صلاة الجمعة
خريطة ذهنية لأحكام صلاة الجمعة

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة»[1].
وعن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة؛ نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضـي لهم قبل الخلائق»[2].
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الجمعة:9].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسَّ الحصـى فقد لغا»[3].
وعنه عن رسول الله ﷺ قال: «الصَّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفِّرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر»[4].
الترهيب من ترك الجمعة لغير عذر:
عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس ثم أُحرِّق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم»[5].
وعن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما أنهما سمعا النبي ﷺ يقول على أعواد منبره: «لينتهين أقوام عن وَدْعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونُن من الغافلين»[6].
وعن أبي الجعد الضمري رضي الله عنه -وكانت له صحبة- عن النبي ﷺ قال: «من ترك ثلاث جمع تهاونًا بها، طبع الله على قلبه»[7].
عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين كُفَّ بصـره، فإذا خرجت إلى الجمعة فسمع الأذان بها، استغفر لأبي أمامة أسعد بن زُرارة، فمكث حينًا على ذلك، فقلت: إن هذا لعجز ألا أسأله عن هذا، فخرجت به كما كنت أخرج، فلما سمع الأذان للجمعة استغفر له، فقلت: يا أبتاه، أرأيت استغفارك لأسعد بن زُرارة كلما سمعت الأذان يوم الجمعة؟ قال: أي بني، كان أسعد أول من جمَّع بنا بالمدينة قبل مقدَم رسول الله ﷺ في هَزْم النَّبيت من حَرَّة بني بياضة[8] في نقيع يقال له: نقيع[9] الخضمات، قلت: فكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا[10].
قال ابن القيم رضي الله عنها: (قلت: وهذا كان مبدأ الجمعة، ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة، فأقام بقُباء في بني عمرو بن عوف، كما قال ابن إسحاق وغيره؛ يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته الجمعة في بني سالم ابن عوف، فصلَّاها في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانت أول جمعة صلَّاها بالمدينة، وذلك قبل تأسـيس مسجده)[11].
قال ابن العربي رحمه الله: الجمعة فرض بإجماع الأمة. وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين[12]، وقال ابن قدامة رحمه الله: (أجمع المسلمون على وجوب الجمعة)[13].
والدليل على وجوبها وأنها من فروض الأعيان:
(1) قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾ [الجمعة:9]؛ ففيه الأمر بإتيان الجمعة، والأمر يقتضـي الوجوب كما هو المعتمد في الأصول.
(2) ومن الأدلة أيضًا ما تقدم من تحذيره ﷺ المتخلفين بحرق بيوتهم، وبالطبع على قلوبهم، وقد تقدمت هذه الأحاديث[14].
(3) ومن الأدلة أيضًا: حديث حفصة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ قال: «رواح الجمعة واجب على كل محتلم»[15].
وعن طارق بن شهاب رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «الجمعة حق واجب، على كل مسلم، في جماعة»[16]. ويستدل بهذا الحديث على أنها لا تجزئ إلا في جماعة.
تجب الجمعة على: الرجل، المسلم، الحر، العاقل، البالغ، المقيم، القادر على السعي إليها، الخالي من الأعذار المبيحة للتخلف عنها؛ على ما يأتي تفصـيله.
وتجب الجمعة على كل من سمع النداء؛ لما ثبت في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «إنما الجمعة على من سمع النِّداء، فمن سمعه فلم يأتيه فقد عصـى ربه»[17]. والمراد بالنداء النداء الواقع بين يدي الإمام في المسجد، وكذلك فإن الآية قيدت الأمر بالسعي فيها بالنِّداء؛ فقال تعالى: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة:9]، لكن حكى العراقي في شـرح الترمذي عن الشافعي ومالك وأحمد أنهم يوجبون الجمعة على أهل المصـر وإن لم يسمعوا النداء.
قلت: ولعل توجيه ذلك أن المقصود بسماع النِّداء العلم بدخول وقت الجمعة، وهو توجيه قوي. فإذا كان التيار الكهربائي معزولًا بحيث لا يتمكن من الأذان في مكبِّرات الصوت، لكن يمكن معرفة الوقت بدلائل أخرى؛ فإنه يجب السعي للجمعة.
عن طارق بن شهاب رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «الجمعة حق واجب، على كل مسلم، في جماعة؛ إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض»[18].
يستفاد من هذا الحديث أن الذين لا تجب عليهم الجمعة هم:
(أ) المرأة: نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن المرأة لا جمعة لها؛ أي: لا جمعة عليها[19].
(ب) العبد المملوك: سواء المكاتب، أو المدبَّر[20]، أو غيرهما، وكذلك من كان بعضه حرًّا وبعضه رقيقًا فلا جمعة عليه على الصحيح.
(جـ) الصَّبي: وهو مجمع على عدم وجوب الجمعة عليه.
(د) المريض: الذي يلحقه بقصد الجمعة مشقة ظاهرة غير محتملة تسقط عنه الجمعة.
المسافر إما سائر في طريقه، وإما نازل في طريقه.
الحالة الأولى: إذا كان سائرًا فلا يجب عليه حضور الجمعة بلا خلاف؛ قال ابن هبيرة: (واتفقوا على أن الجمعة لا تجب على صبي ولا عبد ولا مسافر ولا امرأة، إلا رواية عن أحمد في العبد خاصة)[21] . وقال ابن عبد البر: (وأما قوله: (ليس على مسافر جمعة) فإجماع لا خلاف فيه)؛ وذلك لأن رسول الله ﷺ قد سافر مرارًا، ولم ينقل عنه ولو مرة واحدة أنه صلى الجمعة[22].
الحالة الثانية: إذا كان نازلًا في أثناء طريقه:
اختلف العلماء في حكم صلاة الجمعة إذا كان نازلًا، وحاصل ما قيل في هذه المسألة:
1- وجوب حضور الجمعة وأدائها وقال به النخعي، والزهري، وعطاء، والأوزاعي، والبخاري، وابن حزم، وشـيخ الإسلام، وابن حجر، وصاحب الفروع، وابن باز، وابن عثيمين، وغيرهم[23]. لحديث الجمعة على من سمع النداء.
2- عدم وجوب حضور الجمعة وقال به جماهير الأمة كما نقله ابن المنذر؛ قال ابن المنذر: (ومما يحتج به في إسقاط الجمعة عن المسافر أن النبي ﷺ قد مرّ به في أسفاره جُمَعٌ لا محالة، فلم يبلغنا أنه جَمَّع وهو مسافر، بل قد ثبت عنه أنه صلى الظهر بعرفة وكان يوم الجمعة، فدلّ ذلك من فعله على أن لا جمعة على المسافر؛ لأنه المبين عن الله عز وجل معنى ما أراد بكتابه، فسقطت الجمعة عن المسافر استدلالاً بفعل النبي ﷺ)[24].
3- استحباب حضور الجمعة؛ لأنه أولى وأكمل وخروجاً من الخلاف. وممن قال به: ابن قدامة ونقله النووي عن بعض أصحابه من الشافعية[25].
فائدة: قال في «الإنصاف»: كل من لا لم تجب عليه الجمعة لمرض أو سفر، أو اختلف في وجوبها عليه -كالعبد ونحوه- فصلاة الجمعة أفضل في حقه. وذكره ابن عقيل. وهذا القول لا ينافي ما قبله، وبه قال سعيد بن المسـيب، وعمرو بن شعيب، والزهري، وثبت ذلك من فعل عمر بن عبد العزيز، والله أعلم.
ويعذر عن التخلف عن الجمعة: أصحاب الأعذار الذين ذكروا في إباحة التخلف عن صلاة الجماعة.