الحضانة

الحضانة مأخوذة من الحِضْن، وهو ما دون الإبط إلى الكشح، وحَضَنَ الطائرُ بَيْضَه: إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه، وكذلك المرأة إذا ضمت ولدها.
وأما معناها عند الفقهاء فهي: حفظ من لا يستقل بأموره، وتربيته.
هي واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم:6]؛ فإن وقاية الأهلين من النار تكون بحفظهم، والقيام بمصالحهم، ولقوله ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يضـيع من يقوت»[1].
(أ) الصغير: وهو الذي لم يبلغ.
(ب) المجنون: وهو الفاقد العقل.
(جـ) المعتوه: وهو المختل العقل.
(د) الكبير: أي: الذي وصل إلى درجة فِقدان العقل أو اختلاله بسبب الكبر.
(أ) أحق الناس بحضانة الصغير هم والداه، فلا ينزع من والديه؛ لأنهما أرعى الناس له، وأحفظ الناس لمصالحه، ويتحقق هذا عند وفاق الزوجين وعدم تفرقهما.
(ب) إذا تفرق الزوجان، فالأم هي الأحق بحضانة الصغير؛ لما ثبت في الحديث عن عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، فأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله ﷺ: «أنت أحق به ما لم تنكحي»[2]. فدل ذلك على أنه إذا افترق الأبوان، وبينهما ولد، فالأم أحق به من الأب، ما لم يقم بالأم ما يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضـي تخييره.
(جـ) إذا كان هناك ما يمنع من حضانة الأم انتقلت الحضانة إلى غيرها، ولكن اختلف العلماء في ترتيب أصحاب الحقوق في هذه الحضانة بعد الأم.
ومنشأ الخلاف مبني على تعليل الحكم السابق من تقديم الأم على الأب؛ هل هو بسبب تقديم جهة الأمومة على الأبوة؟ وعلى ذلك فيقدم نساء أقارب الأم على أقارب الأب، وهذا هو قول الجمهور. أو أن السبب تقديم الأم لأجل أنوثتها فقط؟ فعلى هذا يقدم نساء أقارب الأب على نساء أقارب الأم؛ لأنهن متساويات في الأنوثة، ويفضل نساء الأب بالعصبة.
وهذا الثاني هو الذي نص عليه (الخرقي) في (مختصـره)، ورجَّحه شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكذلك ابن القيم رحمه الله[3]، ورجحه الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله[4].
فعلى القول الأول يكون الترتيب للحضانة كالآتي:
- الأم.
- ثم أم الأم وإن علت، ثم أم الأب.
- ثم الأخت الشقيقة، ثم الأخت لأم، ثم الأخت لأب.
- ثم بنت الأخت الشقيقة، ثم بنت الأخت لأم.
- ثم الخالة الشقيقة، ثم الخالة لأم، ثم الخالة لأب.
- ثم بنت الأخت لأب.
- ثم بنت الأخ الشقيق، ثم بنت الأخ لأم، ثم بنت الأخ لأب.
- ثم العمة الشقيقة، فالعمة لأب.
- ثم خالة الأم، فخالة الأب.
- ثم عمة الأم، فعمة الأب.
فإذا لم يوجد للصغير قريبات من النساء من هذه المحارم، انتقلت الحضانة إلى العصبات من المحارم، ومن الرجال على حسب ترتيبهم في الإرث. فإن لم يوجد انتقل إلى محارمه من الرجال غير العصبة. فإن لم يوجد عين القاضـي من يقوم على حضانته[5].
فقد وضع ابن تيمية ضابطًا لحضانة الطفل بعد الأم يتلخص فيما يلي:
(1) الأحق بالحضانة هم أقرباء الطفل من جهة الأب.
(2) إذا اجتمع منهم اثنان فأكثر فحكمه كالآتي:
(أ) إذا استوت درجتهم تقدم الأنثى على الذكر؛ فتقدم الأم على الأب، والجدة على الجد، والخالة على الخال، والعمة على العم. فإن كانا ذكرين أو أنثيين؛ كأن يكونا أخوين أو أختين؛ يقدم أحدهما بالقرعة.
(ب) وإن اختلفت درجتهما من الطفل: فإن كانا من جهة واحدة، قدم الأقرب إليه، فتقدم الأخت على ابنة الأخت، والخالة على خالة الأب، وعلى خالة الأم.
وأما إن كانوا من جهتين كقرابة الأم وقرابة الأب، مثل العمة والخالة، والأخت لأب والأخت لأم، وأم الأب وأم الأم، وخالة الأب وخالة الأم؛ فإنه يقدم من في جهة الأب في ذلك كله، هذا كله إذا استوت درجتهم كما تقدم، أو كانت جهة الأب أقرب إليه من باب أولى.
وأما إن كانت جهة الأم أقرب؛ كأم الأم، وأم أب الأب؛ ففي هذه الحالة الأَولى أن يقدم الأقرب لقوة شفقته، ولا تقدم قرابة الأب إلا إذا تساوت الدرجتان.
ويلاحظ أن الفرق بين الرأي الأول والرأي الثاني هو أيهما يقدم عند التنازع وتساوي الجهتين: قرابة الأم أم قرابة الأب؟ فالأول: يرجح قرابة الأم؛ وعلى هذا تقدم أم الأم على أم الأب. والثاني: يرجح قرابة الأب فيقدم أم الأب على أم الأم، والمسألة اجتهادية، وقد قضت المحاكم بالرأي الأول، وبه يفصل النزاع، والله أعلم.
تسقط الحضانة لأسباب، وهي:
إذ مقصود الحضانة حماية المحضون والقيام بمصالحة، فإذا وجد ما يخل بذلك سقطت الحضانة، فإذا حصل للحاضن إخلال في عقله، أو إهمال في تربية أولاده، أو سافر سفرًا يضـر بالمحضون، ففي كل هذه الأمثلة وغيرها تسقط حضانته، وتنتقل إلى غيره.
لما تقدم في الحديث: «أنت أحق به ما لم تنكحي». وفي ذلك مسائل:
الأولى: في قوله ﷺ: «ما لم تنكحي» هل تسقط بمجرد العقد أم بعد الدخول؟ على قولين، والراجح أن الحضانة تسقط بمجرد العقد، وهو قول الجمهور.
الثانية: اختلف العلماء في سقوط الحضانة بالنكاح، فمنهم من يرى سقوطها مطلقًا ذكرًا كان المحضون أو أنثى، ومنهم من لا يسقطها بحال، ومنهم من لا يسقطها إن كانت أنثى ويسقطها إذا كان ذكرًا، ومنهم من يرى أنها لا تسقط إلا إذا كان الزوج أجنبيًّا عن الطفل، فإن كان نَسـيبًا له لم تسقط الحضانة.
والقول الأخير هو الذي تطمئن إليه النفس؛ لورود الأدلة على ذلك؛ ففي صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه «أن ابنة حمزة اختصم فيها علي، وجعفر، وزيد، فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضـى بها رسول الله ﷺ لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم»[6]. فقد حكم النبي ﷺ لخالتها مع أنها متزوجة، لكن الزوج قريب للمحضونة، فإنه قال: «ابنة عمي»[7].
ويلاحظ أن هذا كله إذا كان نزاع، فإن لم يكن نزاع، أو اتفقوا على أن يبقى عند الأم بعد زواجها، فلا يسقط حقها في الحضانة، فها هو ذا أنس بن مالك كان في حضانة أمه، علمًا بأنها تزوجت أبا طلحة، لكننا لا نعلم أن أحدًا نازعها في حضانته.
الثالثة: في قوله ﷺ: «ما لم تنكحي» هل هو تعليل أو توقيت؟
والفرق بينهما أنه (لو كان تعليلًا للحكم)، فتزوجت وسقطت حضانتها، ثم طلقت؛ عادت إليها الحضانة؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا.
وأما (إن كان توقيتًا)، فإن حقها يسقط في الحضانة بزواجها؛ سواء طلقت بعد ذلك أم لا، وهذا قول مالك.
والقول الأول هو قول الأكثرين، ثم اختلفوا: متى يعود إليها الحق إذا كان الطلاق رجعيًّا: هل بمجرد الطلاق، أو يتوقف على انقضاء العدة؟ على قولين.
الرابعة: لا يستفاد من قوله ﷺ: «أنت أحق به ما لم تنكحي» عموم الحكم لكل أم، بل يشترط لذلك ألا يكون هناك مانع من هذا الحكم، فلا بد من تحقق الشـروط في الحاضن وعدم وجود مانع، وهذا ما يتضح في الأسطر الآتية:
يُشترط للحضانة أمور لا بد أن تتحقق؛ منها:
(أ) الاتفاق في الدين؛ لأن الحضانة فيها معنى الولاية، وقال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ ، وقال عن الكفار: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ ، وهذا هو الأرجح: أنه إذا كانت المرأة كافرة فإنها لا تكون حاضنة للطفل المسلم.
ويرى بعض الفقهاء جواز حضانة الكافرة إذا كان في مدة الرضاع والخدمة، ما لم يعقل الأديان، والقول الأول هو الأرجح، والله أعلم.
(ب) أن تكون الحاضنة كاملة الأهلية من العقل والبلوغ.
(جـ) أن تكون أمينة على المحضون غير مشغولة عنه.
(د) أن تكون قادرة على تربية الولد وصـيانته؛ بألا تكون مريضة مثلًا مرضًا يعجزها عن القيام بمصلحته.
ما يشترط وما لا يشترط في الحضانة:
(1) لا تشترط الحرية في الحضانة.
(2) إذا كانت الحاضنة فاسقة، فلا تمنع من الحضانة؛ لأن النبي ﷺ لم يمنع من ذلك، ولم يمنع أحد من الصحابة فاسقًا من تربية ابنه وحضانته له[8]. لكن إذا كان يسبب ضـررًا خُلُقيًّا للطفل انتزع منها؛ كأن تذهب به إلى أماكن الفجور. والقول بانتزاع الطفل بسبب الفسق هو قول جمهور العلماء.
(3) إذا أراد الحاضن السفر، فقد اختلف العلماء: هل يبقى مع المسافر، أم يأخذه المقيم، ولم يأت في ذلك دليل يحسم النزاع، (فالصواب النظر والاحتياط للطفل في الأصلح والأنفع من الإقامة أو النقلة، فأيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ روعي، ولا تأثير لإقامة ولا نقلة، وهذا كله ما لم يُرِدْ أحدهما بالنقلة مضارة الآخر، وانتزاع الولد منه، فإن أراد ذلك لم يُجَب إليه). قاله ابن القيم رحمه الله[9].
اختلف العلماء في المدة التي يبقى المحضون فيه عند الحاضنة، فبعضهم يرى أنه إذا تم سبع سنوات عند الأم أخذه الأب، وبعضهم يرى أنها إذا كانت بنتًا يأخذها الأب بعد سبع سنين، وإذا كان ولدًا خير بين والديه، وبعضهم يرى أنه معها لا يخير حتى يبلغ، وفي المسألة نزاع طويل، والأحاديث لم تنص على شـيء بعينه. والأولى في ذلك أن يراعى مصلحة الطفل وأيهما أحق به في الحضانة، حتى إذا بلغ سن التمييز خُيِّرَ.
وقد وردت أحاديث أن النبي ﷺ «خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه»، لكنها قضـية عين، ولم يذكر النبي ﷺ أن هذا الحكم عام في كل حال، بل قد نحتاج إلى التخيير، وقد لا نحتاج إليه، كل ذلك حسب ما تقتضـيه المصلحة للطفل، والله أعلم[10].
وأيا كان الأمر؛ فقد قضت المحاكم الشـرعية بتحديد سن الحضانة عملًا بهذا الرأي، وبه يحسم النزاع عند الخلاف.
جاء في نص القانون المصري: (وللقاضـي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين إلى تسع، وللصغيرة بعد تسع سنين إلى إحدى عشـرة سنة إذا تعين أن مصلحتها تقتضـي ذلك). ثم عُدِّل القانون بانتهاء حق حضانة الولد إلى عشـر سنين، والبنت إلى اثنتي عشـرة سنة، ويجوز للقاضـي إبقاء الصغير إلى الخامسة عشـرة، والصغيرة حتى تتزوج بدون أجرة حضانة إذا تبيَّن أن مصلحتها تقتضـي ذلك[11].
(1) قرر الفقهاء أن أجرة الحضانة، ومسكن الحضانة واجبان على من تجب عليه النفقة، بل إن احتاج المحضون إلى خادم، وكان الأب مُوسِـرًا؛ كانت أجرة الخادم عليه أيضًا.
(2) أجرة الحضانة تعد النفقة على الصغير، فإن كان للصغير مال، وجبت أجرة الحضانة في ماله، كما تجب نفقته ورضاعه في ماله. وإن لم يكن له مال، وجبت أجرة الحضانة على أبيه. فإن كان الأب مُعسِـرًا، وجبت على من تلزمه نفقته من أقاربه، وهي دين على أبيه يقضـيه إذا أيسـر.
وتكون أجرة الحضانة إذا لم يكن هناك نفقة على الأم، فإذا كانت الأم لم تطلق من الأب، أو طلقت وما زالت في العدة وتأخذ نفقة العدة، ففي هذه الحالات ليس لها أجرة حضانة.
فإذا انتهت نفقة العدة، أخذت أجرة حضانة للصغير.
(3) للطرف الآخر غير الحاضن الحق في رؤية المحضون، ولا يحق للحاضن أن يمنع الآخر من رؤية المحضون، وقد قصـر القانون هذا الحق على الأبوين والأجداد[12].
كما نص على أنه في حالة المنع وعدم الرغبة في رؤية الولد للطرف الآخر، يعين القاضـي موعدًا دوريًّا، ومكانًا مناسبًا لرؤية الولد، يتمكن فيه بقية أهله من رؤيته، وهذه كلها مسائل اجتهادية ترجع إلى مصلحة الطفل، ولا مانع من الأخذ بها إذ لم يمنع من ذلك قرآن ولا سنة.