل يجوز أكل البصل والثوم؟

والجواب: نعم، لكنه إن قصد بأكله أن لا يصلي مع الجماعة فهو آثم بهذا القصد، وإن قصد به التشهي فلا إثم عليه.

واعلم أن المقصود بالبصل والثوم: الذي تظهر رائحته، لكنه متى ذهبت رائحته بطبخ ونحوه فلا يلحقه هذا المنع؛ لما ثبت في الحديث أنه قال: «إن كنتم لا بد آكليهما فأميتوهما طبخًا»[15]، والله أعلم.

حكم من به بخر:

اختلف العلماء فيمن به بَخَر، وهو من به رائحة منتنة من الفم أو الأنف؛ هل يعذر بترك الجماعة[16]، وقد رأى الشـيخ ابن عثيمين عدم حضوره دفعًا لأذيته، ورجح الشـيخ الألباني حضوره وعدم منعه، وعلل ذلك بأن البخر غير حاصل بسببه، بخلاف الثوم والبصل، وهذا هو الراجح، والله أعلم.

إلحاق كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها بالثوم وقد نقله النووي عن العلماء وقال: (قال القاضـي: ويلحق به من أكل فجلًا وكان يتجشأ قال: وقال ابن المرابط: ويلحق به من به بخر في فيه أو به جرح له رائحة).

وعارضهم ابن المنير في (الحاشـية) قال: (ألحق بعض أصحابنا المجذوم وغيره بأكل الثوم في المنع من دخول المسجد). قال: (وفيه نظر لأن آكل الثوم أدخل على نفسه باختياره هذا المانع والمجذوم علته سماوية).

قلت: فهو بذلك معذور فلا يمنع من الدخول ويؤيده أن المغيرة بن شعبة حين وجد عليه الصلاة والسلام منه رائحة الثوم أنكر عليه فلما أبدى له عذره -وهو أنه إنما أكله من الجوع- عذره كما سبق في الحديث السابع فالمجذوم ونحوه يعذر من باب أولى.

وقال الحافظ: (وألحق بعضهم بذلك من بفيه بخر أو به جرح له رائحة وزاد بعضهم فألحق أصحاب الصنائع كالسماك والعاهات كالمجذوم ومن يؤذي الناس إلا أنه قد يقال: إنه يجوز منع المجذوم لا لعلة الرائحة بل لأن داءه يعدي فيضـر المصلي وهو مأمور بالابتعاد عنه بقوله عليه الصلاة والسلام: «فر من المجذوم فرارك من الأسد». ولما كان تطبيق هذا الأمر يستلزم ابتعاد المصلين جميعًا أو بعضهم عن المسجد وتعطيل صلاة الجماعة أو تقليلها ولا يخفى ما في ذلك من المخالفة ولذلك يقتضـي أن يمنع المجذوم من هذه الوجهة ويلحق به كل من به داء معد. والله أعلم. (الثمر المستطاب).

الاستخلاف في الصلاة:

إذا عرض للإمام وهو في الصلاة عارض أراد لأجله أن يخرج من الصلاة، كأن يذكر أنه محدث مثلًا، فإنه يستخلف غيره ليتم الصلاة بالناس؛ فعن عمرو بن ميمون قال: «إني لقائم؛ ما بيني وبين عمر -غداةَ أُصـيب- إلا عبدُ الله بن عباس، فما هو إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب -حين طعنه- وتناول عمرُ عبدَ الرحمن بن عوف فقدمه فصلى بهم صلاة خفيفة»[17].

استحباب تخفيف الإمام:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة»[18]. وعن أنس رضي الله عنه قال: «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله ﷺ»[19].

والمقصود بذلك أن يخفف مع إتمام الصلاة؛ وذلك بأن يأتي بصلاته موافقًا للسنة، فلو قرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، فليس مطولًا؛ لأنه موافق للسنة. ولو قرأ في الفجر يوم الجمعة ﴿ الم ﴿ ١ تَنْزِيلُ السجدة، و ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ [الإنسان:1] فهذا موافق للسنة.

وعلى هذا فيمكن أن نقول: التخفيف الموافق للسنة كالآتي:

(أ) في الفجر: من ستين إلى مائة آية؛ مثل سورتي السجدة والإنسان.

(ب) في الظهر: الركعة الأولى نحو ثلاثين آية، والثانية نصفها، والثالثة والرابعة نصف الثانية.

(جـ) في العصـر: الركعة الأولى خمس عشـرة آية، والثانية نصفها، والثالثة والرابعة نصف الثالثة.

(د) في المغرب والعشاء: ما ثبت في حديث معاذ وما أخبره النبي من قراءة بعض السور، وفيها قوله : «اقرأ بـ ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ، ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ، ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ».

ويجوز الزيادة عن هذا القدر أحيانًا؛ خاصة إذا كانت الجماعة محصورة لا يدخلها غيرهم، وهم موافقون على الزيادة.

وهذا التخفيف السابق هو الأصل في موافقة السنة، ولكنه يجوز أحيانا أن يخفف عن ذلك لعارض؛ لقوله : «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيل، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي؛ مخافة أن أشق على أمه»[20].

ملاحظات:

(1) يستحب تطويل الركعة الأولى عن غيرها؛ لأن ذلك هو الثابت من فعله كما تقدم في بيان صفة الصلاة.

(2) يجوز للإمام انتظار الداخل وهو راكع لكي يدرك ركوعه، أو كان في التشهد لكي يدرك الصلاة. بشـرط أن لا يشق على المأمومين أو بعضهم[21].

(3) إذا أطال الإمام إطالة زائدة عن السنة، فجائز لمن شق عليه أن ينفرد ويتم صلاته لنفسه، ودليله ما ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى العشاء فقرأ البقرة، فانصـرف الرجل، فكأن معاذًا تناول منه، فبلغ ذلك النبي فقال: «فتان، فتان، فتان» (ثلاث مرار)، أو قال: «فاتنًا فاتنًا فاتنًا»، وأمره بسورتين من أوسط المفصل[22]، وفي رواية مسلم: «فانحرف الرجل فسلم، ثم صلى وحده»، وعليه اختلف العلماء: هل يقطع الاقتداء فقط ويتم ما بقي من صلاته؟ أو يقطع الصلاة كلها ويبدأ صلاته من أولها؟ ومنشأ الخلاف بسبب قوله: «فسلم»، فمن رأى أنه يقطع الصلاة عمل بهذه الزيادة، ومن قال: بل يتم ما بقي، قال: إن هذه الزيادة تفرد بها الراوي (محمد بن عباد) عن ابن عيينة، أي: أنه جعلها رواية شاذة، وهذا ما يترجح -والله أعلم- وعليه فإنه ينوي المفارقة فقط ويتم الصلاة.

حكم الجماعة الثانية في المسجد:

اختلفت آراء العلماء في جواز صلاة الجماعة بعد الجماعة الأولى التي لها إمام راتب[23]:

والراجح: جواز الجماعة الثانية في المسجد؛ لما ثبت في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء رجل، وقد صلى رسول الله ، فقال: «أيكم يتجر على هذا، فقام رجل فصلى معه»[24]، ولِمَا ثبت أن أنس بن مالك جاء إلى مسجد قد صُلِّي فيه، فأذن وأقام وصلى جماعة[25]، ولما ثبت أن ابن مسعود دخل المسجد وقد صلُّوا، فجمع بعلقمة ومسـروق والأسود[26]. وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، والظاهرية. قال البغوي: وهو قول غير واحد من الصحابة والتابعين.

وأما من ذهب إلى المنع، فأدلتهم لا تدل على منع الجماعة الثانية، وإنما تفيد أنه يجوز أن يصلوها فرادى، وهذا لا مانع منه، لكنه بعيد عن محل النزاع. ولا يتسع هذا المختصـر لبسط المسألة[27].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة