حجم الخط:

محتوى الدرس (72)

ويتعلق بذلك مسائل:

منها: يجوز الكلام قبل شـروع الإمام في الخطبة (أي حال جلوسه على المنبر)؛ وذلك لما ثبت أنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة، وعمر جالس على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام عمر، فلم يتكلم أحد حتى يقضـي الخطبتين كلتيهما، فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلَّموا[1]، ولما تقدم من حديث سلمان رضي الله عنه: «وينصت للإمام إذا تكلم»، فقيَّد الإنصات بحال الخطبة فقط، وأما قبل ذلك فلم ينص الحديث عليه.

ومنها: اختلفوا في الكلام بعد الخطبة وقبل الصلاة؛ فذهب بعضهم إلى جوازه، وذهب أبو حنيفة إلى كراهته. قال الشوكاني رحمه الله: (ومما يُرَجِّح ترك الكلام بين الخطبة والصلاة الأحاديث الواردة في الإنصات حتى تنقضـي الصلاة، كما عند النسائي بإسناد جيد من حديث سلمان بلفظ: «فينصت حتى يقضـي صلاته»، وروى أحمد بـإسناد صحيح من حديث نبيشة بلفظ: «فاستمع وأنصت حتى يقضـي الإمام جمعته وكلامه»)[2].

وأما من أجاز الكلام: فحجته ما ثبت من حديث أنس رضي الله عنه: «كان رسول الله ﷺ ينزل من المنبر يوم الجمعة، فيكلِّمه الرجل في الحاجة، فيكلِّمه، ثم يتقدَّم إلى مصلَّاه فيصلِّي»[3].

قلت: لكن ليس فيه دليل لمطلق الكلام؛ لأن الكلام هنا مع الإمام، وهو جائز.

ومنها: جواز تكليم الخطيب بعض المصلين وتكليمهم له، إذا كان هناك مصلحة، أو حاجة للكلام. قال ابن القيم رحمه الله: (وكان يقطع خطبته للحاجة تعرض، أو السؤال من أحد من أصحابه، فيجيبه، ثم يعود إلى خطبته فيتمها، وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة، ثم يعود فيتمها؛ كما نزل لأخذ الحسن والحسـين رضي الله عنهما، فأخذهما ثم رقي بهما المنبر فأتم خطبته، وكان يدعو الرجل في خطبته: تعال يا فلان، اجلس يا فلان، صل يا فلان، وكان يأمرهم بمقتضـى الحال في خطبته، فإذا رأى ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها)[4].

ومنها: اختلافهم في الكلام المرغَّب فيه؛ كنحو تشميت العاطس، ورد السلام، والصلاة على النبي ﷺ، ونحو هذا؛ فمنع منه قوم وأجازه آخرون لتعارض الأدلة.

والراجح: المنع من ذلك؛ لعموم قوله ﷺ: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة: أنصت؛ فقد لغوت»، ومعلوم أن القائل «أنصت» آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر، ومع ذلك فهو منهي عنه، وذلك لترجيح الإنصات لموعظة الخطيب، وهكذا يقال في كل كلام مرغَّب فيه؛ كتشميت العاطس، وردِّ سلام، والصلاة على النبي ﷺ، ومما يستدل به أيضًا عموم قوله ﷺ في حديث سلمان: «وينصت إذا تكلم الإمام»، ولا شك أن كل هذا يتنافى مع الإنصات.

(11) ويحرم البيع والشراء يوم الجمعة إذا نودي للصلاة حتى تقضـى؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ ٩ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا عز وجل الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:9- 10].

ولكن إذا تبايع اثنان غير مفترض عليهما حضور الجمعة -كامرأتين- فبيعهما جائز، وأما إن كان أحدهما ممن يجب عليه الجمعة فالبيع حرام. قال النووى رحمه الله: (حيث حرَّمنا البيع حرمت عليه العقود، والصنائع، وكل ما فيه تشاغل عن السعي إلى الجمعة)[5]. ولكن هل عقد البيع صحيح أو غير صحيح؟ مذهب الشافعية والحنفية صحته؛ أي مع الإثم، وذهب أحمد وداود الظاهري في رواية عنه إلى أنه لا يصح.

(12) يستحب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، لما ثبت في الحديث أن رسول ﷺ قال: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين»[6].

(13) ويستحب الدعاء في ساعة الإجابة يوم الجمعة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله شـيئا؛ إلا أعطاه إياه» وقال: يقللها[7]، أي «يقلل الساعة» أي: أن وقتها قليل.

واختلف أهل العلم في تحديد هذه الساعة على أكثر من أربعين قولًا، ولكن أرجح هذه الأقوال أنها بعد العصـر، ويليه من الأقوال أنها من بداية جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة؛ لصحة الأحاديث الواردة في هذين الوقتين، وقد نحا ابن القيم رحمه الله منحى الجمع بين هذين القولين فقال: (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الساعة التي تذكر يوم الجمعة، ما بين صلاة العصـر إلى غروب الشمس، وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصـر لم يكلم أحدًا حتى تغرب الشمس، وهذا قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث، ويليه القول: بأنها ساعة الصلاة، وبقية الأقوال لا دليل عليها. وعندي -القائل ابن القيم-: أن ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة أيضًا؛ فكلاهما ساعة إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصـر، فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعة الصلاة، فتابعة للصلاة تقدمت وتأخرت؛ لأن لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضـرعهم وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيرًا في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة، وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها، ويكون النبي ﷺ قد حض أمته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين)[8].

(14) ويستحب الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة وليلة الجمعة؛ لقوله ﷺ: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة»[9]، من حديث أوس: «فأكثروا علي من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي»، قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت - أي بليت - قال: «إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»[10]. ومعنى «أرمت» أي: بليت.

اجتماع العيد والجمعة:

إذا اجتمع العيد والجمعة، فالراجح من الأقوال أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة؛ إن شاء شهدها، وإن شاء لم يشهدها، لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها.

وهذا اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أعدل الأقوال[11]؛ لحديث زيد بن أرقم، وسأله معاوية: هل شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا؟ قال: نعم، صلى العيد أول النهار، ثم رخص في الجمعة، فقال: «من شاء أن يُجمِّع فليُجمِّع»[12].

وعن وهب بن كيسان رضي الله عنه قال: «اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير، فأخَّر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب، ثم نزل فصلى، ولم يصل للناس يوم الجمعة، فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: أصاب السنة»[13].

ولكن من لم يحضر الجمعة هل يصليها ظهرًا؟

يرى بعض العلماء أنه لا يجب عليه صلاة الظُّهر؛ لما ورد في إحدى روايات ابن الزبير رضي الله عنه أنه صلى ركعتين بُكرةً لم يزد عليهما حتى صلى العصـر. وهذا ما رجَّحه الشوكاني[14].

ويرى بعض العلماء أنه يصلي الظُّهر.

قال ابن تيمية رحمه الله: (ثم إنه يصلي الظُّهر إذا لم يشهد الجمعة، فتكون الظُّهر في وقتها، والعيد يحصل مقصود الجمعة)[15].

قلت: فهذا الرأي هو الأحوط، والله أعلم.

بدع وأخطاء في يوم الجمعة[16]:

أحدث الناس كثيرًا من البدع والمخالفات يوم الجمعة، أورد أهمها:

فمنها: اعتقاد كثير من العوام أن في يوم الجمعة ساعة «نحس» لا بد أن يصاب فيها بسوء، وهذا باطل، ومخالف للأحاديث الصحيحة التي تثبت أن في الجمعة ساعة إجابة، وفيه تحقير وتقليل لهذا اليوم، وقد عظمه الله.

ومنها: اعتناء القائمين على المساجد بوظيفة «مقيم شعائر» لقراءة سورة من القرآن قبل صلاة الجمعة.

ومنها: إذا جلس الخطيب بين الخطبتين، صاح مقيم الشعائر بالدعاء والتأمين وأمَّن الناس من ورائه.

ومنها: اتخاذ منابر زائدة عن ثلاث درجات، تقطع الصفوف.

ومنها: التزام الإمام بعد الخطبة الأولى بأمره للحاضـرين بالدعاء، وبحديث: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، ونحو ذلك، وبعد الثانية بقراءة آية ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب:56]، وآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل:90]، ونحوها.

ومنها: صلاة سنة قبلية للجمعة، وليس للجمعة سنة قبلية، وأما السنة البعدية فثابتة، وقد تقدم ذلك[17].

ومنها: تقديم بعضهم مفارش إلى المسجد يوم الجمعة؛ يحجزون بها أماكنهم.

ومنها: اشتغال الإمام بالدعاء إذا صعد المنبر مستقبل القبلة قبل الإقبال على الناس والسلام عليهم.

ومنها: ترك الخطيب السلام على الناس إذا خرج عليهم؛ يعني قبل صعوده المنبر.

ومنها: القعود تحت المنبر وقت الخطبة طلبًا للاستشفاء.

ومنها: إعراض الخطباء عن خطبة الحاجة، والأولى الإتيان بها؛ لأنها السنة.

ومنها: قيام بعض الحاضـرين في أثناء الخطبة الثانية يصلون تحية المسجد، والصحيح أن تحية المسجد تصلى عند القدوم للمسجد مباشـرة حتى ولو كان الخطيب يخطب.

ومنها: مبالغتهم في الإسـراع في الخطبة الثانية، حتى كأن الخطبة الثانية ليس فيها إلا الدعاء.

ومنها: التكلف والتنطع والسجع المتعمد في الألفاظ في أثناء إلقاء الخطبة.

ومنها: قطع بعض الخطباء الخطبة ليأمروا من دخل بترك تحية المسجد (وفيه مخالفة للسنة)؛ لأن السنة أن يأمرهم بتحية المسجد كما تقدم[18].

ومنها: رفع الخطيب يديه في الدعاء في أثناء الخطبة؛ فإنه مخالف للسنة[19].

ومنها: إقامة الجمعة في المساجد الصغيرة، والصحيح أن تجمَّع في المساجد الكبيرة، لكن لا نقول ببطلان الصلاة إذا صلوا في المساجد الصغيرة، وقد تقدم حكم المسألة.

ومنها: قيام البعض بصلاة الظُّهر بعد الجمعة، وهذه بدعة لا دليل عليها.

ومنها: قيام البعض على باب المسجد يوم الجمعة؛ يحمل طفلًا، يعقد بين إبهامي رجليه بخيط، ثم يطلب قطعه أو حل عقدته من أول خارج من المسجد؛ يزعمون أن الطفل ينطلق ويمشـي بعد أسبوعين من هذه العملية.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة