أحكام الوصـايـا

في اللغة: تطلق على العهد إلى الغير في القيام بفعل أمر، وتطلق على جعل المال للغير.
والوصـية شـرعًا: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع، سواء كان هذا الشـيء المملَّك عينًا، أو منفعة.
ويمكن تعريفها بأنها: تصـرف بعد موته، والتعريف بلفظ: (التصـرف) أشمل من التعريف بلفظ: (التمليك)؛ فهو يشمل ما إذا كان الموصـى به مالًا، أو منفعة، أو إسقاط دين ونحوه، ويشمل ما إذا كانت الوصـية لمعين؛ كأن يوصـي لفلان، أو لجهة؛ كأن يوصـي للفقراء مثلًا، ويشمل كذلك التصـرف بالحقوق؛ كأن يقول: الوصـي على أولادي الصغار فلان.
الوصـية مشـروعة بالكتاب والسنة والإجماع:
أما (الكتاب): فقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة:180]، وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ [النساء:12].
وأما (السنة): فقد ثبت من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قول النبي ﷺ له: «الثلث والثلث كثير»[1]؛ يعني: في الوصـية، وفي الحديث: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم»[2]. والأحاديث في الوصـية كثيرة ستأتي في بابها.
وأما (الإجماع): فقد أجمع العلماء على جواز الوصـية.
في الوصـية تمكين الإنسان من تحصـيل الثواب، وصلة الأرحام والأقارب، وسد حاجات الفقراء والمساكين، ونحو ذلك.
كانت الوصـية في بادئ الأمر واجبة للوالدين والأقربين؛ لقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ [البقرة:180]، ثم نسخت هذه الآية بآيات المواريث، وبقوله ﷺ: «إن الله أعطى لكل ذى حق حقه، فلا وصـية لوارث»[3].
ولذلك ذهب جمهور العلماء إلى أن الوصـية مستحبة، وحجتهم أنه لم ينقل عن كثير من الصحابة الوصـية؛ ولأنها نوع تبرع فلا تجب والتبرع غير واجب، ولأن الوصـية للوارث نسخت بآيات المواريث عند الجمهور، أو نسخت بحديث: «لا وصـية لوارث» عند بعض العلماء، فنُسخت هذه الآية في جملة معناها وأحكامها، ومن أحكامها: الوصـية للأقارب. قال ابن عبد البر رحمه الله-: (أجمعوا على أن الوصـية غير واجبة إلا طائفة شذت فأوجبتها)[4].
ويرى بعض العلماء أن الوصـية واجبة على كل من ترك مالًا؛ سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وهذا مذهب ابن حزم، وروي الوجوب عن ابن عمر، وطلحة، والزبير، وابن أبى أوفى رضي الله عنهم [5].
وذهب ابن عباس رضي الله عنهما إلى وجوب الوصـية للأقارب غير الوارثين[6]، أي: أنه يرى أن النسخ قد صار إلى الوارثين فقط، وأما غير الوارثين فيجب عليه أن يوصـي لهم، وهذا القول هو الراجح، وهو مذهب الزهري، والطبري، وقتادة، وغيرهم[7].
ولكن يمكننا أن نقسم الوصـية بمعناها الأعم من حيث الحكم الشـرعي إلى الآتي:
(أ) واجبة: كالوصـية للأقارب غير الوارثين، والوصـية برد الودائع والديون، وأداء الزكوات، ونحو ذلك.
(ب) مستحبة: كالوصـية للفقراء والمساكين، ولجهات البر؛ كالمساجد، والجمعيات الخيرية، والجهات الوقفية.
(جـ) مباحة: كما لو أوصـى بجميع ماله في وجوه البر، وهو لا وارث له.
(د) مكروهة: كما لو كان فقيرًا، أو له مال قليل، وورثته محتاجون؛ فيوصـي لغيرهم، فذلك مكروه لاحتياج ورثته إلى المال؛ لقوله ﷺ: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة»[8].
قدر المال الذي يمكنه الوصية فيه:
وقد اختلف السلف في مقدار المال الذي من الممكن أن يوصـي فيه؛ تبعًا لاختلافهم في تفسـير قوله تعالى: ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ أي: مالًا، فقد ثبت عن علي رضي الله عنه أن ستمائة درهم أو سبعمائة درهم ليس بمال، وعن ابن عباس: لا وصـية في ثمانمائة درهم[9].
والراجح: أن المرجع إلى العرف في تحديد هذا المال قلة وكثرة. قال ابن حجر: (وحاصله أنه أمر نسبي يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، والله أعلم)[10].
(هـ) حرام: كأن يوصـي للفسقة والكفرة، وكأن يوصـي لطباعة كتب الضلال والكفر والفسق، ووصـيته هذه غير نافذة.
ويحرم كذلك إذا أوصـى بما يزيد عن الثلث، أو إذا أوصـى لوارث، وتكون وصـيته في هذه الحالة متوقفة النفاذ على إجازة الورثة.
ومن الوصـية المحرمة: الإضـرار في الوصـية بالغير؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾ . قال ابن عباس: «الإضـرار في الوصـية من الكبائر»[11].
(1) تقدم أنه لا يجوز الوصـية لوارث، لكنه إذا أوصـى لغير الوارث المحجوب عن الميراث حين الوصـية لسبب ما، ثم صار وارثًا قبل موت الموصـي؛ بأن زال سبب الحجب، فهل تنفذ الوصـية؟ أي أنه: هل المعتبر في كونه غيرَ وارث: وقتُ الوصـية، أو وقتُ موت الموصـي؟
الجواب: المعتبر في ذلك حال الوفاة، لا حال الوصـية، فمثلًا: لو كان للرجل (الموصـي) ابن وأخ، فأوصـى لأخيه على اعتبار أن الابن سـيحجبه في الميراث، ثم مات الابن قبل الموصـي بطلت الوصـية؛ لأن الأخ في هذه الحالة سـيكون وارثًا.
(2) إذا أوصـى زيادة على الثلث فهل تنفذ وصـيته؟
الجواب: لا تنفذ إلا بإذن الورثة بغد موته. ولكن هل يجوز له هذه الوصـية؟
الجواب: لا يجوز، بل يحرم؛ لأنهم قد يجيزون وصـيته خجلًا وحياءً، ولأن النبي ﷺ نهى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن الزيادة عن الثلث، ولم يقل له: إلا أن يجيز الورثة. قال ابن حجر: (واستقر الإجماع على منع الوصـية بأزيد من الثلث)[12].
(3) لا عبرة بإجازة الورثة قبل موت الموصـي؛ لأنهم لم يملكوا المال بعد، فليس لهم التبرع، ولكن المعتبر في ذلك إجازتهم بعد موت الموصـي.
(4) يشترط في الوارث الذي يجيز أن يكون هو العاقل البالغ الرشـيد، وأما القُصـر فلا يُتَصـرفُ في حقهم، بل يحفظ لهم كاملًا حتى يبلغوا.
(5) اختلف العلماء في معنى قوله ﷺ: «الثلث، والثلث كثير»: فقيل: يحتمل أن يكون المعنى أن الثلث كثير وهو جائز، وإن كان الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه. وقيل: يحتمل أن المعنى لبيان أن الثلث كثير، أي: هو الأكمل، كثير أجره، وقيل غير ذلك.
والمعنى الأول هو المتبادر للفهم، وهو الذي فهمه ابن عباس رضي الله عنهما؛ فإنه كان يقول: لو غض الناس إلى الربع؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «الثلث والثلث كثير»[13].
(6) ذهب بعض العلماء أن منع الزيادة عن الثلث خاص بمن له وارث، أما من لا وارث له فيجوز له الزيادة؛ مستدلين بقوله: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء». وقال الحافظ: (وتعقب بأنه ليس تعليلًا محضًا، وإنما هو تنبيه على الأحظ الأنفع، ولو كان تعليلًا محضًا لاقتضـى جواز الوصـية بأكثر من الثلث لمن كانت ورثته أغنياء، ولنفذ ذلك عليهم بغير إجازتهم، ولا قائل بذلك)[14].
(7) اختلف العلماء: هل المعتبر في الثلث حال الوصـية، أو حال الوفاة؟
والراجح أن المعتبر حال الوفاة؛ فإذا أوصـى بشـيء معين من ماله على اعتبار أنه يساوى ثلث ما يملك، ثم نقصت أملاكه بحيث صار هذا الشـيء أكثر من الثلث، نفذت الوصـية في الثلث فقط، ورُدَّ الباقي على الورثة، إلا إذا أجازوه.
(8) واختلفوا: هل الثلث يؤخذ من جميع المال أو مما علمه الموصـى له فقط دون ما خفي عليه، وبالأول قال الجمهور، والثاني هو مذهب مالك.