حجم الخط:

محتوى الدرس (225)

فصل: في إتلاف المال للغير:

معنى الإتلاف:

هو إخراج الشـيء من أن يكون منتفعًا به منفعة مطلوبة منه عادة. فهذا موجب للضمان؛ لأنه اعتداء وضـرر، وقد قال تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ [البقرة:194]، والقاعدة الشـرعية: «لا ضـرر ولا ضـرار».

فعن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضـربت بيدها فكسـرت القصعة، فضمَّها، وجعل فيها الطعام، وقال: «كلوا»، وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة[1]. وفي الحديث عند أبي حاتم والدارقطني: «من كسـر شـيئًا فهو له، وعليه مثله»، زاد الدارقطني: «فصارت قضـية»[2].

ولا يشترط أن يكون الإتلاف نتيجة غصب الشـيء، أي أنه إذا أتلفه بأي سبب كان؛ كأن يكسـر إناءً لآخر، أو يقلع زرعًا له، أو يقتل بهيمة، أو غير ذلك.

ولا فرق كذلك بين أن يكون الإتلاف مباشـرة أو تسببًا غير مباشـر؛ مثل أن يفتح قفصًا فيه طائر فيطير الطائر فإنه يضمنه؛ لأنه تسبب في ذلك، ولا فرق كذلك بين أن يكون ذلك عمدًا أو خطأ، وسواء كان من بالغ أو صبي.

من نماذج التسبب في الإتلاف:

إذا فتح قفص طائر فطار، أو باب دكان فسـرقه اللصوص، أو باب إصطبل فخرجت البهائم وشـردت، أو حلَّ رباط سفينة فغرقت أو ذهبت بها الريح، ورأى بعض الفقهاء أنه لو رَوَّع إنسانًا فأصـيب بأذى ضمنه، وكذلك لو حبسه أو حال بينه وبين ماله حتى هلك ماله ضمن؛ لأنه منعه عن حفظ ماله.

يشترط في الشـيء المضمون بالإتلاف أن يكون مالًا متقومًا أي: يباح الانتفاع به شـرعًا، وعلى هذا فإذا أتلف خمرًا أو خنزيرًا لمسلم فإنه لا يضمنه، وكذلك إذا أتلف أصنامًا أو آلات اللهو لا يضمنها؛ لأن منفعتها محرمة، ولا يضمن إتلاف كتب الفسق والفجور والكفر؛ لإلحاقها ضـررًا بعقائد الناس، بل الواجب إتلاف هذه الكتب، والله أعلم.

ويرى الشـيخ ابن عثيمين، أن الذي يتلف هذه الأشـياء مَنْ كانت بيده (أي: صاحبها) أو ولي الأمر، حتى لا يحصل فوضـى وشـر أعظم إذا قام آحاد الناس بتكسـيرها أو تحريقها[3].

ما تتلفه المواشي:

(1) يجب على أصحاب المواشـي حفظها ليلًا، وعلى أصحاب الحوائط (البساتين) حفظها نهارًا، فإذا أفسدت المواشـي زروع قوم بالليل فعليهم الضمان؛ فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطًا فأفسدت فيهم، فكُلِّم رسول الله ﷺ فيها، فقضـى: «بأن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشـية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشـية ما أصابت ماشـيتهم بالليل»[4]. وعلى هذا فلا ضمان على أصحاب المواشـي إذا أفسدت بالنهار؛ لأن الواجب على أصحاب الزرع حمايته بالنهار.

ولا يعني ذلك أن صاحب الماشـية يرعى قريبًا من مزارع الناس؛ لأنه من المعلوم أن البهائم سوف تذهب إلى الزرع وتأكل منه، فلو رعى قريبًا من مزرعة ليس عليها جدار ولا شِبَاك ولا نحوه فأفسدت، ضمنها أيضًا صاحب الماشـية.

(2) إذا حفظت المواشـي ليلًا، ورعاها أصحابها بعيدًا عن مزارع الناس، ومع هذا أفسدت من غير تعدٍّ ولا تفريط من صاحبها، أو أنها في أثناء طريقها ضـربت بقدمها حجرًا فأصاب شـيئًا فأتلفه، فلا ضمان على صاحبها؛ لأن النبي ﷺ قال: «العجماء جُبَار»[5].

و«العجماء» هي البهائم، و«جُبَار»: أي: هدر، وهذه هي القاعدة في إتلاف البهائم، أنه جُبَار، ما لم يكن تفريط أو تعدٍّ من صاحبها.

فصل: دفع الصائل:

[معناه وحكمه]

معنى الصائل: هو الذي يندفع على الناس؛ يريد مالهم أو أنفسهم، أو يريد امرأة يزني بها، وكذلك إذا صالت بهيمة على إنسان.

حكمه: للمصول عليه أن يدفع عن نفسه هذا العدوان، ولغيره أن يرد هذا المعتدي عن الناس بحسب قدرته.

طريقة دفع الصائل: يبتدأ بدفعه بالأخف فالأخف إن أمكن؛ كأن يمنعه بالكلام أولًا، فإن لم يمكن استغاث بالناس، فإن لم يمكن جاز أن يدفعه بالضـرب باليد، فإن لم يمكن منعه بالسوط، وهكذا حتى إذا لم يمكن إلا دفعه بالسلاح -كأن يكون المعتدي شهر عليه سلاحًا- جاز دفعه بالسلاح دفاعًا عن نفسه.

أدلة مشروعية الدفاع عن النفس:

قال تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة:194].

وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من قُتِل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِل دون أهله فهو شهيد»[6]. وثبت نحوه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد»[7].

وأما دليل مشـروعية التعاون في الدفاع عن الغير، فلقوله ﷺ: «انصـر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، قيل: كيف أنصـره ظالمًا؟ قال: «تحجُزه عن الظلم»[8]، ولأن في الدفاع عن الغير حفظَ الحرمات مطلقًا، ولولا ذلك لذهبت أموال الناس وأنفسهم.


حكم الدفاع الشرعي:

إذا هوجم إنسان بقصد الاعتداء عليه؛ بقتله، أو إتلاف عضو من أعضائه؛ سواء كان الهجوم من إنسان آخر، أو من بهيمة، فالدفاع (عن النفس) واجب على قول الجمهور، وعند الحنابلة أنه جائز لا واجب.

وحجة الجمهور ما تقدم من الآيات والأحاديث، وحجة الحنابلة الأحاديث التي تدل على جواز عدم الدفع؛ كقوله ﷺ: «كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل»[9]، وفي حديث الفتن قال ﷺ: «اجلس في بيتك، فإن خفت أن يبهرك شعاع السـيف فغط وجهك»[10].

وأما الدفاع (عن العرض) فواجب باتفاق الفقهاء، فيجب على المرأة أن تدفع عن نفسها من أراد أن يعتدي على عرضها، ولو أدى ذلك إلى قتله.

وكذلك يجب على الرجل أن يدافع عن عرض أهله؛ لأن الأعراض حرمات الله في الأرض، فلا سبيل إلى إباحتها بحال من الأحوال.

ولو اطلع إنسان في بيتِ آخر بغير إذنه، من ثقب أو شق في باب، فرماه صاحب البيت بحصاة، أو طعنه بعود فقلع عينه، فلا مسئولية جنائية ولا مدنية، لا قصاص ولا دية عند الشافعية والحنابلة؛ لقوله ﷺ: «لو أن رجلًا اطلع عليك بغير إذن، فخذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك جناح»[11]. وأما الدفاع (عن المال) فقد اختلف العلماء في حكمه؛ فالجمهور على أنه جائز لا واجب، ورأى بعض فقهاء المالكية أن الدفاع عن المال واجب.

شروط دفع الصائل: [12]

(1) أن يكون هناك اعتداء محقق، أما إذا كان من نحو التأديب من الأب، أو الزوج، فإن هذا ليس اعتداءً.

(2) أن يكون الاعتداء حالًّا واقعًا بالفعل، لا مؤجلًا ولا مهددًا به.

(3) ألَّا يمكن دفعه بطريقة أخرى.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة