صـلاة الاستسقاء
لغة: طلب سقي الماء من الغير.
وشـرعًا: طلب السقي من الله عند حصول الجدب على وجه مخصوص.
سنة مؤكدة.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه. قالت عائشة رضي الله عنها فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله عز وجل، ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان[1] زمانه عنكم، وقد أمركم الله عز وجل أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم»، ثم قال: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله، يفعل الله ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين»، ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله تعالى سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله تعالى، فلم يأت مسجده حتى سالت السـيول، فلما رأى سـرعتهم إلى السكن ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: «أشهد أن الله على كل شـيء قدير، وأني عبد الله ورسوله»[2].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، وسئل عن الصلاة في الاستسقاء، قال: «خرج رسول الله ﷺ متبذلًا، متواضعًا، متضـرعًا حتى أتى المصلى فرقي المنبر، ولم يخطب خطبكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضـرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي العيد»[3]. ومعنى «التبذل»: ترك التزين بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع.
ومما تقدم يمكن أن نُلَخِّص صلاة الاستسقاء على النحو الآتي:
(1) يَعِدُ الإمام الناس بالخروج إلى المصلى خارج البلد، ويأمر بإخراج المنبر إلى المصلى.
(2) يخرج الناس في اليوم المحدد إلى المصلى لأداء الصلاة جماعة، ويستحب أن يكون ذلك عند طلوع الشمس مثل صلاة العيد.
(3) صفة خروجهم للمصلى: أن يكون كل واحد منهم (متبذلًا) أي: لابسًا الثياب البذلة، تاركًا ثياب الزينة تواضعًا لله عز وجل، وأن يكون (متخشعًا) أي: مظهرًا للخشوع، (متضـرعًا) أي: مظهرًا للضـراعة؛ وهي التذلل عند طلب الحاجة.
(4) يصعد الإمام في المنبر، فيثني على الله، ويذكره ويكبره، ويكثر من الدعاء والتضـرع والتكبير، ويرفع يديه، ويحول إلى الناس ظهره، ويحول رداءه.
(5) ثم يصلي ركعتين كما يصلي صلاة العيد، والظاهر أنه يكبر فيها كتكبير العيدين، وهو مذهب الشافعي، ولكن ذهب الجمهور أنه لا تكبير فيهما، والراجح ما ذهب إليه المذهب الشافعي.
أ- اختلف العلماء هل يبدأ بالخطبة أو بالصلاة؛ فالذي عليه الجمهور أنه يبدأ بالصلاة كالعيدين، وقد ثبت التصـريح بذلك في حديث عبد الله بن زيد عند أحمد. والراجح جواز التقديم والتأخير؛ فقد ثبت في حديث ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم أنه خطب، ثم صلى، وفي حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنهما أنه صلى ثم خطب.
ب- صفة رفع اليدين في الدعاء: عن أنس رضي الله عنه أنه رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه[4]، وعند مسلم: «إن رسول الله ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء»، ولأبي داود: «كان يستسقي هكذا؛ ومد يديه، وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه». وهذا كله يدل على أنه بالغ في رفع يديه إلى أعلى حتى كانت بطونهما إلى الأرض وظهورهما إلى السماء، وحتى يرى بياض إبطيه، ويستقبل القبلة.
ج- صفة تحويل الرداء: وذلك بأن يجعل ما على يمينه على يساره، وما على يساره على يمينه. قال العلماء: والحكمة في ذلك التفاؤل بتحول الحال. وأما وقت تحويل الرداء: فيكون ذلك حين يستقبل القبلة؛ لما ورد عن عبد الله بن زيد المازني رحمه الله قال: «خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى، فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة»[5].
د- والسنة أن يجهر بالقراءة في الصلاة؛ لما ثبت في الحديث عن عباد بن تميم عن عمه رضي الله عنه: «أن النبي ﷺ استسقى، فصلى ركعتين، وجهر بالقراءة»[6].
هـ- ماذا يقرأ في الصلاة؟ لم يرد في ذلك حديث صحيح، لكن يفهم من قوله: «كان يصلي كالعيد» أن يقرأ فيهما ما يقرأ في صلاة العيد، وكذلك يستفاد منه التكبير في الصلاة كتكبيرات العيد.
و- ليس لصلاة الاستسقاء أذان ولا إقامة ولا نداء؛ كصلاة العيد تمامًا، بخلاف الكسوف فهي فقط التي ينادى لها: «الصلاة جامعة».
ز- هل يرقى الإمام المنبر؟ الظاهر جواز ذلك؛ لما تقدم من حديثي عائشة وابن عباس.
ورد بعض الأدعية في الاستسقاء نذكرها:
فمنها: «اللهم اسقنا غيثًا مُغيثًا مريئًا مَريعًا طبقًا غدقًا عاجلًا غير رائث»[7]. و«الغيث»: هو المطر، و«مغيثًا» هو المنقذ من الشدة، و«مريئًا» أي محمود العاقبة، و«مريعًا» أي يأتي بالريع وهو الزيادة والخصب، ويُروى هذا اللفظ «مربعًا» بالباء ومعناه منبتًا، ومعنى «طبقًا» أي عامًّا أي يعم البلاد بالخير، و«الغدق»: الماء الكثير، و«الرائث»: المبطئ.
ومنها: «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله، لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغًا إلى حين»[8].
ومنها: كان رسول الله ﷺ إذا استسقى قال: «اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشـر رحمتك، وأحي بلدك الميت»[9].
ومنها: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا»[10].
فإذا نزل المطر استحب أن يدعو بما يلى: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى المطر قال: «اللهم صـيبًا نافعًا»[11]. وعن أنس رضي الله عنه قال: أصابنا، ونحن مع رسول الله ﷺ؛ مطر، قال: فحسـر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: لم صنعت هذا؟ قال: «لأنه حديث عهد بربه»[12].
فإذا كثر المطر، وسالت السيول، وخشي منه الهلكة، يدعو بما يلي:
«اللهم حَوالَينا ولا علينا، اللهم على الآكام، والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر»[13]. «والآكام» جمع أكمة وهي التراب المجتمع، وقيل: الهضبة الضخمة، وقيل: الجبل الصغير. و«الظراب»: جمع ظَرِب وهو الجبل المنبسط ليس بالعالي.
وردت طرق أخرى للاستسقاء خلاف ما سبق:
منها: أن تندرج خطبة الاستسقاء وصلاتها في صلاة الجمعة، إذا اتفق وقوع الاستسقاء يوم الجمعة؛ عن أنس رضي الله عنه أن رجلًا دخل المسجد يوم جمعة من باب نحو دار القضاء، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائمًا، ثم قال: يا رسول الله؛ هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنًا»، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشـرت، ثم أمطرت، قال: لا والله ما رأينا الشمس سبتًا. قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله: هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر»، قال: فانقطعت وخرجنا نمشـى[14]. و«سَلْع»: اسم جبل معروف، و«قَزَعة»: السحاب المتفرق، و«الترس»: المستدير.
وعلى هذا فيكتفي بالدعاء في خطبة الجمعة، ويرفع يديه ويرفع الناس أيديهم مع الإمام يدعون، فقد ورد ذلك في إحدى روايات البخاري[15]. وليس في هذه الحالة أن يتحول الإمام عن الناس ولا أن يحوِّل رداءه.
ومن أنواع الاستسقاء أيضًا: أن يدعو دعاءً مجردًا، في غير يوم الجمعة، وبدون صلاة في المسجد أو خارجه؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أَتَتِ النبي ﷺ بَوَاكي فقال: «اللهم اسقنا غيثًا مريئًا مريعًا، نافعًا غير ضار، عاجلًا غير آجل»، قال: فأطبقت عليهم السماء[16].
أولًا: اعلم -رحمك الله- أن من أسباب منع المطر عن الناس معاصـيهم لله عز وجل؛ بنقص المكيال والميزان، وبمنعهم زكاة أموالهم؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله ﷺ: «يا معشـر المهاجرين: خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم»[17]. لكنه حديث ضعيف، والمعنى العام منه صحيح لأن العقوبات تحل على الناس بسبب معاصـيهم كما قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾ [الروم:41].
ثانيًا: اعلم -رحمك الله- أنه يستحب أن يُقدِّم الناسُ للدعاء أهلَ الصلاح والتقوى والخير؛ فعن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون»[18]. وليس المقصود بذلك التوسل إلى الله عز وجل بذات الشخص أو جاهه، كما يتعلق بذلك كثير ممن لا يحسنون فهم الحديث، وإنما التوسل المقصود هو طلب الدعاء منه، ودليل ذلك من وجوه:
(1) أن الإمام البخاري رحمه الله أورد هذا الحديث في صحيحه، تحت «باب: سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا».
(2) قول عمر: «كنا نتوسل إليك بنبينا» يفهم من خلال توسلهم به ﷺ للاستسقاء، والأحاديث واردة في الصحيحين والسنن وغيرها كلها تدل على أنهم طلبوا منه الدعاء، ولم يتوسلوا بذاته ولا بجاهه.
(3) أنه ورد في خارج الصحيح: أن العباس رضي الله عنه قال: «فدعا» لما استسقى به عمر، ففهمنا من ذلك أن التوسل به المقصود منه الدعاء[19].
(4) أنه لو كان التوسل بالذات والجاه جائزًا، ما عدلوا عن توسلهم بالنبي ﷺ إلى العباس ولا غيره.
تنبيه: صنف شـيخنا محمد ناصـر الدين الألباني رحمه الله مصنفًا جامعًا في (التوسل) أجاد فيه وأفاد، كما هي عادته رحمه الله في مصنفاته.