التفريق بين الزوجين قضاءً:
هناك بعض الحالات يتدخل فيها القضاء لينظر في مصلحة الأسـرة، وقد يصل الأمر إلى التفريق بينهما، وفيما يلي تفصـيل لهذه الحالات:

أولًا: التفريق بسبب إعسار الزوج:
إذا أعسـر الزوج بحيث إنه لا يستطيع النفقة على أهله، فهل للزوجة أن تطالبه بالفسخ؟
اختلف العلماء في ذلك على عدة أقوال:
الأول: وهو مذهب الجمهور: أن لها حق الفسخ، ويجبر على الطلاق إذا لم ينفق عليها؛ لأن إمساكها مع الإعسار إضـرار بها، والله يقول: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ﴾ [البقرة:231]، ولما ثبت عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأمصار: «أن ادع فلانًا وفلانًا -ناسًا قد انقطعوا عن المدينة وخلوا منها- فإما أن يرجعوا إلى نسائهم، وإما أن يبعثوا إليهن بالنفقة، وإما أن يطلقوا ويبعثوا بنفقة ما مضـى»[1].
الثاني: يلزمها الصبر، وتتعلق النفقة بذمته[2]؛ لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ فرق بين رجل وامرأته بسبب الإعسار، ولأن أزواج النبي ﷺ لما سألنه النفقة قام أبو بكر إلى عائشة فوجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة فوجأ عنقها[3]، فلو كان الفسخ لهما وهما طالبتان للحق لم يقر النبي ﷺ الشـيخين على ما فعلا، ولقوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ﴾ [الطلاق:7].
وهذا ما ذهب إليه عطاء، والحسن البصـري، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الحنفية، وقول للشافعي.
الثالث: وهو ما ذهب إليه ابن حزم؛ أنها إذا كانت موسـرة وجبت النفقة عليها، أي أصبحت هي المكلفة بالنفقة (وهو قول ضعيف).
الرابع: قال ابن القيم رحمه الله:- (والذي تقتضـيه أصول الشـريعة وقواعدها في هذه المسألة أن الرجل إذا غرَّ المرأة بأنه ذو مال، فتزوجته على ذلك، فظهر معدمًا لا شـيء له، أو كان ذا مال وترك الإنفاق على امرأته، ولم تقدر على أخذ كفايتها من ماله بنفسها ولا بالحاكم؛ أن لها الفسخ، وإن تزوجته عالمة بعسـرته، أو كان موسـرًا ثم أصابته جائحة اجتاحت ماله، فلا فسخ لها في ذلك، ولم يزل الناس تصـيبهم الفاقة بعد اليسار، ولم ترفعهم أزواجهم إلى الحكام ليفرقوا بينهم وبينهن، وبالله التوفيق)[4].
ثانيًا: التفريق بسبب العيب:
تقدمت هذه المسألة بأدلتها في كتاب النكاح تحت عنوان: العيوب في النكاح[5].
ثالثًا: التفريق للضـرر:
المقصود بالضـرر: إلحاق مفسدة بالغير، فيدخل في ذلك سوء العشـرة بضـرب مبرح، أو سب مقذع، أو إعراض وهجر وامتناع عن الكلام، أو إكراه على فعل محرم، أو نهي عن أداء عبادة، وكذلك الحكم في المرأة السـيئة العِشـرة لزوجها؛ كخروجها عن طاعته، وامتناعها عن الاستجابة لرغباته، وإيذائها بمنكر القول بما لا تستقيم معها الحياة.
وقد اختلف العلماء في جواز التفريق بين الزوجين بمثل هذه الأضـرار.
(أ) فيرى بعضهم أنه لا يفرق بينهم؛ لأن الحياة الزوجية لا تخلو في العادة من ضـرر في الجملة، ولأن هذا الضـرر يمكن إزالته بغير التفريق، لكن إذا اشتد النزاع كان هناك التحكيم كما قال تعالى: ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾ [النساء:35] الآية، لكنهم يرون أن مهمة الحكمين الإصلاح، لا التفريق. وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد.
(ب) ويرى آخرون أنه للزوجة الحق في طلب التفريق، وأن مهمة الحكمين لا تقتصـر على الإصلاح، بل تتعداه إلى التفريق إذا اقتضـى الحال. وهذا مذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى عنه.
رابعًا: التفريق بسبب غياب الزوج:
إذا غاب الزوج عن زوجته، وانقطعت أخباره، ولا يعلم له موضع، ويغلب على الظن هلاكه؛ فالراجح في هذه المسألة إذا رفعت الزوجة أمرها إلى الحاكم: أن تتربص أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشـرًا، ثم إن شاءت أن تتزوج تزوجت؛ فقد ثبت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: فقدت امرأة زوجها، فمكثت أربع سنين، ثم ذكرت أمرها لعمر بن الخطاب، فأمرها أن تتربص أربع سنين من حين رفعت أمرها إليه، فإن جاء زوجها، وإلا تزوجت، فتزوجت بعد أن مضت السنوات الأربع ولم تسمع له بذكر، ثم جاء زوجها فأخبر بالخبر، فأتى إلى عمر، فقال له عمر: إن شئت رددنا إليك امرأتك، وإن شئت زوجناك غيرها؟ قال: بلى زوجني غيرها[6]. وفي رواية: «فخيره عمر بين الصداق وبين امرأته».
وعن سعيد بن المسـيب أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما قالا في امرأة المفقود: تتربص أربع سنين، وتعتد أربعة أشهر وعشـرًا[7].
ومما سبق يمكن أن نلخص أحكام امرأة المفقود فيما يلي:
(أ) تؤجل المرأة أربع سنين، على أن تبدأ هذه المدة من حين رفع أمرها للحاكم، ولا تحتسب من حين غيبته.
(ب) أنها بعد ذلك تعتد أربعة أشهر وعشـرًا.
(جـ) فإن قدم زوجها قبل أن تتزوج؛ سواء انتهت المدة، أو في خلال المدة؛ فهو أحق بها.
(د) وأما إن تزوجت ثم قدم زوجها، فهو بالخيار بين زوجته وبين الصداق، وقد ثبت ذلك عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وثبت في رواية أخرى عن عمر أنه بالخيار بين زوجته وبين أن يزوجه زوجة أخرى.
بقي بعد ذلك حكم نفقة امرأة المفقود،
فعن جابر بن زيد، عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، قالا جميعًا في امرأة المفقود: «تنتظر أربع سنين»، قال ابن عمر: «يُنفَق عليها من مال زوجها؛ لأنها حبست نفسها عليه»، قال ابن عباس: «إذًا يجحف ذلك بالورثة، ولكن تستدين؛ فإن جاء زوجها أخذت من ماله، فإن مات قضت من نصـيبها من الميراث»، ثم قالا جميعًا: «يُنفَق عليها بعد الأربع سنين أربعة أشهر وعشـرًا من جميع المال»[8].