إحياء الموات
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بأحكام إحياء الموات

لغة: الإحياء: جعل الشـيء حيًّا، أي: ذا قوة حساسة أو نامية، و«المَوات»: ما لا روح فيه، أو الأرض التي لا مالك لها.
شـرعًا: إصلاح الأرض التي لا يملكها أحد، ولا ينتفع بها أحد، بحيث تكون صالحة للبناء أو الغرس، فتصـير بذلك ملكًا لمن أصلحها.
ثبتت مشـروعية إحياء الموات بالسنة النبوية:
(1) عن سعيد بن زيد رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لِعِرْقٍ ظالم حق»[1].
(2) قال ﷺ: «من أعمر أرضًا ليست لأحد فهو أحق بها»[2].
قال عروة: (قضـى بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته).
وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء، وإن اختلفوا في شـروطه.
وعلى هذا فقد رغب الشـرع في إحياء الموات؛ لحاجة الناس لذلك، ولتعمير الأرض، والانتفاع بثرواتها وخيراتها.
هناك أراضٍ اتفق الفقهاء على أنها تصلح للإحياء؛ وهي: كل أرض موات لم يملكها أحد، ولم يسبق أن أحياها أحد، وليست من المنافع العامة التي ينتفع بها الناس؛ كمسايل المياه، ومراح الرعي، والمصلى، ونحو ذلك.
وعلى هذا فكل أرض سبقت ملكيتها لأحد؛ بشـراء أو عطية، لم ينقطع ملكه عنها مهما تركها، فهي ملك لصاحبها ولورثته من بعده. واختلف الفقهاء في أنواع أخرى من الأرض، وبيانها فيما يلي:
(أ) ما مُلك بالإحياء، ثم تُرك حتى درس وعاد مواتًا مرة أخرى، فيرى الشافعية والحنابلة أنه لا يملك مرة أخرى بالإحياء؛ لأنه ورد في بعض الأحاديث: «من أحيا أرضًا ميتة ليست لأحد فهو أحق بها»[3]، وهذه قد ملكت بإحيائها أول مرة. ويرى الحنفية والمالكية جواز تملكها بالإحياء مرة أخرى؛ لعموم الأحاديث: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له».
والراجح: القول الأول؛ لأنها بإحيائها أصبحت لمالكها، فلا يجوز لأحد إحياؤها بعد ذلك.
(ب) ما يوجد في آثار ملك قديم من الجاهلية؛ كآثار الروم ومساكن ثمود؛ فإنه يُمْلَك بالإحياء في المذاهب الأربعة، وهناك رأي عند الشافعية أنه لا يملك؛ لأنه ليس بموات.
(جـ) ما ثبت ملكه في الإسلام لمسلم أو ذمي، ثم لم يعرف مالكه، فيرى الحنفية والمالكية أنه يملك بالإحياء، وقال الشافعية: هو مال ضائع، أمره إلى الحاكم في حفظه إلى ظهور مالكه، وعند الحنابلة أنه لا يملك بالإحياء، ويوزع في المصالح العامة.
والراجح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة؛ أنه لا يملك بالإحياء؛ لما ورد من القيد في الحديث السابق: «من أحيا أرضًا ليست لأحد»، وهذه قد علم أن لها مالكًا، وحيث إنه لا يعرف، فالمرجع في ذلك إلى الحاكم، والله أعلم.
(1) ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنه لا يشترط في صاحب الإحياء أن يكون مسلمًا، بل يجوز للمسلم والذمي؛ لعموم الحديث: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له»، ولم يشترط في ذلك كونه مسلمًا، وخالف في ذلك الشافعية فاشترطوا كونه مسلمًا.
(2) يشترط ألا تكون الأرض ملكًا لأحد؛ مسلمًا كان أو ذميًّا، ولم يكن قد أحياها أحد قبله، أو تكون الأرض من الخراب القديم كخراب عاد، وسواء في ذلك كانت الأرض قريبة من العمران أو بعيدة عنه.
(3) يشترط ألا تكون الأرض مستعملة ارتفاقًا لأهل البلدة؛ قريبة أو بعيدة عنها؛ كمرعى، ونادٍ، وطريق لبئر، وشوارع، وطرقات، وملقى للكناسة، ونحو ذلك.
(4) يرى جمهور العلماء عموم الحكم السابق إذا كانت في دار الإسلام أو في غيرها؛ لعموم الأحاديث: «من أحيا أرضًا فهي له»، وخص الشافعية ذلك في دار الإسلام.
الذي ذهب إليه أكثر الفقهاء أن مجرد الإحياء سبب للملكية، ولا يشترط في ذلك إذن الحاكم، وذهب بعضهم إلى أنه لا بد من إذن الحاكم.
قال الشـيخ ابن عثيمين: (وسبب اختلافهم: اختلافهم في فهم قول النبي ﷺ: «من أحيا أرضًاميتة فهي له»؛ هل هذا حكم تشـريعي أو حكم تنظيمي؟)[4].
ثم بيَّن أنه إذا كان تشـريعيًّا فلا يحتاج إلى إذن الحاكم، وإن كان تنظيميًّا احتاج إلى إذنه.
ثم قال: (في وقتنا الحاضـر، حسب ما نسمع، أن تقييد الإحياء بإذن الإمام أمر لا بد منه، يدخل في قسم الضـرورة مباشـرة في بعض المناطق، ويدخل في الحاجة والمصلحة في مناطق أخرى)[5].
مسألة: متى يحكم بإحياء الأرض؟
المرجع في ذلك إلى العرف؛ فما عده الناس إحياءً فهو إحياء؛ لأن كل ما أطلقه الشارع وليس له حد في الشـرع فمرجعه إلى العرف.
قال ابن حزم: (والإحياء هو: قلع ما فيها من عشب أو شجر أو نبات، بنية الإحياء، لا بنية أخذ العشب والاحتطاب فقط، أو جلب ماء إليها، من نهر أو من عين، أو حفر بئر فيها؛ لسقيها منه، أو حرثها، أو غرسها، أو تزبيلها، أو ما يقوم مقام التزبيل؛ من نقل تراب إليها، أو رماد، أو قلع حجارة)[6].
مسألة: ما الحكم إذا لم يحيِ الأرض؟
من أمسك أرضًا، فأحاطها ثم لم يعمرها، فالذي جرى عليه حكم عمر بن الخطاب أنه يسقط حقه بعد ثلاث سنين؛ فعن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال على المنبر: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين»؛ وذلك أن رجالًا كانوا يحتجرون ما لا يعملون[7].
مسألة: إذا أحيا أرض غيره دون علمه:
إذا أحيا الإنسان أرض غيره، ظنًّا منه أنها ليست لأحد، ثم ظهر أنها مملوكة، فالذي جرى عليه حكم عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، أن صاحب الحق بالخيار: إما أن يسترد من العامر أرضه ويعطيه أجرة عمله، وإما أن يحيل له الملكية ويأخذ ثمن الأرض[8].
خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بالإقطاع

هو جعل بعض الأراضـي الموات مختصة ببعض الأشخاص؛ أي: أن للإمام الحق في أن يعطي بعض الأراضـي الموات لمن يحييها؛ شـريطة ألَّا يكون ذلك محاباة وتعديًا.
عَنْ أسْمَاءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رضي الله عنها قالتْ: كُنْتُ أنْقُلُ النَّوَى مِنْ أرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أقْطَعَهُ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى رَأْسـي، وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ. وَقال أبُو ضَمْرَةَ: عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أبِيهِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقْطَعَ الزُّبَيْرَ أرْضاً مِنْ أمْوَالِ بَنِي النَّضـيرِ. متفق عليه.
وَعن وائل بن حجر أن النبي ﷺ أقطعه أرضًا بحضـرموت، وبعث معاوية ليقطعها إياه[9]. وثبت أن الخلفاء أقطعوا لأناس أراضـي.
قال أبو يوسف: (فقد جاءت هذه الآثار بأن النبي ﷺ أقطع أقوامًا، وأن الخلفاء من بعده أقطعوا، ورأى رسول الله ﷺ الصلاح فيما فعل من ذلك، إذ كان فيه تألُّف على الإسلام وعمارة للأرض، وكذلك الخلفاء إنما أقطعوا من رأوا أن له غناء في الإسلام، ونكاية للعدو، ورأوا أن الأفضل ما فعلوا، ولولا ذلك لم يأتوه، ولم يقطعوا حق مسلم ولا معاهد)[10].
مسألة: قال ابن حزم: (من خرج في أرضه معدن فضة، أو ذهب، أو نحاس، أو حديد، أو رصاص، أو قزدير، أو زئبق، أو ملح، أو شب، أو زرنيخ، أو كحل، أو ياقوت، أو زمرد، أو أي شـيء كان؛ فهو له، ويورث عنه، وله بيعه، ولا حق للإمام معه فيه، ولا لغيره، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأبي سليمان)[11].
إذا لم تتحقق المصلحة من إعمار الأرض، فللحاكم الحق في نزع الأرض ممن أخذها؛ لما ثبت عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ أقطع لأناس من مزينة أو جهينة أرضًا، فلم يعمروها، فجاء قوم فعمروها، فخاصمهم الجهنيون أو المزنيون إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: لو كانت مني أو من أبي بكر لرددتها، ولكنها قطيعة من رسول الله ﷺ، قال: «من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنين فلم يعمرها، فعمرها قوم آخرون، فهم أحق بها»[12].
وعن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه أن رسول الله ﷺ أقطعه العقيق أجمع، قال: فلما كان زمن عمر قال لبلال: إن رسول الله لم يقطعك لتَحجُره عن الناس، ما أقطعك إلا لتعمل، فخذ ما قدرت على عمارته ورد الباقي[13].
الإقطاع ثلاثة أقسام:
1- إقطاع يُقصد به تمليك الشخص أرضًا، أو عينًا، أو معدنًا.
2- إقطاع استغلال بأن يُقطِع الإمام من يرى في إقطاعه مصلحة لمدة معلومة.
3- إقطاع إرفاق، كأن يُقطِع الإمام الباعة الجلوس في الطرق الواسعة، والأسواق المزدحمة بأهل البيع والشـراء.
فكل هذه الأقسام جائزة، ولا يُقطِع الإمام كل فرد إلا الشـيء الذي يقدر على إحيائه؛ لأن في إقطاعه أكثر من ذلك تضـييقاً على الناس في حق مشترك بينهم، ولا يُقطِع ما تعلَّقت به مصالح المسلمين؛ كالملح، والنهر ونحوهما.
الحمى: أن يحمي الإمام مكانًا خاصًا لمصلحة المسلمين؛ كأن يحمي مرعىً لخيل المجاهدين، وإبل الصدقة، والماشـية الضعيفة، ومكان الملح، ويجوز للإمام حمى ما فيه مصلحة المسلمين، ولا يجوز الحمى لأحد سواه، ولا حمى الإمام لنفسه.
وما حماه النبي ﷺ فليس لأحد نقضه، ولا تغييره، ومن أحيا منه شـيئًا لم يملكه، وما حماه غيره من الأئمة لمصلحة المسلمين فلا يجوز نقضه إلا إذا زالت الحاجة إليه؛ ودليل ذلك:
1- قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب:36].
2- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «لا حِمَى إِلا لله وَلِرَسُولِهِ». وَقال: بَلَغَنَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ، وَأنَّ عُمَرَ حَمَى السـرفَ وَالرَّبَذَةَ[14].
هو حق عيني في عقار لمنفعة عقار آخر لغيره كإجراء الماء مع أرض الجار، أو المرور في أرض الغير ونحو ذلك، ويجب ألا يؤدي استعمال حق الارتفاق إلى الإضـرار بالغير، فلا يجوز للمار بأرض غيره إلحاق الأذى به. وحقوق الارتفاق نوعان:
1- الأملاك العامة؛ كالأنهار، والطرق، والجسور ونحوها مما لا يختص به أحد، فحق الارتفاق ثابت للناس جميعًا.
2- الأملاك الخاصة بفرد: ولا يثبت حق الارتفاق عليها إلا بإذن المالك.
حقوق الارتفاق تختلف بحسب حاجات الناس، وأشهرها: حق الشـرب، حق الطريق، حق المسـيل، حق التعلي، حق الجوار، حق المجرى، فهذه الأشـياء يثبت لكل أحد حق الارتفاق بها كل بحسبه. ويجب على الإمام الإنفاق على المرافق العامة من خزانة الدولة، تحقيقًا لمصلحة الناس، ودفعًا للضـرر عنهم. فإن لم يكن في بيت المال ما يُصلح به ما فسد منها أجبر الإمام الناس على إصلاحها؛ دفعًا للضـرر، على القادرين النفقة، وعلى غير القادرين العمل بأنفسهم، ونفقتهم على الأغنياء.
وتجب نفقات إصلاح المسـيل والمجرى على المنتفع به إذا كان في ملكه أو ملك غيره، فإن كان في أرض عامة فإصلاحه من بيت المال. و«المجرى»: مكان جلب الماء الصالح، و(المسـيل): مكان تصـريف الماء غير الصالح.