حجم الخط:

محتوى الدرس (108)

صدقة التطوع

الحث على صدقة التطوع:

تقدم في الأبواب السابقة الأحكام المتعلقة بالزكاة المفروضة، ولكن الإسلام لم يكتف بذلك، بل حث على الصدقات التي فيها معنى البر والإحسان، وقد وردت في ذلك نصوص القرآن والسنة:

فمن الآيات:

* قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261].

* وقال تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران:92].

* وقال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان:8].

* وقال تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿ ١ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴿ ٢ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الماعون:1-3].

ومن الأحاديث:

(1) حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدق بعَدْل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يُربِّيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل»[1]. ومعنى «يربيها» أي ينميها ويزيدها، و«فَلُوَّه»: ولد الناقة إذا فلي عن أمه أي فُصل عنها.

(2) وحديث عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة، فقال النبي ﷺ: «ما بقي منها؟» قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: «بقي كلها غير كتفها»[2]. ومعناه: أنهم تصدقوا بها إلا كتفها.

(3) وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول العبد: مالي مالي، إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس»[3]. ومعنى «اقتنى»: ادخر.

(4) وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرَّة، فإذا شـرجة من تلك الشـراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقة يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان؛ للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله، لم تسألني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذا قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها؛ فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه»[4].

ومعنى «الحرَّة»: أرض بها حجارة سود كثيرة، «شـرجة»: جمعها شـراج، وهي مسايل المياه في الحرَّة، و«المِسْحاة»: الآلة التي يحول بها الماء إلى أرضه.

(5) وحديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما منكم من أحد إلا سـيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان؛ فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة»، وفي رواية: «من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل»[5].

(6) وحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضـى بين الناس، أو قال: حتى يحكم بين الناس»[6].

(7) وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ضـرب رسول الله ﷺ مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جُبَّتان من حديد، قد اضطُرت أيديهما إلى ثُدِيِّهما وتَراقِيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، حتى تُغشـي أناملَه وتَعفُو أثرَه، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلَصت وأخذت كل حلقة مكانها»، قال أبو هريرة: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعيه هكذا في جيبه؛ يوسعهما ولا تتوسع[7]. ومعنى «قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما» أي ألجئت إليها، ولصقت بها، كأنها مغلولة إلى أعناقها، و«حتى تُغشـي أنامله» أي: تغطيها وتسترها، و«تعفو أثره» أي تمحو أثر مشـيته وتطمسه، يعني: أن الصدقة تستر خطايا المتصدق كما يستر الثوب الذي يجر على الأرض أثر مشـي لابسه بمرور الذيل عليه.

(8) وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشـرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ، وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله؛ أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ: «بخٍ ذاك مال رابح، بخ ذاك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ: وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه[8].

مسائل وأحكام متعلقة بالصدقات:

(1) صدقة السر:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم:«ورجل تصدق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»[9]. في هذا الحديث دليل على فضل إخفاء الصدقة على إبدائها؛ لأنه أبعد عن الرياء، ولكن يجوز إظهار الصدقة إذا كانت هناك مصلحة تقتضـي ذلك؛ كترغيب الناس في الاقتداء به؛ قال تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ عز وجل خَيْرٌ لَكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271].

(2) أفضل الصدقة:

عن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله»[10]. ففي هذا الحديث أن أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعد إخراجها مستغنيًا، عنده مال يستظهر به على حوائجه ومصالحه. قال القرطبي رحمه الله: (والمختار أن معنى الحديث: أفضل الصدقة ما وقع بعد القيام بحقوق النفس والعيال، بحيث لا يصـير المتصــدق محتاجًا بعد صدقته إلى أحد)[11]. وقال البخاري رحمه الله: (ومن تصدق وهو محتاج، أو أهله محتاجون، أو عليه دين، فالدين أحق أن يقضـى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رد عليه، ليس له أن يتلف أموال الناس)[12]. ومعنى «وهو رد عليه» أن صاحب الدين المستغرق لا يصح منه التطوع. وقد ثبت في الحديث: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس»[13].

ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، أي: الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المقل، وابدأ بمن تعول»[14]. قال البيهقي رحمه الله: (والجمع بين قوله ﷺ: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، وقوله: «أفضل الصدقة جهد المقل» أنه يختلف باختلاف الناس في الصبر على الفاقة والشدة)[15].

وبناءً على ذلك؛ هل يجوز للإنسان أن يتصدق بجميع ماله؟

من العلماء من يرى عدم جواز ذلك؛ مستدلين بحديث: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، وبحديث: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس».

ولكن الجمهور ذهبوا إلى أنه يجوز أن يتصدق بماله كله، في صحة عقله وبدنه، حيث لا دين عليه، وكان صبورًا على الفقر والضـيق، ولا عيال له، أو له عيال ويصبرون مثله[16]. واستدلوا على ذلك بحديث أبي بكر رضي الله عنه حيث تصدق بماله كله، وقال: «أبقيت لهم الله ورسوله»[17]. ويرى البعض أن يجعل صدقته من الثلث جمعًا بين الأدلة.

هذا، وقد ورد في بيان أفضل الصدقة ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى رسول الله ﷺ رجل، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم؟ فقال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح؛ تخشـى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا...»[18].

فهذا الحديث يبين أفضل الصدقة من حيث الوقت والزمن: وهو في حالة صحته حيث يمسك المال ويخشـى إضاعته، أما الحديث السابق فيبيِّن أفضل الصدقة من حيث قدر إخراجها، وهو ما يبقي لصاحبها غنى بعد إخراجها، فلا تعارض بين الحديثين.

(3) أحق الناس بالصدقة:

عدَّ الإسلام النفقة على النفس والأهل والأولاد من الصدقات، فلا بد أولًا أن يكفي حاجة من يعولهم ولا يتركهم يتكففون الناس؛ عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يضـيع من يقوت»[19]، وفي لفظ عند مسلم: «أن يحبس عمن يقوت قوتهم».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تصدقوا»، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، قال: «تصدق به على نفسك»، قال: عندي آخر، قال: «تصدق به على ولدك»، قال: عندي آخر، قال: «تصدق به على زوجك»، قال: عندي آخر، قال: «تصدق به على خادمك»، قال: عندي آخر قال: «أنت أبصـر به»[20].

(4) هل للمرأة أن تتصدق من مال زوجها؟

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي ﷺ: «إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شـيئًا»[21].

فيه دليل على جواز تصدق المرأة من بيت زوجها. قال الصنعاني رحمه الله: (والمراد إنفاقها من الطعام الذي لها فيه تصـرف بصفته للـــزوج ومن يتعلق به، بشـرط أن يكون ذلك بغير إضـرار، وأن لا يخل بنفقتهم)[22]؛ فعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ فقالت: إن الزُّبير رجل شديد، ويأتيني المسكين، فأتصدق عليه من بيته بغير إذنه، فقال رسول الله ﷺ: «ارضَخي ولا توعي فيوعى عليك»[23]. ومعنى «ارضَخي»: أي: أعطي القليل الذي جرت به العادة، «ولا توعي»: لا تدخري المال في الوعاء فيمنعه الله عنك.

قال ابن العربي رحمه الله: (قد اختلف السلف في ذلك؛ فمنهم من أجازه في الشـيء اليسـير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان، ومنهم من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاري، ويدل له ما أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تنفق المرأة من بيت زوجها إلا بإذنه» قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: «ذلك أفضل أموالنا»[24].

ويعارض هذا ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره، فلها نصف أجره»[25].

ولعله يقال في الجمع بينهما: إن إنفاقها مع إذنه تستحق به الأجر كاملًا، ومع عدم الإذن نصف الأجر، وإن النهي عن إنفاقها من غير إذنه إذا عرفت منه الفقر أو البخل؛ فلا يحلُّ لها الإنفاق إلا بـإذنه، بخلاف ما إذا عرفت منه خلاف ذلك جاز لها الإنفاق من غير إذنه ولها نصف أجره...)[26]. قلت: وبناء على ما تقدم من الأحاديث، يمكن أن نخلص إلى ما يلي:

(أ) لا يجوز للمرأة أن تنفق من مال زوجها إن علمت منه فقرًا أو بخلًا، إلا بإذنه.

(ب) فإن لم تعلم منه فقرًا ولا بخلًا، جاز لها أن تنفق من غير إذنه، بشـرط أن لا تفسد ماله، وفي هذه الحالة يكون لها نصف الأجر.

(جـ) فإن أنفقت مع إذنه استحقت الأجر كاملًا. والله أعلم. ويمكن أن يقال: إنها تستحق الأجر كاملًا إذا أنفقت من المال الذي خصَّها زوجها بالتصـرف فيه؛ كالطعام، غير مفسدة للنفقة، ولو بغير إذنه مع علمها بأن زوجها لا يعاني فقرًا أو بخلًا.

(5) صدقة المرأة من مالها من غير إذن زوجها:

يجوز للمرأة أن تتصدق من مالها الخاص بها من غير إذن زوجها، وهذا رأي جمهور العلماء، وهو الراجح؛ لما ثبت من تصدق النساء من حليهن بعد أن وعظهن رسول الله ﷺ، وذلك في حديث ابن عباس[27]، ولما ثبت أن ميمونة رضي الله عنها أعتقت وليدة لها، ثم أخبرت النبي ﷺ بعد ذلك[28]، وأن أسماء بنت أبى بكر باعت جارية لها وتصدَّقت بثمنها دون أن تستأذن الزبير زوجها[29].

ولا يعارض هذا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا يجوز لامرأة أمرٌ في مالها إذا ملك زوجُها عصمتَها»[30]، فهو من حيث القوة لا يعارض الأحاديث السابقة؛ فإنها أقوى منه. قال ابن حزم: (ولو صح لكان منسوخًا بحديث ابن عباس).

قلت: وحمله أهل العلم؛ كالشافعي والخطابي والبيهقي وغيرهم؛ على حسن العشـرة والأدب والاختيار[31].

(6) تستحب الصدقة باليمين:

لقوله ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم القيامة: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه»، ولفضل اليمين في الأعمال الصالحة الشـريفة، وهذا لا يمنع من جواز الصدقة بالشمال.

(7) التحذير من المنِّ بالعطية:

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ [البقرة:264].

وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم»، قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسـروا يا رسول الله، من هم؟ قال: «المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»[32].

(8) الصدقة من القليل والكثير:

لا يحتقر الله صدقة وإن كانت قليلة؛ فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»[33]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ يقول: «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فِرْسِن شاة»[34].

و«الفِرسن»: هو الظلف، وأصله في البعير، ويطلق على الغنم استعارة.

وكذلك لا يعيب أحد على المتصدق لقلة صدقته، كما لا يرمى بالرياء لكثرتها؛ فعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل، فجاء رجل فتصدق بشـيء كثير، فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا، فنزلت: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79][35].

ومعنى «نتحامل»: نحمل الأحمال بالأجرة.

(9) الصدقة من المال الطيب:

هي الصدقة التي يرجى لها القبول، وأما المال الحرام فلا يقبل عند الله. قال ﷺ: «لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول»[36]، و«الغلول»: الخيانة والسـرقة، والمقصود أخذ الغنيمة قبل أن يقسمها الإمام.

(10) الوقف هو: أن يحبس المتصدق أصل الصدقة (أي: يمنع بيعها)، ويجعل ريعها صدقة:

وهو مشروع؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها». قال: فتصدق بها عمر؛ أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضـيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم، غير متمول[37].

(11) يجوز الصدقة عن الميت:

وإن لم يكن أوصـى بذلك؛ فعن أنس رضي الله عنه أن سعدًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت ولم توص، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: «نعم، وعليك بالماء»[38]؛ يعنى: الصدقة بالماء.

(12) هناك أنواع أخرى من الصدقات؛

فعن أبي موسـى الأشعرى عن النبي ﷺ قال: «على كل مسلم صدقة» فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: «يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق» قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف»، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشـر؛ فإنه له صدقة»[39].

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «على كل نفس، في كل يوم طلعت فيه الشمس، صدقة على نفسه»، قلت: يا رسول الله: من أين أتصدق وليس لنا أموال؟ قال: «لأن من أبواب الصدقة: التكبير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكة عن طريق الناس، والعَظْمة والحجر، وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على حاجة له قد علمتَ مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك في جماعك زوجتك أجر»، قال أبو ذر: كيف يكون لي أجر في شهوتي؟ فقال: «أرأيت لو كان لك ولد، فأدرك ورجوت خيره فمات، أكنت تحتسبه؟» قلت: نعم، قال: «فأنت خلقته؟» قال: بل الله خلقه، قال: «فأنت هديته؟»، قال: بل الله هداه، قال: «فأنت ترزقه؟» قال: بل الله يرزقه، قال: «كذلك فضعه في حلاله، وجنبه حرامه، فإن شاء أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر»[40].

ومن أنواع الصدقات الصدقة بالماء، والتصدق بالزرع، وإعطاء المنيحة؛ ففي الحديث: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة؛ إلا كان له به صدقة»[41].

وفي الحديث قال رسول الله ﷺ: «أربعون خصلة، أعلاهن: منيحة العنز؛ ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها، إلا أدخله الله بها الجنة»[42]. و«المنيحة»: الناقة الحلوب؛ يعطيها الرجل لمن يأخذ حلبها ثم يردها إليه بعد ذلك.

Adobe Systems
جدول 60- من مسائل مصارف الزكاة

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة