حجم الخط:

محتوى الدرس (284)

كتاب الحدود

خريطة ذهنية لكتاب الحدود

جدول 152 كتاب الحدود

معنى الحدود:

لغة: الحدود جمع حد؛ وهو في اللغة: المنع، وسميت حدودًا؛ لأنها تمنع من ارتكاب أسبابها، أي: تمنع من المعاصـي.

واصطلاحًا: عقوبة مقدرة شـرعًا؛ سواء كانت حقًّا لله أو حقًّا للعبد.

وهذا تعريف جمهور العلماء[1]. وعليه، فالعقوبة غير المقدرة لا تسمى حدًّا بل هي تعزير.

الحكمة من تشريع الحدود:

قال ابن القيم: (من رحمة الله عز وجل أن شـرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض، في النفوس والأبدان والأعراض والأموال، بالقتل والجرح والقذف والسـرقة، فأحكم عز وجل وجوهَ الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غايةَ الإحكام، وشـرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع)[2].

ففي الحدود زجر الناس وردعُهم عن اقتراف الجرائم، وصـيانة المجتمع من الفساد، والتطهر من الذنوب.

ومن حكمة في إقامة الحدود أيضًا أنها كفارات؛ لما ثبت في الحديث: «فمن أصاب من ذلك شـيئًا، فعوقب به في الدنيا؛ كان كفارة له»[3].

حكم إقامة الحدود:

إقامة الحدود واجبة بالكتاب والسنة والإجماع:

فأما (الكتاب): فقوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور:2]. وقال تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ عز وجل [المائدة:38]، وغير ذلك من الآيات.

وأما (السنة): فعن عائشة رضي الله عنها أن قريشًا أهمَّهم شأن المرأة المخزومية التي سـرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حِبُّ رسول الله ﷺ؟ فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ: «أتشفع في حد من حدود الله؟ إنهم كانوا إذا سـرق فيهم الشـريف تركوه، وإذا سـرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايمُ اللهِ لو أن فاطمة بنت محمد سـرقت لقطعت يدها»[4]. وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومةُ لائم»[5].

المسؤول عن إقامة الحدود:

خاطب الله المؤمنين بإقامة الحدود، وبيَّنت السنة العملية أن الحدود في زمن النبي ﷺ لم تقم إلا بإذنه، وكذلك في زمن الخلفاء رضي الله عنهم؛ فدل على أن إقامة الحدود إنما تكون بإذن الحاكم.

وأيضًا لو تُرك الأمر إلى آحاد الناس لانتشـرت الفتنة، ووقع الظلم في استيفاء الحدود؛ فتبين بهذا أنه لا بد أن تكون إقامتها من السلطان أو من ينيبه؛ لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ أناب في إقامة الحد؛ فمن ذلك قوله لأنيس: «واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»[6].

ولكن اختلف العلماء: هل يقيم الرجل الحد على عبده وأمته؟

فالذي ذهب إليه جمهور العلماء -خلافًا للحنفية- أنه يجوز للسـيد إقامة الحد عليهما؛ لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد ولا يثرِّب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين له زناها فليَبِعْها ولو بحبل من شعر»[7]. ومعنى «لا يُثرِّب»: التثريب: التوبيخ والتقريع.

وعن نافع «أن ابن عمر رضي الله عنهما قطع يد غلام له (يعني: عبدًا) سـرق، وجلد عبدًا له زنا، من غير أن يرفعهما إلى الوالي»[8].

قال الشـيخ ابن عثيمين: (والإقامة -يعني: إقامة الحد- لا بد أن يكون لها نية، ويجب على الإمام أيضًا، ومن الآداب أن ينوي بإقامة الحد أمورًا ثلاثة: أولًا: الامتثال لأمر الله في إقامة الحدود، ولا ينوي بذلك التشفي. ثانيًا: ينوى رفع الفساد. ثالثًا: إصلاح الخلق)[9].

طريقة إقامة الحد ومكانه:

أما عن مكان إقامة الحد:

فيجوز أن تقام الحدود في أي مكان عدا المسجد؛ لما في الحديث عن حكيم بن حزام رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ نهى عن إقامة الحد في المساجد»[10]، ولأن المساجد إنما بُنيت للذكر والطاعة، وليس لإقامة الحدود، ولأنه إذا أقيمت الحدود فيها حصل بذلك أذى بالصـراخ ومحاولة الهرب، وربما تلفظ بكلام لا ينبغي ولا يليق بالمسجد.

وأما عن كيفية إقامة الحد:

فالحد يقام على الإنسان وهو قائم، لا قاعدًا ولا منبطحًا، ويشهد إقامتَه جماعةٌ من المؤمنين أقلهم ثلاثة، ويكون الضـرب بالسوط -يعني: لا يضـرب بحديد أو مطرقة ونحو ذلك- وأن يكون السوط متوسطًا، لا جديدًا ولا خَلقًا، ولا يجرد من ثيابه، بل يكون عليه قميص أو قميصان، إلا إذا وجد في ثيابه ما يمنع تأثير الضـرب؛ مثل أن يلبس شـيئًا عليه فروة أو يكون مجلدًا بجلد فينزع عنه، ولا يشترط في السوط أن يكون من جلد، ولا يبالغ في ضـربه فيشق بها جلده فهذا حرام؛ لأن المقصود أن يذوق ألم الضـرب ليؤدب فقط، ويفرق الضـرب على البدن، ولا يكون في مكان واحد، ويتجنب ضـرب الرأس والوجه والفرج والمَقاتل؛ مثل (الكبد أو الكُليتين أو الحلق). والمرأة كالرجل في إقامة الحد، إلا أنها تضـرب جالسة، ويشد عليها ثيابها، وتمسك يدها حتى لا تتكشف.

مسألة: هل يجوز أن يقام الحد في الحرم؟

الجواب: أما من ارتكب المعصـية داخل الحرم، فلا خلاف في جواز إقامة الحد عليه في الحرم؛ سواء كان حرم مكة أو المدينة. ولكن الخلاف فيمن ارتكب المعصـية خارج الحرم ثم لجأ إليه، فذهب الجمهور إلى أنه لا يقام عليه الحد في الحرم، بل يضـيق عليه حتى يخرج فيستوفى منه الحد، وذهب المالكية والشافعية إلى جواز استيفاء الحد منه في الحرم.

مسألة: ما الحكم لو مات في الحد؟

إذا أقيم على العاصـي الحد فمات فلا ضمان؛ لأن من قُتِل بحق فليس بمظلوم، شـريطة ألا يكون هناك تجاوز في إقامة الحد؛ كأن يضـربه أكثر من عدد الضـربات، أو يضـربه بحديد؛ فإنه يضمن، أى: تدفع الدية لأوليائه.

فضل إقامة الحدود:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَحَدٌّ يقام في الأرض خير لهم من أن يُمطَروا أربعين صباحًا»[11].

شروط إقامة الحد:

يشترط لإقامة الحد أن يتوفر في العاصـي ما يلي:

(1) البلوغ والعقل، فلا يقام الحد على الصبي، ولا على المجنون؛ لأن القلم مرفوع عنهما.

(2) أن يكون مختارًا غير مكره؛ لما ثبت في الحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسـيان وما استكرهوا عليه»[12].

(3) العلم بالتحريم فيما يقام عليه الحد فيه، فإن ادَّعى أنه لا يعلم أن ذلك حرام؛ فإن كان كلامه يحتمل الصدق -كأن يكون نشأ في بادية بعيدة عن بلاد المسلمين- لم نقم عليه الحد، وإن كان ذلك لا يحتمل صدقه، لم يلتفت إلى كلامه.

مسقطات الحدود:

يسقط الحد ولا يقام على المتهم في الحالات الآتية:

(1) رجوعه عن الإقرار: وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، ورواية عن مالك؛ لما ثبت في حديث ماعز أنه لما جاء إلى النبي ﷺ مقرًّا بالزنا قال له النبي ﷺ: «أبك جنون؟»[13] أي: أن النبي ﷺ لقنه الرجوع، فلم يرجع، فلو لم يكن لذلك فائدة لما لقنه النبي ﷺ ذلك، ولأنه لما رجع عن إقراره أورث ذلك شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.

وذهب أبو ثور، ورواية عن الإمام مالك والشافعي وهو مذهب الظاهرية بأن الرجوع عن الإقرار لا يسقط الحد؛ لأنه شهد على نفسه بالذنب، فلا يمكن أن يرجع عن ذلك الوصف، وأجابوا عن الحديث بأن النبي ﷺ أراد أن يستثبت عن حقيقة الإقرار، لا أنه لقنه الرجوع عن الإقرار.

(2) الشبهة: وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء؛ أن الحدود تدرأ وتسقط بالشبهة، وقد ورد في ذلك حديثان ولكن بأسانيد ضعيفة، إلا أن العلماء تلقوا هذا الحكم بالقبول، وعمل به الصحابة رضي الله عنهم؛ فعن ابن مسعود قال: «ادرؤوا الجلد عن المسلمين ما استطعتم»[14].

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «لأن أعطل الحدود بالشبهات أحبُّ إليَّ من أن أقيمها في الشبهات»[15]. ومما يؤكد أن الحد لا يقام إلا ببينة: حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ لاعَنَ بين العجلاني وامرأته، فقال شداد بن الهاد: هي المرأة التي قال رسول الله ﷺ: «لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتها»؟ قال: لا، تلك امرأة أعلنت[16]. والمقصود أن النبي ﷺ لم يقم الحد على هذه المرأة التي أعلنت - يعني اشتهر أمرها بالسوء - لكن لم تثبت البينة مع وجود قرائن تدل على زناها، وما منعه من ذلك إلا الشبهة.

وسوف نتكلم في الفصول الآتية عن الحدود المقررة في أحكام الشـريعة؛ وهي:

أولًا: حد الزنا.

ثانيًا: حد القذف.

ثالثًا: حد السـرقة.

رابعًا: حد شـرب الخمر.

خامسًا: حد الحرابة.

سادسًا: حد الردة.

ثم بعد ذلك نتكلم عن أحكام التعزيرات.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة