حجم الخط:

محتوى الدرس (163)

المسألة السادسة: الاستثناء في الطلاق:

أي: إذا قال لزوجته: (أنت طالق إن شاء الله)، فهذا لا يقع به الطلاق.

وسئل شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل حلف بالطلاق، ثم استثنى بعد هنيهة بقدر ما يمكن فيه الكلام؟

فأجاب: (لا يقع فيه الطلاق، ولا كفارة عليه والحال هذه، ولو قيل له قل: إن شاء الله، ينفعه ذلك أيضًا، ولو لم يخطر له الاستثناء إلا لَمَّا قيل له، والله أعلم)[1].

المسألة السابعة: هل يجوز التوكيل في الطلاق؟

يرى بعض العلماء أن الوكالة في الطلاق لا تصح، وحجتهم في ذلك أن الطلاق جعله الله بيد الرجل، فلا يملك أحد أن يطلق سواه.

وذهب أكثر العلماء إلى جواز الوكالة في الطلاق، وهذا هو الراجح، وليس فيه مفسدة؛ فإن المطلق في الحقيقة هو الزوج، ولكن تطليقه إما بنفسه، وإما بتوكيل غيره، ولذلك فإن هذا الغير لا يملك أن يطلق له إلا بتوكيله. قال ابن القيم رحمه الله: (ولا معنى لمنع توكيل الأجنبي في الطلاق، كما يصح توكيله في النكاح والخلع، وقد جعل الله سبحانه للحكمين النظر في حال الزوجين عند الشقاق؛ إن رأيا التفريق فرقا، وإن رأيا الجمع جمعا، وهو طلاق أو فسخ من غير الزوج، إما برضاه؛ إن قيل: هما وكيلان، وإما بغير رضاه؛ إن قيل: هما حكمان، وقد جعل للحاكم أن يطلق على الزوج في مواضع بطريق النيابة عنه، فإذا وكل الزوج من يطلق عنه، أو يخالع، لم يكن في هذا تغيير لحكم الله، ولا مخالفة لدينه؛ فإن الزوج هو الذي يطلق إما بنفسه أو بوكيله)[2].

تنبيهان:

(1) ينبغي أن يُحدد لموكله زوجته التي يطلقها (إذا كانت له أكثر من زوجة)، وأن يلتزم الموعد الذي يطلق فيه إن حدَّده له، وأن يوقع الطلاق على السنة.

(2) ليس هناك دليل على جعل العصمة بيد المرأة تطلق الزوج متى شاءت، وهو شـرط باطل لو اشترطاه؛ فكل شـرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شـرط[3].

المسألة الثامنة: في ادعاء الزوجة الطلاق والزوج منكر:

اختلف العلماء في ذلك: فذهب فريق من العلماء أنها إذا جاءت بشاهد واحد فحلف الزوج بطلت دعواها، وأما إذا نكل الزوج فلم يحلف؛ حكم لها وأجيز الطلاق. فهذا هو القول الأول وذهب إليه ابن القيم رحمه الله[4]، واستدلوا على ذلك بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «إذا ادَّعت المرأة طلاق زوجها، فجاءت على ذلك بشاهد واحد عدل؛ استحلف زوجها، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر، وجاز طلاقها»[5]. لكنه حديث ضعيف. ويتلخص من ذلك، إن ثبت [6]الحديث، أن مجرد دعوى المرأة بوقوع الطلاق لا تثبت.

وهناك قول آخر: وهو أن القول قوله إلا أن تأتي الزوجة ببينة، وهي شاهدان عدلان. قال ابن قدامة رحمه الله: (إذا ادَّعت المرأة أن زوجها طلقها فأنكرها فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء النكاح وعدم الطلاق، إلا أن يكون لها بما ادَّعته بينة، ولا يقبل فيه إلا عدلان. ونقل ابن منصور عن أحمد أنه سئل: أتجوز شهادة رجل وامرأتين في الطلاق؟ قال: لا والله. وإنما كان كذلك لأن الطلاق ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال في غالب الأحوال، فلم يقبل فيه إلا عدلان).

المسألة التاسعة: إذا أُعْتِقت الأمة وزوجها عبد:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان زوج بريرة عبدًا أسود يقال له: مغيث؛ عبدًا لبني فلان، كأني أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة»[7]. ومعنى الحديث: أن «بريرة» كانت أمة، وهي زوجة لعبد يقال له: «مغيث»، ثم أعتقت بريرة، وفي هذه الحالة يكون لها الخيار: إما أن تظل تحت زوجها، وإما أن تفارقه، وهل هذا الفراق فسخ أو طلاق؟ خلاف بين أهل العلم، والراجح أنه فسخ.

المسألة العاشـرة: في حكم طلاق العبد:

اختلف العلماء في طلاق العبد؛ هل يملك طلقتين فقط أو ثلاث تطليقات؟ على الأقوال الآتية:

القول الأول: إن طلاق العبد والحر سواء؛ يملك فيه ثلاث تطليقات، وسواء كانت الزوجة حرة أو أمة، وهذا مذهب أهل الظاهر.

القول الثاني: إذا وجد الرق في أحد الزوجين كان الطلاق -بسبب الرق- اثنتين؛ فإذا كان الزوج حرًّا والزوجة أمة فالطلاق اثنتان، وكذلك إذا كان الزوج عبدًا والزوجة حرة يكون الطلاق اثنتين.

القول الثالث: أن الأمر متعلق بالزوج، فإن كان حرًّا فالطلاق ثلاث؛ سواء كانت الزوجة حرة أم أمة، وإن كان عبدًا فالطلاق اثنتان؛ سواء كانت الزوجة حرة أم أمة، وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد في ظاهر مذهبه.

القول الرابع: أن الطلاق متعلق بالزوجة، فالزوج -سواء كان حرًّا أو عبدًا- يطلق ثلاثًا إذا كانت الزوجة حرة، ويطلق اثنتين إذا كانت الزوجة أمة، وهذا مذهب أبي حنيفة.

قلت: وقد ذكر ابن القيم هذه المسألة وأقوال العلماء ولم يرجح شـيئًا، إلا أنه أشار إلى أن الأحاديث الواردة في ذلك كلها ضعيفة، والآثار الثابتة عن الصحابة متعارضة، وليس بعضها أولى ببعض، ثم بين مأخذ كل فريق من حيث القياس[8].

قلت: ويترجح -والله أعلم- مذهب الظاهرية؛ لأن النصوص الواردة عن الطلاق في القرآن والسنة الصحيحة لم تفرق بين عبد وحر، والحكمة التي جعل الله لأجلها الطلاق الرجعي مرتين قبل الثالثة هي في الحر والعبد سواء.

المسألة الحادية عشـرة: هل يجوز للزوجة أن تطلب الطلاق إذا تزوج زوجها بأخرى:

طلب الزوجة الطلاق من غير سبب يبيح لها ذلك من كبائر الذنوب؛ لما روى ثَوْبَانُ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّة» ولا يجوز للزوجة طلب الطلاق لمجرد تزوج زوجها عليها؛ لأن عليها أن تتحمل وتصبر، فإذا هي طلبت الطلاق فإنها يخشـى عليها أن تدخل في النهي الوارد في الحديث.

سئل الشـيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله: هل يجـوز للزوجة أن تطلب الطلاق من زوجها إذا تزوج عليها؛ لعدم وجود الصبر عندها؟.

فأجاب: لا يجوز لها ذلك، وورد في الحديث يقول ﷺ: «ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها، ولتنكح، ولها حظه» أو كما قال، فعليها أن تتحمل وتصبر، وفي الحديث: «أيما امرأة سألت الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» عليها أن تتحمل، وتصبر، سـيما إذا كان الزوج عادلًا قائمًا بما يجب عليه.

مسائل منثورة في الطلاق:

(1) ينبغي للزوجين أن يتقيا الله في أمر الطلاق، فلا يوقعانه إلا إذا كان هناك سبب يستدعي ذلك.

(2) ينبغي لكل من الزوجين أن يتقي الله إذا وقع الطلاق، فلا يهضم أحد حق الآخر؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237].

(3) لا يحل لرجل أسلم، وزوجته باقية على شـركها، أن يبقيها معه، بل واجب عليه أن يفارقها إلا إذا كانت كتابية. وأما المرأة إذا أسلمت؛ فإنها لا تبقى مع زوجها المشـرك؛ سواء كان كتابيًّا أم غير كتابي.

(4) إذا قالت المرأة لزوجها: (أنت طالق)، أو (أنت حرام عليَّ)، أو نحو هذا؛ فهذا كله لغو وباطل، ولا يقع به طلاق ولا ظهار ولا شـيء، وعليها أن تستغفر الله وتتوب إليه.

(5) إذا لعن الرجل زوجته لا يقع به طلاق، وعليه أن يتوب إلى الله؛ لأن المؤمن لا يكون لعانًا ولا فاحشًا ولا بذيئًا.

(6) كتابة الطلاق عند المأذون في الوثائق الرسمية أمر حسن، وهو من المصالح المرسلة لإثبات الحقوق، كما هو الحال عند النكاح، لكنه إذا لم يكتبه عند المأذون فعليه أن يتقي الله، وليعلم أنه من الطلاق المحسوب عليه، فإنه بمجرد تلفظه به، سواء كتبه عند المأذون أو لم يكتبه؛ ترتب عليه أحكامه الشـرعية.

(7) على المأذون الشـرعي ألا يوقع الطلاق البدعي، بل يبين لهما الحكم الشـرعي، ويؤخرهما لحين طهر المرأة طهرًا لم يجامعها فيه الزوج ليقع الطلاق على السنة، لكن إن كان الزوج قد طلق بالفعل، وأراد إثبات الطلقة، وكان طلاقه بدعيًّا؛ فيجوز للمأذون إثبات الطلاق؛ لأنه قد وقع بالفعل على القول الراجح.

(8) إذا تواعد الزوجان على الطلاق في يوم ما، لم يقع الطلاق حتى يوقعه، فإذا جاء الموعد ولم يطلق لا يحسب طلاقًا.

(9) قال ابن حزم رحمه الله: (ويُطلِّق من لا يحسن العربية بلغته باللفظ الذي يترجم عنه في العربية بالطلاق، ويطلق الأبكم والمريض بما يقدر عليه من الصوت والإشارة التي يوقن بها من سمعها قطعًا أنهما أرادا الطلاق)[9].

(10) إذا طلق امرأته، ثم كرر طلاقها لكل من لقيه مشهدًا أو مخبرًا أو مستفتيًا، لا يقع إلا طلاقًا واحدًا.

(11) إذا تيقنت المرأة أن زوجها طلقها ثلاث تطليقات، فلا يجوز لها أن تمكنه منها، فإن فعلت وأمكنته فهي زانية؛ ولذا ننصح بتسجيل وقائع الطلاق التي تقع شفهيًّا في السجلات الرسمية، حتى لو كان بينهما تصالح ومراجعة، وذلك لكي لا ينكر الزوج عدد هذه الطلقات في يوم من الأيام.

(12) مسائل الطلاق يسأل عنها المطلق بنفسه، ولا تكون بإرسال نائب عنه؛ لأنه قد يحتاج المفتي أن يستفهم من السائل عن نيته وألفاظه ونحو ذلك.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة