الصداق

ما تُعطاه الزوجة من مال ومنفعة بسبب النكاح، ويقال له: الصداق، والمهر، والنِّحْلة، والأجر، والفريضة، وغير ذلك.
الصداق واجب في النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ [النساء:4]، وقوله تعالى: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ [النساء:24].
والدليل على وجوبه من السنة: قوله ﷺ لمن أراد أن يتزوج: «فهل معك من شـيء؟» فقال: لا والله يا رسول الله... إلى أن قال له ﷺ: «التمس ولو خاتمًا من حديد»[1]. وسـيأتي بتمامه. فلو كان يتسامح لأحد أن يتزوج بغير صداق، لكان التسامح لهذا الفقير أحق وأولى؛ فدل ذلك على وجوبه.
الأفضل أن يسمى الصداق في العقد؛ لما ثبت أن النبي ﷺ قال للرجل: «زوجتكها بما معك من القرآن»، ولما ثبت أن النبي ﷺ: «أعتق صفية وجعل عتقها صداقها»، ولأن ذكر الصداق يمنع النزاع.
ويتفرع على ذلك مسائل:
(1) اعلم أن ذكر المهر ليس ركنًا في العقد ولا شـرطًا فيه، بل هو أثر من آثاره، فإذا تم عقد النكاح دون أن يسمي لها مهرًا فالعقد صحيح؛ قال تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ [البقرة:236]، والمعنى: لا إثم على من طلق زوجته قبل المس وقبل أن يفرض لها مهرًا. ويجوز بعد ذلك أن يسمي لها مهرًا ولو بعد الدخول، فإن لم يسمه لها ووقع الطلاق أو الموت، فلها مهر المثل.
أما دليل تسمية المهر بعد العقد:
فهو ما ثبت عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لرجل: «أترضـى أن أزوجك فلانة؟» قال: نعم، وقال للمرأة: «أترضـين أن أزوجك فلانًا؟» قالت: نعم، فزوَّج أحدهما صاحبه، ولم يفرض لها صداقًا، ولم يعطها شـيئًا، وكان ممن شهد الحديبية، وكان من شهد الحديبية له سهم خيبر، فلما حضـرته الوفاة قال: «إن رسول الله ﷺ زوجني فلانة، ولم أفرض لها صداقًا، ولم أعطها شـيئًا، وإني أشهدكم أني قد أعطيتها صداقًا سهمي بخيبر»، فأخذته، فباعته بعد موته بمائة ألف، قال: وقال رسول الله ﷺ: «خير الصداق أيسـره»[2].
وأما دليل مهر المثل إن لم يُسم لها مهر:
فعن علقمة قال: أُتي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في امرأة تزوجها رجل، ثم مات عنها، ولم يفرض لها صداقًا، ولم يكن دخل بها، قال: فاختلفوا إليه، فقال: «إن لها مثل مهر نسائها، ولها الميراث، وعليها العدة»، فشهد معقل بن سنان أن النبي ﷺ قضـى في بَرْوع ابنة واشق بمثل ما قضـى[3]، وتُسمى هذه المسألة: (المفوِّضة).
والمقصود بـ«مهر مثلها»: من يماثلها من قريباتها من العصبات وذوي أرحامها وقت العقد، وإذا لم يوجد من تماثلها من قريباتها، فالمعتبر في ذلك أسـرة أخرى تماثل أسـرتها.
(2) لا يعني ما تقدم أنه يجوز للزوج أن يشترط عدم المهر، فهناك فرق بين أن يشترط عدم المهر، وبين أن لا يسمي المهر، فالمهر واجب، وإن لم يُسمَّ كان حكمه ما تقدم، وأما إن اشترط أن لا يقدم مهرًا، فهو شـرط باطل، ولكن هل يفسخ العقد أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء، فبعضهم يصحح العقد ويُلزِمه بمهر المثل، وبعضهم يفسد العقد أصلًا، وهو اختيار شـيخ الإسلام.
(3) وبناءً على ما تقدم فإذا طلق الرجل زوجته ولم يُسمِّ لها مهرًا؛ فإن كان بعد الدخول فلها مهر المثل كاملًا، وإن كان قبل الدخول فلها المتعة؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة:236]، وذهب بعض العلماء أن لها نصف مهر المثل، والقول الأول أقوى لوجود النص. وسـيأتي بيان ذلك في تفصـيل حالات المهر (رقم 13).
ومرجع المتعة ما يقدر بالمعروف، حسب حاله ودخله، متاعًا بالمعروف بالتصالح والاتفاق فيما بينهم؛ قال مالك رحمه الله: (ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها ولا كثيرها)[4].
(4) أما إن مات أحدهما؛ سواء دخل بها أم لم يدخل بها، ولم يكن سمى للمرأة مهرًا؛ فإن الآخر يرثه، وللمرأة مهر مثلها كاملًا، وعليها العدة، كما تقدم في حديث ابن مسعود السابق.
أقل المهر وأكثره، واستحباب التيسير فيه:
ليس هناك حدٌّ لأقل المهر، بل إن النبي ﷺ قال للرجل: «التمس ولو خاتمًا من حديد».
وكذلك لا حدَّ لأكثره؛ قال الله تعالى: ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ﴾ [النساء:20]. لكن يستحب التخفيف والتيسـير في الصداق، فقد رَغَّب النبي ﷺ في ذلك؛ ثبت في الحديث عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: «خير النكاح أيسـره»، وفي رواية: «خير الصداق أيسـره»[5]، ومما يدل على ذلك أن النبي ﷺ زوَّج رجلًا بما معه من القرآن بعدما قال له: «التمس ولو خاتمًا من حديد»[6].
وقد أنكر النبي ﷺ على بعض من غالى في المهر؛ فعن أبي حدرد الأسلمي رضي الله عنه أنه أتى النبي ﷺ يستفتيه في مهر امرأة، فقال: «كم أمهرتها؟»، قال: مائتى درهم، فقال: «لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم!»[7]، ويزداد هذا الإنكار على من كلَّف نفسه فوق طاقتها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: «هل نظرت إليها؟ فإن في أعين الأنصار شـيئًا»، قال: قد نظرت إليها، قال: «على كم تزوجتها؟»، قال: على أربع أواق، فقال له النبي ﷺ: «على أربع أواقٍ؟! كأنما تنحتون الفضة من عُرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسـى أن نبعثك في بَعْث تصـيب منه»، قال: فبعث بعثًا إلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم[8]. ومعنى «عُرْض الجبل»: جانبه.
قلت: فهذا متوقف على حال الزوج؛ لأنه قد ثبت أن بعض المهور على عهده ﷺ كانت أكثر من ذلك كما سـيأتي، لذلك قال ابن تيمية رحمه الله: (ويكره للرجل أن يصدق المرأة صداقًا يضـر به إن نقده، ويعجز عن أدائه إن كان دينًا)[9].
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (والقصد في المهر أحب إلينا، وأستحب أن لا يزيد في المهر على ما أَصْدَقَ رسولُ الله ﷺ نساءَه وبناتِه، وذلك خمسمائة درهم)[10]، وهذا ما اختاره أيضًا شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله [11].
قلت: يشـير إلى حديث عائشة رضي الله عنها، وقد سئلت: كم كان صداق رسول الله ﷺ؟ قالت: «كان صداقه لأزواجه ثنتي عشـرة أوقية ونَشًّا، قالت: أتدري ما النش؟ قال: قلت: لا، قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم، فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه»[12].
وأيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان صداقنا إذ كان فينا رسول الله ﷺ عشـر أواق، وطبق بيديه، وذلك أربعمائة»[13].
قلت: «الأوقية»: أربعون درهمًا، والدرهم يعادل 3.12 جم من الفضة، فعلى هذا يكون صداق رسول الله ﷺ لأزواجه = 12.5 أوقية ×40 = 500 درهم. ويكون بالجرامات: 500 × 3.12 = 1560 جم فضة.
قال الشـيخ محمد إسماعيل المقدم -حفظه الله-: (إن المغالاة في المهور وعدم تيسـيرها أنتجت أسوأ العواقب، فتركت البنات العذارى عوانس وأيامى في بيوت آبائهن، يأكلن شبابهن وتنطوي أعمارهن سنة بعد سنة، وتعذَّر النكاح على جمهور الشباب، بل تعسَّـر، فعزفوا عنه رغم رغبتهم فيه، بل حاجتهم إليه، وفي هذا مضادة لمقاصد الشـريعة التي رغَّبت في النكاح والتناسل، وبهذا يُعلم مدى شؤم مخالفة مَن هديُه خيرُ الهدي ﷺ في الآخرة والأولى)[14].
اعلم أن المهر يجوز تعجيله كله، ويجوز تأخيره كله، ويجوز تعجيل بعضه وتأخير بعضه، حسب ما يتفق عليه الطرفان، إلا أنه يستحب أن يعطيها شـيئًا قبل الدخول؛ لما ثبت في الحديث عن علي رضي الله عنه قال: تزوَّجت فاطمة رضي الله عنها فقلت: يا رسول الله: «ابن بي»، وفي رواية: فلما أراد أن يدخل بها قال: «أعطها شـيئًا»، قلت: ما عندي من شـيء، قال: «فأين درعك الحطمية؟»، قلت: هي عندي، قال: «فأعطها إياه»[15].
قال ابن تيمية رحمه الله: (والأولى تعجيل الصداق كله للمرأة قبل الدخول إذا أمكن، فإن قدَّم البعض وأخَّر البعض فهو جائز)[16].