حجم الخط:

محتوى الدرس (32)

رابعًا: ستر العورة:

خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بشرط ستر العورة

21- شروط ستر العورة

(أ) معنى العورة:

قال أهل اللغة: سميت العورة بذلك لقبح ظهورها، ولغض الأبصار عنها، مأخوذة من العور، وهو النقص والعيب والقبح، ومنه عور العين، والكلمة العوراء: القبيحة.

واعلم أن العورة قسمان: (عورة النظر) التي يحرم إبداؤها أمام الناس، و(عورة الصلاة)، والأفضل أن تسمى (زينة الصلاة). وسوف نبين ذلك إن شاء الله تعالى.

(ب) حكم ستر العورة:

ستر العورة عن النظر واجب بالإجماع.

والراجح وجوب سترها أيضًا في الخلوة، وقد ذم الله المشـركين؛ لأنهم كانوا يطوفون عراة؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف:28]. قال ابن عباس: كانوا يطوفون بالبيت عُراة.

وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك»، قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها»، قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: «الله أحق أن يُستحيا منه من الناس»[1].

ويجوز كشف العورة للحاجة والضـرورة؛ كحالة الاغتسال في الخلوة، ووقت قضاء الحاجة، وإفضاء الرجل إلى أهله، وللطبيب والشاهد والحاكم. لكن يراعى للمرأة عند كشفها ألا تكشفها أمام الطبيب إلا إذا لم تجد طبيبة امرأة، واضطرت للطبيب الرجل، مع أمن الخلوة، وأن يكون التكشف على قدر الحاجة.

(جـ) حد العورة:

أولًا: عورة الرجل:

اختلف العلماء في عورة الرجل، وذلك بعد اتفاقهم على أن السوأتين (القبل والدبر) عورة، ولكنهم اختلفوا هل الفخذان عورة أم لا؟

فذهب فريق من العلماء إلى أنهما ليسا بعورة، واستدلوا على ذلك بأحاديث: منها حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله كان جالسًا كاشفًا عن فخذه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا، قلت: يا رسول الله، استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك؟ فقال: «يا عائشة، ألا أستحي من رجل والله إن الملائكة لتستحي منه»[2]. وعن أنس رضي الله عنه: «أن النبي يوم خيبر حسـر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذه»[3].

وذهب فريق آخر من العلماء إلى أن الفخذين عورة، وهو الأرجح؛ وذلك لحديث محمد ابن جحش قال: مر رسول الله على معمر وفخذاه مكشوفتان، فقال: «يا معمر غط فخذك فإن الفخذين عورة»[4]. وهذا مذهب الأئمة الأربعة. وقد ذهب البخاري إلى أن العمل بحديث جرهد أحوط. ورجح الشوكاني أدلة القائلين بالوجوب؛ لأن الأحاديث التي بها كشف العورة في قضايا خاصة لا تحمل على العموم، ثم إنها أحاديث فعل، وحديث جرهد قول، وأنه إذا تعارض القول والفعل قدم القول. هذا، وقد قسم بعضهم عورة الرجل إلى (مغلظة) وهي القبل والدبر، و (مخففة) وهي الفخذان.

وأما السـرة والركبة فليستا من العورة، وقد وردت في ذلك أحاديث لا يخلو كل منها من مقال، ومما يستدل به على أن الركبة ليست من العورة حديث أبي الدرداء قال: كنت جالسًا عند النبي إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي : «أما صاحبكم فقد غامر، فسلم»[5]، والحجة منه أن النبي أقره على كشف الركبة ولم ينكر عليه. ومنها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: «ما بين السـرة والركبة عورة»[6].

ثانيًا: عورة المرأة:

ثبت في الحديث: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشـرفها الشـيطان»[7] وقد اختلف العلماء في عورة المرأة أمام الأجانب على قولين: فمنهم من يرى أن جميع بدن المرأة عورة إلا الوجه والكفين، ومنهم من يرى أن جميع بدن المرأة عورة ويجب عليها تغطية الوجه والكفين، وهو الراجح من حيث الأدلة[8]، وهو ما ذهب إليه ابن تيمية وابن عثيمين وابن باز رحمهم الله، وقد صنفت في ذلك رسالة: تذكير أولات الألباب بما ورد في فضل الحجاب والنقاب.

وأما أمام محارمها وأمام النساء مثلها، فلها أن تكشف عن مواضع الزينة الظاهرة؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31].

فيجوز للمرأة أن تكشف أمام من ذكروا في الآية عن مواضع الزينة؛ كالعنق والساعدين والقدمين، ولا يجوز لها أن تكشف عن صدرها وظهرها وفخذها ونحو ذلك أمامهم.

(د) زينة الرجل والمرأة في الصلاة:

تكلمنا عن حكم عورة الرجل والمرأة من حيث النظر، وأما حكمها في الصلاة: فذهب جمهور العلماء إلى أن (ستر العورة شـرط في صحة الصلاة).

وقال بعض أصحاب مالك: (ستر العورة واجب وليس بشـرط)، وهذا ما رجحه الشوكاني في (نيل الأوطار).

وقال أكثر المالكية: السترة شـرط مع الذِّكْرِ والقدرة عليها، فإن عجز أو نسـي الستر صحَّت صلاته.

قلت: وأصـرح دليل على الشـرطية قوله : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»[9]. والمقصود بالحائض أي: التي بلغت المحيض.

واعلم أن العلماء أطلقوا في هذا الباب: (ستر العورة)، ولكن الأولى أن يقال: (لباس الصلاة)، أو (زينة الصلاة)؛ لقوله تعالى: ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31]، ولأن الستر المأمور به في الصلاة يختلف عن عورة النظر، وقد تقدم الكلام على عورة النظر، وأما زينة الصلاة فهي على النحو الآتي:

أولًا: بالنسبة للرجل:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شـيء»[10]. «والعاتق»: ما بين المنكبين إلى أصل العنق (وهو المعروف بالكتف).

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي قال: «إذا صليت في ثوب واحد؛ فإن كان واسعًا فالتَحِفْ به، وإن كان ضـيقًا فاتزِرْ به»[11]. وعلى هذا فإنه يجوز للرجل أن يصلي في ثوب واحد، وهذا الثوب إن كان واسعًا جعل طرفيه على عاتقيه ملتحفًا به، وإن كان ضـيقًا جعله إزارًا فقط أي شده على وسطه.

ولكن الأفضل للرجل أن يصلي في ثوبين: أحدهما يغطى عورته، والثاني يكون على أعاليه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن سائلًا سأل النبي عن الصلاة في ثوب واحد؟ فقال: «أوَلكلكم ثوبان؟»[12]، وزاد البخاري في رواية: «ثم سأل رجل عمر؛ فقال: إذا وسع الله فأوسعوا، جمع رجلٌ عليه ثيابه، صلى رجلٌ في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقَباء، في سـراويلَ وقميص، في سـراويل وقباء، في تبان وقباء، في تُبان وقميص». ومعنى «التبان»: السـراويل القصـيرة.

ثانيًا: بالنسبة للمرأة:

قال رسول الله : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»[13]، فيشترط لها أن تستر بدنها في الصلاة عدا الوجه والكفين على رأي جمهور العلماء. ويكفيها في ذلك الدرع -وهو الجلباب- والخمار. ورجح شـيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا جواز كشف القدمين، واختاره صاحب الإنصاف، وحجتهم في ذلك أن المرأة إنما أمرت بالتجلبب إذا خرجت من بيتها، ولم يأت نص يأمرها به إذا كانت في بيتها حتى لو كان ذلك للصلاة، فصح أنها تصلي بملابس بيتها، وغالبًا ما تكون النساء كاشفات الأقدام، ولم يؤمرن بتغطيتهن في الصلاة بخلاف شعرها وعنقها؛ فقد أمرت بالخمار الذي يغطي ذلك منها، كما تقدم في الحديث السابق.

روى عبد الرزاق -بسند صحيح- عن أم الحسن قالت: «رأيت أم سلمة زوج النبي تصلي في درع وخمار»، وروى مالك في الموطأ (1/160). عن عبيد الله الخولاني -وكان يتيمًا في حجر ميمونة- «أن ميمونة كانت تصلي في الدرع والخمار ليس عليه إزار»، وسنده صحيح.

ولكن الأفضل للمرأة أن تصلي في «خمار» (يستر رأسها)، و«درع» (يستر بدنها)، ثم «ملحفة» من رأسها فوق الخمار والدرع؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة»[14].

ملاحظات:

(1) من شـروط الستر أن يحول بين الناظر ولونِ البشـرة، فلا يكفي ثوبٌ رقيق يُرى من ورائه سوادُ البشـرة أو بياضُها.

(2) الصلاة في البنطال للرجال فيه كراهة شديدة، وتزداد هذه الكراهة إذا كان ضـيقًا يجسم البشـرة، وأما صلاة المرأة في البنطال ففيه سوء أدب مع الله؛ لأن فيه تشبهًا بالرجال، وقد علمت أن رسول الله لعن المتشبهات من النساء بالرجال، وكيف لا تنهاها صلاتها عن الفحشاء والمنكر بهذا التبرج الذي ابتليت به بلاد الإسلام؟ وينبغي للمصلي أن يتخلق بالأخلاق والآداب التي تكون أدعى لقبول العمل؛ إذ إن هناك فرقًا بين صحة العمل من الناحية الفقهية، وقبوله عند الله، فرُب عملٍ يقع صحيحًا لكنه غير مقبول لعدم مراعاة تقوى الله عز وجل.

هذا وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الثياب إذا كانت محرمة فإن الصلاة تكون باطلة. وهو رأي الظاهرية والحنابلة. والله أعلم.

(3) قال صاحب المهذب: (والمستحب - للمرأة - أن تكثف جلبابها حتى لا يصف أعضاءها، وتجافي الملحفة عنها في الركوع والسجود حتى لا تصف ثيابها)[15]، والمقصود أن يكون ثوبها كثيفًا لا يصف أعضاءها.

(4) تصح الصلاة من الرجل وهو حاسـر الرأس، ولكن الأفضل أن يلبس العمامة لكمال الزينة.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة