حجم الخط:

محتوى الدرس (201)

انتفاع المرتهن بالرهن:

هل يحق للمرتهن أن ينتفع بالرهن؟

الجواب: يختلف هذا الحكم حسب اختلاف نوع الرهن، ويتبين ذلك فيما يلي:

الأول: ما لا يحتاج إلى مؤنة؛

كالدار والمتاع، فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن.

فإن أذن له الراهن، وكان ذلك الرهن من قرض، لم يجز؛ لأنه يصـير قرضًا جر نفعًا.

وإن أذن له في غير القرض؛ كأن يكون الرهن عن ثمن مبيع، فإن ذلك جائز.

فأما إن كان الانتفاع بعوض، مثل أن يستأجر المرتهن الدار من الراهن بأجرة مثلها من غير محاباة، فإن ذلك يجوز في القرض وغيره؛ لأن الانتفاع كان بسبب الإجارة وليس بسبب الرهن، وأما إن حاباه، فلا يجوز في القرض، ويجوز في غيره.

الثاني: ما يحتاج إلى مؤنة؛

[مدخل]

وأراد الانتفاع به بـإذن الراهن، فقد قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: (فحكم المرتهن في الانتفاع به؛ بعوض أو بغير عوض بإذن الراهن؛ كالقسم الذي قبله، وإن أذن له في الإنفاق والانتفاع بقدره، جاز؛ لأنه نوع معاوضة)[1]. اهـ.

وأما مع عدم الإذن؛ فإنه ينقسم إلى قسمين:

(أ) أن يكون محلوبًا ومركوبًا:

فقد نص الشـرع على أن للمرتهن ركوبه والشـرب من لبنه، في مقابلة نفقته عليه، يعني: سواء أذن له الراهن أم لم يأذن له؛ لأن النبي ﷺ قد أذن له في ذلك، وإذن الشـرع أقوى؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الظَّهرُ يرُكب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدابة يُشـرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يرَكب ويَشـرب النفقةُ»[2].

ويلاحظ في هذه الحالة أن يتحرَّى العدل فيما يتحصل عليه مقابل نفقته، فإن زاد النماء على نفقته، كانت الزيادة للراهن. ويلاحظ أيضًا أنه إذا كان متبرعًا بالنفقة، فإنه لا ينتفع بالرهن.

(ب) غير المحلوب والمركوب:

وهذا يتنوع نوعين؛ حيوان، وغير حيوان.

فأما الحيوان، فإنه لا ينتفع به، ونفقته عليه، فإن كان متبرعًا، فإنه لا يطلب من الراهن شـيئًا، وإن كان ينوي الرجوع على الراهن، فإن كان بإذن الراهن، طالبه بالنفقة، وإن لم يكن بإذنه، ففيه خلاف.

وأما غير الحيوان؛ كدار استهدمت فعمرها المرتهن، فإنه لا يرجع على المالك بشـيء؛ لأنه لم يأذن له، ويكون فعله تبرعًا.

تنبيه: إذا انتفع بالرهن بغير إذن الراهن، حُسب ذلك من دينه؛ لأن منافع الرهن ملك للراهن، وليس للمرتهن حق الانتفاع بها.

نماء الرهن:

نماء الرهن، أي: الزيادة الحاصلة فيه؛ سواء كانت متصلة (كأن تسمن الدابة أو تكبر)، أو كانت منفصلة عنه (كأن تلد الشاة)، أو كان الرهن بيتًا يؤجر، فكل ذلك يكون حقًّا للراهن، لكنه يضم إلى الرهن؛ لأن الفرع يتبع الأصل، وكذلك إذا حدثت جناية على الرهن فنقصت قيمته، فإن الراهن صاحب الرهن يأخذ أرش هذه الجناية من المعتدي، لكن يضم هذا الأرش إلى الرهن[3].

منافع الرهن والنفقة عليه:

منافع الرهن كلها لصاحب العين (الراهن)، وليس للمرتهن شـيء منها، إلا ركوب الدابة المرهونة أو الشـرب من لبنها نظير نفقته عليها.

وأما نفقة الرهن -غير الحيوان- فهي على راهنه؛ لأنه صاحبه. فإذا أنفق المرتهن على الرهن بإذن الحاكم مع غيبة الراهن وامتناعه، كان دينًا للمنفق على الراهن.

تصرف الراهن في الرهن:

الرهن ملك لصاحبه؛ يجوز له التصـرف فيه بإذن المرتهن، ببيع أو هبة أو صدقة أو وقف، أو غير ذلك من أنواع التصـرفات؛ شـريطة أن يكون عنده ما ينصف به غريمه ويقضـي ما عليه، فلا يكون تصـرفه في الرهن يضـر بالمرتهن أو يؤدي إلى نقص قيمة الرهن.

حكم الرهن إذا تلف (ضمان الرهن):

إذا تلف الرهن في يد المرتهن، فليس عليه أي ضمان، إلا أن يكون متعديًا عليه أو مضـيعًا له، فإن لم يكن كذلك، فلا ضمان عليه، ويظل حقه محفوظًا يجب على الراهن أداؤه.

وذلك لما ثبت في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يغلق الرهن، الرهن لمن رهنه؛ له غنمه وعليه غرمه»[4].

ومعنى «لا يَغلَق الرهن»، أي لا يستحقه المرتهن بالدين الذي عليه، و«الغرم»: هو الهلاك بلا منفعة، و«الغنم»: هو الزيادة الحاصلة له. فكما أن نماء الرهن للراهن، فكذلك هلاكه عليه.

إذا أدى بعض الحق:

الرهن وثيقة عند المرتهن حتى يؤدي الراهن جميع حقه، فإن أدى بعض الحق، فلا يرد عليه الرهن حتى يؤديه كله. قال ابن المنذر رحمه الله: (وأجمعوا أنه من رهن شـيئًا أو أشـياء بمال، فأدى بعض المال، وأراد بعض الرهن، أن ذلك ليس له، ولا يخرج من الرهن شـيء حتى يوفيه آخر حقه، أو يبرأ من ذلك)[5].

وعلى ذلك؛ إذا حلَّ الحق، لزم الراهنَ أن يوفي المرتهن حقه، فإن لم يوف، وكان قد (أذن للمرتهن في بيع الرهن)، باعه، ووفى الحق، وما فضَل من ثمنه فلمالكه، وإن كان أنقص من الدين، فعلى الراهن أن يوفيه الباقي. (وإن لم يأذن بالبيع) فإنه يطالب بالوفاء أو بيع الرهن، فإن فعل، وإلا ألزمه الحاكم بالوفاء أو البيع.

ويتفرع على أحكام الرهن ما يلي:

(1) إذا كان هناك غرماء آخرون، فهل يزاحمون المرتهن في الرهن عند بيعه؟

الجواب: لا يزاحمونه، فيقدم هو أولًا في أخذ حقه كاملًا، فإن فضل شـيء، رُدَّ الباقي على الغرماء على قدر ديونهم.

(2) إذا لم يؤد الراهن ما عليه، فليس للمرتهن أن يمتلك الرهن، وهو ما يعرف بـ«غَلَقِ الرهن»؛ لأن الرهن لاستيفاء الحق وليس للتمليك.

(3) قرر المجمع الفقهي أنه لا يحق للبائع الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، لكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده؛ لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة[6].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة