حجم الخط:

محتوى الدرس (214)

مسألة: هل يجوز للمستأجر أن يؤجر العين التي استأجرها؟

الراجح جواز ذلك؛ لأن المستأجر قد ملك المنفعة مدة الإجارة، فجاز له تأجيرها لغيره ولو بثمن أكثر من أجرته، ولكن بشـرط ألا يكون هناك ضـرر على المالك، فلا يجوز مثلًا أن يكون المستأجر الثاني نشاطه يضـر بالمبنى، وللمالك الحق في هذه الحالة أن يفسخ عقد الإجارة، ويرى مجمع الفقه الإسلامي أنه في الإجارات الطويلة المدة، خلافًا لنص عقد الإجارة طبقًا لما تسوِّغه بعض القوانين، لا يجوز للمستأجر إيجار العين لمستأجر آخر، ولا أخذ بدل الخلو فيها، إلا بموافقة المالك[1].

ومن هذا الباب كذلك: لو استؤجر رجل على عمل بأجرة معينة، ثم استأجر هو من يقوم بهذا العمل؛ سواء كان بنفس الأجرة أو أقل منها، جاز له ذلك، إلا أن يكون الثاني لا يحقق الغرض المطلوب من الأول، فهذا لا يجوز.

التأجير بالحكر:

معلوم أن الإجارة تكون على منفعة العين في المدة التي يمكن الانتفاع فيها بالعين، ولو كانت المدة طويلة، مثل أن يؤجره بيتًا مثلًا لمدة ستين سنة إذا كان البيت يمكن أن يبقى هذه المدة، وإذا انهدم البيت قبل هذه المدة انفسخ عقد الإجارة، ولا يجوز للمستأجر أن يقيم في المكان، ولا يجوز له مدة الإجارة أن يتصـرف في العين المؤجرة بهدم أو تغيير أو نحو ذلك؛ لأنه إنما يملك المنفعة فقط.

لكن أحيانًا تكون الإجارة على منفعة الأرض، بحيث يسمح للمستأجر بالانتفاع بالأرض ولو بالبناء عليها، ويقال لهذا «حكر»، وقد تكون هذه المدة طويلة جدًّا، فيجوز للمستأجر أن يبني عليها، وأن يهدم البناء، ويغيره، ونحو ذلك مدة الإجارة.

مسألة: حكم الإجارة على الطاعات:

لا يصح أن يستأجر الإنسان على (قُرَب) مفروضة عليه؛ لأنه عمل يرجى به ثواب الآخرة، فلا ينبغي أن يراد عمل الدنيا بعمل الآخرة، قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن إمام قال لقوم: (أصلي بكم رمضان بكذا وكذا درهمًا؟ قال: أسأل الله العافية، من يصلي خلف هذا؟)[2]. وقد اختلفت آراء العلماء في جواز أخذ الأجرة على أعمال القرب؛ كالإمامة والأذان وتعليم القرآن ونحو ذلك وهم فريقان:

الفريق الأول: يرى عدم جواز أخذ الأجرة؛ وهو مذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد، وأدلتهم على ذلك:

(1) عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال: إن آخر ما عهد إليَّ النبي ﷺ أن أتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا[3].

(2) وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: علَّمتُ ناسًا من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إليَّ رجل منهم قوسًا، قال: قلت: قوس وليس بمال، قال: قلت: أتقلدها في سبيل الله، فذكرت ذلك للنبي ﷺ وقصصت عليه القصة، قال: «إن سـرك أن يقلدك الله قوسًا من نار فاقبلها»[4].

(3) وعن عبد الرحمن بن شبل الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرءوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به»[5].

الفريق الثاني: يرى جواز أخذ الأجرة؛ وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن الإمام أحمد -إلا أن الشافعية منعوا الإجارة على الإمامة في الفروض، والمالكية منعوها إذا انفردت عن الأذان- وأدلة هذا الفريق:

(1) قوله ﷺ: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»[6].

(2) تزويج النبي ﷺ صحابيًّا بما معه من القرآن[7]، فجعل القرآن عوضًا عن المهر، فكذلك تجوز الإجارة على تعليمه.

(3) أن النبي ﷺ أجاز للراقي بالفاتحة أخذ الجعل، وقال له: «لقد أكلت برقية حق، كلوا واضـربوا لي معكم بسهم»[8].

(4) قالوا أيضًا: حتى لا تتعطل المصالح؛ لأن الناس لو انشغلوا لحاجاتهم ضاعت مصالح الدين.

وللشـيخ ابن عثيمين كلام حسن في ذلك؛ فإنه قسم القربات إلى قسمين، قسم لا يقع إلَّا قربة، وقسم يقع قربة وينتفع به الغير:

فقال عن الأول: لا يصح عليه الإجارة؛ كالأذان والإمامة وقراءة القرآن.

وقال عن الثاني: يصح أخذ الأجرة عليه؛ كتعليم القرآن وتدريس العلم ونحو ذلك.

ثم أورد استشكالًا عند بعض طلاب العلم فيما يأخذه الأئمة والمؤذنون والدعاة من رواتب، فقال: (هذا الذي تأخذونه ليس أجرة، ولكنه حق تستحقونه من بيت المال... فكل من عمل عملًا متعدِّيًا للمسلمين، فله حق من بيت المال، على حسب نتيجة هذا العمل وثمرته)[9].

بدل الخـلـو:

الخلو: مبلغ نقدي سوى الأجرة، قد يأخذه المالك من المستأجر لتمكينه من استئجار العقار، أو يأخذه المستأجر من المالك إذا رغب المالك في إخلاء العقار من المستأجر، أو قد يأخذ المستأجر من مستأجر آخر يحل محله في شغل العقار.

وقد صدر قرار مجمع الفقه رقم (6) في الدورة الرابعة المنعقدة في عمان 1408هـ الموافق 1988م بشأن بدل الخلو، وقد نص على البنود الآتية:

أولًا: إذا اتفق المالك والمستأجر على أن يدفع المستأجر مبلغًا مقطوعًا زائدًا عن الأجرة الدورية -وهو ما يسمى في بعض البلاد خلوًّا- فلا مانع شـرعًا من دفع هذا المال المقطوع، على أن يُعد جزءًا من أجرة المدة المتفق عليها، وفي حالة الفسخ يطبق على هذا المبلغ أحكام الأجرة.

ثانيًا: إذا تم الاتفاق بين المالك وبين المستأجر في أثناء مدة الإجارة على أن يدفع المالك إلى المستأجر مبلغًا مقابل تخلِّيه عن حقه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة، فإن بدل الخلو هنا جائز شـرعًا؛ لأنه تعويض عن تنازل المستأجر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك.

أما إذا انقضت مدة الإجارة، ولم يتجدد العقد صـراحة أو ضمنًا عن طريق التجديد التلقائي حسب الصـيغة المعدة له، فلا يحل له الخلو؛ لأن المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر.

ثالثًا: إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد في أثناء مدة الإجارة، على التنازل عن بقية مدة العقد، لقاء مبلغ زائد عن الأجرة الدورية، فإن بدل الخلو هذا جائز شـرعًا، مع مراعاة مقتضـى عقد الإجارة المبرم بين المالك والمستأجر الأول، ومراعاة ما تقضـي به القوانين النافذة الموافقة للأحكام الشـرعيَّة.

على أنه في الإجارة الطويلة المدة، خلافًا لنص عقد الإجارة، طبقًا لما تسوِّغه بعض القوانين، لا يجوز للمستأجر إيجار العين لمستأجر آخر، ولا أخذ بدل الخلو فيها، إلا بموافقة المالك.

أما إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد، بعد انقضاء المدة، فلا يحل بدل الخلو؛ لانقضاء حق المستأجر الأول في منفعة العين.

تنبيه: إذا استفاد المستأجر حق البقاء في العين المؤجرة بقاء دائمًا بحكم القوانين الوضعية، فهل للمستأجر أن يأخذ خلوًّا لترك العين للمالك؟

الجواب: جاء في كتاب المعاملات المالية المعاصـرة للدكتور محمد عثمان شبير -في معرض ذكره لأسباب أخذ الخلو - ما يلي: (السبب الرابع - يعني من أسباب أخذ الخلو -: أن يكون المستأجر قد استفاد حق القرار في العين المؤجرة بوضع قانون صـرف، لم ينشأ باتفاق المتعاقدين، ولم تأت به الشـريعة الإسلامية، كما هو الحال في القانون الوضعي الذي يعطي المستأجر حق البقاء الدائم في العين المؤجرة، وبالأجرة نفسها التي انعقد عليها العقد، أو كأن يصدر قانون يقضـي بأن البيت لساكنه، فهذه الحالة لا يمكن إنزال الأحكام السابقة عليها -أحكام الخلو- لعدم وجود نظير لها في صور الخلو لدى الفقهاء)[10].

فما حكم هذه الإجارات الدائمة التي أُلزِم فيها المالك بتثبيت الأجرة، حتى صارت العين المؤجرة وكأنها ملك للمستأجر، وصار مغتصبًا لمنفعة العين؟[11].

الجواب: أما العقد، فهو عقد فاسد.

وإذا قلنا: إن العقد فاسد، فلا يصح للمستأجر أن يقيم في العين المؤجرة وينتفع بها؛ لأنه غاصب لها، إلا أن يجدد العقد مع المالك برضاه، ويتفقا على قيمة الأجرة ويحددا مدة معلومة.

وهذه من المسائل التي شاعت بين الناس عالمهم وجاهلهم، حتى صارت كأنها حق للمستأجر، حتى إنهم يورِّثون العين المؤجرة لأبناء المستأجر، وينظر إليه المالك الضائع والمغتصب حقه، ولا يستطيع أن يحرك ساكنًا؛ للقوانين الجائرة الظالمة التى فرضت على الناس.

تنبيه: انتبه القائمون على القوانين، بعد سنوات مريرة أكلت فيها الحقوق، إلى أن قوانين الإجارة الدائمة قوانين جائرة، وبعد مداولات أرادوا تصحيح الأوضاع، ففرضوا على المستأجرين زيادة تدفع للملاك بنسب متفاوته حسب المدة الزمنية التي استأجروها.

وأقول: وهذا أيضًا باطل؛ لأن العقود مفسوخة أصلًا، ولأنهم لم يمنعوا الإجارة الدائمة، بل جعلوا المدة دائمة كما هي، والواجب في ذلك: فسخ العقود كلها، وتجديدها برضـى الأطراف، مع تحديد المدة في العقود الجديدة، إلا أنهم أصابوا في إيجارات الأراضـي الزراعية، إذ أعطوا مهلة للمستأجرين في ترك هذه الأراضـي لأصحابها، وبقي الأمر في الإيجارات السكنية يحتاج إلى تصحيح الأوضاع.

ولا مانع أن يتم الفسخ والتجديد تحت رقابة المسؤولين مع تحري العدل، وعودة الحق لأصحابه، وتكون هذه الرقابة دفعًا للمنازعات والخصومات، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا [النساء:58]. وفي الحديث: «انصـر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، قال: أنصـره مظلومًا، فكيف أنصـره ظالمًا؟ قال: «أن تكفه عن الظلم»[12].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة