البيوع التي حرمها الشرع
اعلم -رحمك الله- أن الأصل في البيوع الحل، فكل بيع وكل عقد لم يأت فيه دليل على تحريمه فهو حلال، فيحتاج الأمر إذًا إلى بيان المحرمات في هذه المعاملات، ويمكن أن تقسم البيوع المُحَرَّمة في الشـرع إلى فصلين:
الفصل الأول: محرمات تتعلق بالعقد وهي أقسام:
الأول: مُحَرَّم لأن المال غير متقوم؛ أي: أن الشـرع لا يعده مالًا.
الثاني: مُحَرَّم بسبب الغرر.
الثالث: مُحَرَّم لأنه غير مملوك.
الرابع: مُحَرَّم بسبب الربا.
الفصل الثاني: مُحَرَّمات لا تتعلق بالعقد وهي أقسام:
الأول: مُحَرَّم بسبب التدليس والخديعة.
الثاني: مُحَرَّم بسبب الإضـرار بالغير.
الثالث: مُحَرَّم لأنه يؤدي إلى مُحَرَّم.
الرابع: مُحَرَّم لأسباب تعبدية.
الفصل الأول: محرمات تتعلق بالعقد:
ويندرج تحت هذا القسم حالات كثيرة، أذكرها فيما يلي:
أولاً: محرمات لأن المال غير متقوم:
أي أن الشـرع لا يعده مالًا؛ إما لنجاسته، أو لحرمته، أو لعدم الانتفاع به.
(1) تحريم بيع الميتة:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ وهو بمكة عام الفتح يقول: «إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام»، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لا، هو حرام»، ثم قال رسول الله ﷺ: «قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها جَمَلُوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه»[1]، ومعنى «جملوه»: أذابوه. قال ابن حجر رحمه الله: (الميتة: ما زالت عنه الحياة لا بذكاة شـرعية)[2]، وقال ابن المنذر رحمه الله: (الإجماع على تحريم بيع الميتة)[3].
ذهب فريق من العلماء إلى أن العلة في تحريم بيع الميتة هي النجاسة، وبناء على ذلك قاسوا عليها تحريم بيع كل نجس.
قال الصنعاني رحمه الله: (والأظهر أنه لا ينهض دليل على التعليل بذلك، بل العلة: التحريم، ولذا قال ﷺ -أي عن اليهود-: «حرمت عليهم الشحوم» إلخ، فجعل العلة نفس التحريم)[4]. ومقصود الصنعاني أن علة تحريم البيع للميتة هي أنها مُحرَّمة لا لكونها ميتة، وعلى هذا فيحرم بيع كل شئ مُحرَّم ومنها الميتة.
(أ) يدخل في حكم الميتة ما قطع من البهيمة وهي حية؛ أي: من اللحم والشحم والعصب؛ لما تقدم من قوله ﷺ: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة»[5].
(ب) الحيوان غير مأكول اللحم حكمه حكم الميتة، حتى ولو ذُكِّي بالذبح.
(ج) شعر الميتة وصوفها ووبرها وعظمها وقرنها مما لا تُحِلْه الحياة طاهر؛ لذا فإنه يجوز بيعه؛ قال الصنعاني رحمه الله: (ولا يصدق عليها -أي الشعر والصوف والعظم- اسم الميتة، وجواز بيعها مذهب الجمهور)[6].
(د) جلد الميتة إذا دبغ، جاز بيعه، وأما إذا لم يدبغ، فلا يجوز بيعه؛ قال ابن قدامة رحمه الله: (ويجوز بيعه -يعني الجلد- وإجارته والانتفاع به في كل ما يمكن الانتفاع به فيه سوى الأكل؛ لأنه صار بمنزلة المذكى في غير الأكل، ولا يجوز بيعه قبل دبغه؛ لأنه نجس)[7].
قلت: وفي الحديث دليل على تحريم بيع النجاسات؛ لقوله ﷺ في آخر الحديث: «قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم شحومها جَمَلُوه فباعوه فأكلوا ثمنه»، والنجاسات حرَّمها الله، لذا ذهب جمهور العلماء إلى حرمة بيعها، واستثنى الحنفية والظاهرية كل ما فيه منفعة تحل شـرعًا، فجوزوا بيعه؛ كاستعمال الأرواث والأزبال النجسة التي تدعو الضـرورة إلى استعمالها في البساتين، وينتفع بها وقودًا وسَمادًا.
(2) تحريم بيع الخمر:
والخمر: كل ما خامر العقل، وهو محرَّم بأدلة القرآن والسنة والإجماع، سواء كان قليلًا أو كثيرًا، مهما اختلفت أسماؤه، ويدخل في ذلك (البيرة).
وقد روي النهي عن كل «مسكر ومفتِّر»[8]، فيدخل في ذلك المخدرات والأفيون والحشـيش ونحوها. قال الخطابي رحمه الله: («المفتر»: كل شـراب يورث الفتور والخدر في الأطراف، وهو مقدمة السكر، نهى عن شـرابه لئلا يكون ذريعة إلى السكر. والله أعلم)[9].
قال النووي رحمه الله: (بيع الخمر باطل؛ سواء باعها مسلم أو ذِمِّيٌّ أو تبايعها ذِمِّيان، أو وكل المسلم ذميًّا في شـرائها له، فكله باطل بلا خلاف عندنا)[10].
ويتفرع على تحريم الخمر ما يلي:
(أ) هل يجوز اتخاذ الخمر خلًّا؟
الجواب: ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ «سئل عن الخمر تتخذ خلًّا؟ فقال: لا»[11].
قال القرطبي رحمه الله: (ذهب جهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لأحد.. وقال آخرون: لا بأس بتخليل الخمر، ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعالجة آدمي، أو غيرها)[12].
قلت: ولا يعني -على قول الجمهور- ذلك تحريم (الخل) المصنوع من غير تخمير؛ فقد ثبت في الحديث قوله ﷺ: «نعم الإدام الخل»[13]، فلو صنع الخل دون أن يمر بمرحلة التخمير فإنه جائز، وإنما الكلام في الذي تخمَّر أولًا ثم تخلل.
تنبيه: ذكر لي بعض طلاب العلم أن الخل الأبيض الموجود الآن لا يمر بالتخمير، بل هو يعالج بالهدرجة فيفصل الخل مباشـرة، فهذا إن ثبت يدل على جواز هذا الخل بيعًا وشـراء وطعامًا بلا خلاف.
(ب) جاء في فتاوى المجمع الفقهي: يجوز استعمال الأدوية المشتملة على كحول بنسب مستهلكة تقتضـيها الصناعة الدوائية التي لا بديل عنها، بشـرط أن يصفها طبيب عدل، كما يجوز استعمال الكحول مطهرًا خارجيًّا للجروح، وقاتلًا للجراثيم، وفي الكريمات والدهون الخارجية[14].
(جـ) يحرم الاتجار في (الدخان) بجميع أنواعه، بيعًا وشـراءً، فضلًا عن تحريم تعاطيه، كما يحرم العمل في شـركات الدخان بأي نوع من أنواع العمل، حتى ولو كان لا يباشـر صناعتها بنفسه؛ وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة:3].
(د) العطور الكحولية (البارفنات) ونحوها، إذا كانت نسبة الكحول فيها كبيرة، فلا يجوز تصنيعها أو استعمالها، وأما إذا كانت بنسب ضئيلة مستهلكة، فهي جائزة[15]. ونسب إلى بعض المعاصـرين أن الكحولات المستخدمة في هذه البارفنات إنما هي كحولات مركبة، وهي تختلف عن الكحولات المسكرة، وعلى هذا فيجوز استعمال هذه البارفنات، وهذا كلام معتبر إن صح.
(هـ) لا يجوز بيع العنب لمن يتخذه خمرًا، ولا العمل في الأماكن التي تُقَدَّم فيها الخمور؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتاني جبريل فقال: يا محمد، إن الله لعن الخمر، وشاربها، وعاصـرها، ومعتصـرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومستقيها»[16].
(3) تحريم بيع الأصنام:
دل الحديث في أول الفصل[17] على تحريم بيع الأصنام. قال ابن حجر: (الأصنام: جمع صنم، قال الجوهري: هو الوثن، وقال غيره: الوثن: ما له جثة، والصنم: ما كان مصورًا)[18].
قال الصنعاني رحمه الله: (وأما علة تحريم بيع الأصنام، فقيل: لأنها لا منفعة فيها مباحة، وقيل: إن كانت بحيث إذا كسـرت انتفع بأكسارها، جاز بيعها، والأولى أن يقال: لا يجوز بيعها وهي أصنام للنهي، ويجوز بيع كسـرها؛ إذ هي ليست بأصنام، ولا وجه لمنع بيع الأكسار أصلًا)[19].
(أ) لا يجوز بيع المشغولات التي فيها صور ذوات الأرواح، وذلك مثل المشغولات الذهبية المصنوع عليها الطيور والحيات ونحو ذلك، وكذلك لا يجوز لُبْسُها.
(ب) وأما ما كان عليه هذه الصور وهي تمتهن، كآلة يقطع بها، أو بساط، أو وسادة يرقد عليها؛ فيجوز هذا من حيث الاستعمال، وأما من حيث الصناعة فلا يجوز فعله، لا في الملابس، ولا في غيرها[20]. هكذا قررت اللجنة الدائمة.
قلت: والأولى تجنب ذلك عمومًا؛ سواء في الاستعمال، أو الصناعة.