مسائل عامة متعلقة بعقد البيع
الأولى: حكم الإشهاد على البيع:
يستحب الإشهاد[1] على البيـع؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ [البقرة:282]، ولأن ذلك أقطع للنزاع وأبعد عن التجاحد[2]. والآية السابقة؛ وإن كان طلب الإشهاد فيها جاء بصـيغة الأمر الذي يفيد الوجوب؛ إلا أنه قد صـرف للاستحباب؛ لما يلي:
(أ) لأن الله تعالى قال بعد ذلك: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ [البقرة:283]، قال أبو سعيد: (صار الأمر إلى الأمانة).
(ب) ولأن النبي ﷺ اشترى من أعرابي فرسًا، فجحده الأعرابي، ولم يكن بينهما شهود، حتى شهد له خزيمة بن ثابت رضي الله عنه ولأنه ﷺ اشترى من يهودي ورهنه درعه[3]، ولم ينقل أنه أشهد على ذلك.
(جـ) ولأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتبايعون، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالإشهاد.
(د) ولأن البيع يكثر بين الناس، فلو أمر بالإشهاد على كل بيع، لشق ذلك عليهم، قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج:78].
الثانية: إذا اختلف البائع والمشتري:
ثبت في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا اختلف المتبايعان، وليس بينهما بينة، فالقول ما يقول رب السلعة، أو يتتاركان»[4].
دل هذا الحديث على أنه إذا وقع اختلاف بين البائع والمشتري:
فإن كان لأحدهما بينة (كشهادة الشهود مثلًا)، أو قرينة تدل على صدقه، فهو صاحب الحق؛ لأنه بالبينة ثبت حقه.
وإن لم يكن لأحدهما بينة، فالظاهر من الحديث أن القول قول البائع مطلقًا، سواء كان الاختلاف في السلعة، أو ثمنها، أو في الشـروط، أو في الصفة، أو غير ذلك، فإن وافق المشتري على ما ادعاه البائع، فذاك، وينعقد البيع على ذلك، وإلا تتاركا البيع.
مسائل في تنازع البائع والمشتري:
(1) ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث أنهما «يتحالفان»، ولكنه لفظ لا يثبت في الحديث، وقد ضعَّفه الإمام أحمد، وابن المنذر، والبيهقي، والخطابي، وغير واحد من الأئمة[5].
(2) وورد أيضًا في بعض ألفاظ الحديث «والسلعة قائمة»، ولكن الإمام أحمد قال: ولم يقل فيها: «والبيع قائم» إلا يزيد بن هارون، أي: أنه يرى شذوذ هذه اللفظة، وبعضهم يضعفه؛ لأن في إسناده ابن أبي ليلى، وهو سـيئ الحفظ، ورأى بعضهم أنها ليست من لفظ الحديث، وإنما هي من قول بعض الرواة، وبعض العلماء يحكم بصحتها[6]، ومن هنا اختلفوا في الحكم السابق؛ فمن صحَّحها قال: إنما يكون الحق للبائع إذا كانت السلعة قائمة، وأما إذا تلفت السلعة، فقد وقع نزاع بين أهل العلم، فيرى بعضهم أن يتحالفا إذا لم يكن لأحدهما بينة، ويرى بعضهم أن الحكم كما هو بأن القول قول البائع؛ لأن هذه الزيادة لا تصح عندهم، وهذا هو الراجح، فإن كان ثَمَّ بينة عمل بها، وإلا فالقول قول البائع.
قلت: ولذلك يفضل توثيق العقود بالكتابة والشهود؛ منعًا للخلاف الذي قد يؤدي إلى النزاع والشقاق.
(3) إذا تنازع البائع والمشتري أيهما يُسلِّم أولًا، فإنهما ينصبان بينهما رجلًا عدلًا يتسلم السلعة من البائع والثمن من المشتري، ثم يسلم لكل منهما حقه.
(4) إذا باع السلعة، ولم يسلم له الثمن، وخشـي البائع أن يهرب المشتري أو يماطله، فإنه يحق للبائع حبس السلعة حتى يأتي المشتري بالثمن.
(5) إذا تبين أن المشتري معسـر، أو أنه مماطل؛ فيحق للبائع الفسخ واسترداد السلعة.
عن أنس رضي الله عنه قال: غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله لو سعَّرت؟ فقال: «إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ﭬ ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال»[7].
والتسعير: هو أن يصدر السلطان أو نائبه أمرًا لأهل السوق أن لا يبيعوا أمتعتهم إلا بسعر كذا، فيمنع من الزيادة عليه أو النقصان لمصلحة.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقد استدل بالحديث وما ورد في معناه على تحريم التسعير، وأنه مظلمة، ووجهه أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير -أي: بزيادة- الثمن، وإذا تقابل الأمران، وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضـى به مُنافٍ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ [النساء:29]، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء...وظاهر الحديث عدم الفرق بين حالة الغلاء وحالة الرخص وبين ما كان قوتًا وغيره)[8].
هذا وقد رأى الإمام مالك جواز التسعير إذا دعت إلى ذلك مصلحة؛ منعًا للاستغلال واعتبارًا للمصلحة المرسلة. وذهب إلى ذلك أيضًا ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، بشـرط أن يكون سعرَ عدلٍ. قال ابن القيم رحمه الله: (وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم، فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس -مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل- فهو جائز، بل واجب... فإذا كان الناس يبيعون سلعتهم على الوجه المعروف، من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر، إما لقلة الشـيء، وإما لكثرة الخلق، فهذا إلى الله، فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق.
وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها -مع ضـرورة الناس إليها- إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل، فالتسعير هنا إلزامهم بالعدل الذي ألزمهم الله به)[9].
أن يجتهد الناس في أموالهم زيادة ونقصانًا، وهذا يدعو إلى المصلحة العامة؛ لأن التجار يتنافسون في عرض بضائعهم وتحسـينها، وأما التسعير، فإنه يؤدي إلى إهمال التجار إحضار السلع الجيدة للناس، كما يؤدي إلى إخفاء السلع لبيعها سـرا بغير التسعير، ويظهر ما يعرف الآن بالسوق السوداء، والله أعلم.
السمسار هو: الذي يتوسط بين البائع والمشتري نظير أجر معين، فهذا جائز مباح؛ قال رسول الله ﷺ: «المسلمون عند شـروطهم»[10].
قال الإمام البخاري رحمه الله: (لم ير ابن سـيرين وعطاء وإبراهيم والحسن بأجر السمسار بأسًا)[11].
وقال ابن عباس رضي الله عنه: «لا بأس أن يقول: بع هذا الثوب، فما زاد على كذا وكذا فهو لك»[12].
ومن ذلك أيضًا أن يعطي مالًا لمن يحضـر له زبائن يشترون منه، ويسمى (جُعْلًا)، فهذا جائز بشـرط ألا يكون هناك تدليس أو خديعة لهؤلاء المشترين، ولا يكون هذا الجُعْل مضافًا على السلعة، إنما يعطيه البائع من مكسبه.
تنبيه: ما يسميه بعض الناس سمسـرة، وهو أن يطلب منه شخص ما أن يشتري له سلعة ويعطيه الثمن، فيجتهد في شـرائها، ثم يعطيها لهذا الشخص بثمن أعلى، ويدعي أن ما يأخذه (سمسـرة)، فهذا باطل لا يجوز، إلا أن يُعْلِم صاحبه بأخذه جُعْلًا على عمله ذلك.
الخامسة: طرق تحديد الثمن بين البائع والمشتري:
يتفق الطرفان -البائع والمشتري- على ثمن السلعة؛ حتى يتم بينهما التراضـي وينفذ عقد البيع، وهذا التحديد يتم بأحد أمرين:
الأول: أن يحدد الثمن بينهما من دون أن يذكر البائع أنه اشتراه بكذا، أو أنه يربح كذا، أو أنه يخسـر فيه كذا.
الثاني: أن يحدد الثمن بينهما بمعرفة ربح البائع أو خسارته، ويسمى هذا البيع بيع الأمانة؛ لأن المشتري ائتمن البائع فيما يذكره من ثمن البيع الذي اشتراه به، والزيادة التي يضـيفها أو ينقصها. ويندرج تحت هاتين الطريقتين أقسام، وبيانها فيما يلي: