حجم الخط:

محتوى الدرس (96)

ثانيًا: الأيام المنهي عن صيامها:

خريطة ذهنية للأيام المنهي عنها

جدول 52 الأيام المنهي صيامها

(1) النهي عن صيام يومي العيد، وهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله ﷺ نهى عن صـيام يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر»[1]. وعن عائشة رضي الله عنها «نهى رسول الله ﷺ عن صومين: يوم الفطر ويوم الأضحى»[2]. قال النووي رحمه الله: (أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال؛ سواء صامهما عن نذر، أو تطوع، أو كفارة، أو غير ذلك. ولو نذر صومهما متعمدًا لعينهما؛ قال الشافعي والجمهور: لا ينعقد نذره، ولا يلزمه قضاؤهما، وقال أبو حنيفة: ينعقد، ويلزمه قضاؤهما)[3].

قلت: مقصوده من حيث انعقاد النذر، وأما الصوم فلا يصح، وكذلك لو نذر صـيام يوم ما فوافق يوم العيد، فلا يجوز له صوم العيد بالإجماع.

(2) أيام التشريق:

وهي الأيام الثلاثة بعد عيد الأضحى؛ فعن علي رضي الله عنه مرفوعًا: «إنها ليست أيام صـيام؛ إنها أيام أكل وشـرب وذكر»[4]. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنه دخل على أبيه عمرو بن العاص، فوجده يأكل، فدعاني، قال: فقلت له: إني صائم، فقال: «هذه الأيام التي نهانا رسول الله ﷺ عن صـيامهن، وأمرنا بفطرهن»[5]. وعلى هذا فيحرم صـيام هذه الأيام، ولا يرخص في صـيامها إلا للحاج الذي لم يجد الهدي؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقرة:196]. وعن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم؛ قالا: «لم يرخص في أيام التشـريق أن يُصَمن إلا لمن لم يجد الهدي»[6].

وأما صـيامها عن قضاء فرض أو نذر، ففيه خلاف عند جمهور العلماء، والراجح أنه لا يصح أيضًا؛ لقوله: «لم يرخص»، وهو في حكم المرفوع، وللحديث السابق: «وأمر بفطرهن»، وهذا على عمومه.

(3) النهي عن صوم يوم الجمعة منفردًا:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يصم أحدكم يوم الجمعة؛ إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده»[7]. وعنه عن النبي ﷺ قال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصـيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم»[8].

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول ﷺ دخل على جويرية بنت الحارث رضي الله عنها وهي صائمة في يوم جمعة، فقال لها: «أصمت أمس؟» فقالت: لا، فقال: «أتريدين أن تصومي غدًا؟» فقالت: لا، قال «فأفطري إذًا»[9].

ومما تقدم من هذه الأحاديث يعلم نهيه ﷺ عن صـيام يوم الجمعة منفردًا. واختلف العلماء: هل النهي عن صـيامه للكراهة أو للتحريم؟

والراجح أنه للتحريم، ويستفاد من الأحاديث جواز صوم يوم الجمعة إذا صام يومًا قبله أو يومًا بعده، وكذلك إذا وافق صـيامًا كان يصومه؛ كيوم عرفة، ويوم عاشوراء، أيام البيض، وصـيام يوم وإفطار يوم، ونحو ذلك، ففي كل ذلك يجوز أن يصومه منفردًا. قال ابن حجر رحمه الله: (ويؤخذ منه جواز صومه لمن نذر يوم قدوم زيد مثلا، أو يوم شفاء فلان)[10].

(4) النهي عن صيام يوم السبت تطوعًا:

وعن الصماء رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا تصوموا يوم السبت إلا في فريضة، وإن لم يجد أحدكم إلا عود كرم أو لحاء شجرة فليفطر عليه»[11]. قال الترمذي رحمه الله: [12](ومعنى الكراهة في هذا: أن يخص الرجل يوم السبت بصـيام؛ لأن اليهود يعظمون السبت). وقال النووي رحمه الله: (يكره إفراد يوم السبت بالصوم، فإن صام قبله أو بعده لم يكره)[13]. وقال ابن قدامة رحمه الله: قال أصحابنا: يكره إفراد يوم السبت بالصوم، فإن صام معه غيره لم يكره؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وجويرية رضي الله عنها المتقدمين، وكذلك إن وافق صومًا لإنسان لم يكره، قال أبو عبد الله -الإمام أحمد-: أما صـيام السبت يفرد به فقد جاء فيه حديث الصماء وكان يحيى بن سعيد يتقيه[14].

قال ابن مفلح رحمه الله: (قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت: أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسـر رضي الله عنه؛ منها حديث أم سلمة؛ يعني أن النبي ﷺ كان يصوم يوم السبت والأحد، ويقول: «هما عيدان للمشـركين فأحب أن أخالفهما»[15])[16].

(5) النهى عن صيام يوم الشك:

يوم الشك هو آخر يوم من شعبان، وذلك إذا كان في السماء قتر أو سحاب يحول دون رؤية الهلال، فعندئذ يحتمل وجوده ويحتمل عدم وجوده، ومع هذا فلا يجوز صومه إلا بالتحقق من الرؤية كما تقدم، إلا أن يكون لرجل عادة بصـيام، فوافق هذا اليوم عادته فلا مانع من صومه.

عن صلة قال: كنا عند عمار فأتي بشاة مَصْليَّة، فقال: كلوا؛ فتنحى بعض القوم، قال: إني صائم، فقال عمار: «من صام يوم الشك فقد عصـى أبا القاسم ﷺ».

وفي رواية: «من صام اليوم الذي يشك فيه...»[17]. ومعنى «مصلية»: مشوية.

ويرى أكثر أهل العلم أنه إن صامه، وكان من شهر رمضان؛ أن ذلك لا يجزئه ويقضـي يومًا مكانه، وهذا هو الراجح.

وأما الدليل على صومه تطوعًا إن وافق عادة، فهو ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تَقَدَّموا صوم رمضان بيوم أو يومين، إلا أن يكون صوم يصومه رجل، فيصوم ذلك اليوم»[18].

(6) النهي عن صوم الدهر:

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله ﷺ: «من صام الأبد، فلا صام ولا أفطر»[19].وعن ابن عمرو رضي الله عنهما قال رسول الله ﷺ: «لا صام من صام الأبد»[20]. قال ابن حجر رحمه الله: (المعنى أنه لم يحصل أجر الصوم؛ لمخالفته، ولم يفطر؛ لأنه أمسك)[21].

وأما عن حكم صـيام الدهر، فقد اختلفت آراء العلماء فيه على أقوال:

القول الأول: كراهة صوم الدهر مطلقًا، وهو مذهب إسحاق وأهل الظاهر، ورواية عن أحمد، وذهب إليه ابن العربي من المالكية، وقال الألباني: لا يشـرع.

القول الثاني: الجواز، وحملوا أحاديث النهي على من أدخل فيه العيدين والتشـريق؛ يعني أجازوا صـيام الدهر عدا يومي العيدين وأيام التشـريق.

القول الثالث: الاستحباب لمن قوي عليه، ولم يفوت فيه حقًّا، ومن حجتهم في ذلك حديث حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: «يا رسول الله، إني أسـرد الصوم»، الحديث، وقد تقدم، ولم يُنكر عليه ﷺ، فدل على الاستحباب.

وأرجح هذه الأقوال هو القول الأول؛ لما ثبت في الحديث: «لا أفضل من ذلك». وقوله ﷺ: «لا صام من صام الأبد»، وفي رواية: «لا صام ولا أفطر»، وعن أبي موسـى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «من صام الدهر ضـيقت عليه جهنم» وثبت موقوفًا أيضًا[22]. قال الحافظ: (وظاهره أنها تضـيق عليه حصـرا له فيها لتشديده على نفسه وحمله عليها، ورغبته عن سنة نبيه ﷺ واعتقاده أن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضـي الوعيد الشديد، فيكون حراما)[23]. وأما حديث حمزة بن عمرو: «إني أسـرد الصوم» فالسـرد هو التتابع، ولا يلزم من ذلك صـيام الدهر كله. وروى ابن أبي شـيبة بإسناد صحيح عن أبي عمرو الشـيباني قال: «بلغ عمرَ أن رجلًا يصوم الدهر، فأتاه فعلاه بالدِّرة، وجعل يقول: كل يا دهري»[24]. وسئل ابن مسعود عن صـيام الدهر، فكرهه.

(7) النهي عن الوصال:

والمقصود أن يتابع صـيام الأيام دون إفطار يتخللها، فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والوصال» -قالها ثلاث مرات- قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؛ قال: «إنكم لستم في ذلك مثلي؛ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلَفوا من العمل ما تطيقون»[25]، ولما لم ينتهوا عن الوصال عنفهم النبي ﷺ.

وعنه رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لا تواصلوا»، فقالوا: يا رسول الله، إنك تواصل؛ فقال: «إني لست مثلكم؛ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني»، فلم ينتهوا عن الوصال، فواصل بهم النبي ﷺ يومين وليلتين، ثم رأوا الهلال، فقال رسول الله ﷺ: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمنكل لهم[26].

لكن يجوز أن يواصل فقط إلى وقت السحر؛ لما ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر»[27].

(8) نهي المرأة عن صوم التطوع إلا بإذن زوجها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه»[28]. وفي رواية: «لا يحل للمرأة أن تصوم يومًا تطوعًا في غير رمضان وزوجها شاهد إلا بإذنه»[29]. وعلى هذا؛ فيجوز لها أن تصوم وهو غائب. قال أبو زرعة العراقي رحمه الله: (وفي معنى غيبته كونُه لا يمكنه التمتع بها لنحو مرض)[30].

تنبيه:

(1) يحرم على الإنسان قطع الفرض؛ سواء كان الوقت موسعًا أم لا، كمن صلى صلاة في أول الوقت ثم أراد قطعها؛ فإنه لا يجوز، وكذلك الصـيام ونحوه.

(2) لا يلزم الإتمام في نفل الصـيام؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ دخل على أهله ذات يوم فقال: «هل عندكم شـيء؟» قالوا: نعم، عندنا حيس، فقال: «أرنيه -يقول لعائشة- فلقد أصبحت صائمًا»، فأرته إياه، فأكل[31]. لكن ينبغي للإنسان أن لا يقطعه إلا لغرض صحيح.

(3) لو أفسد صوم النفل، فلا يجب عليه القضاء على الراجح، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة