حجم الخط:

محتوى الدرس (285)

أولا: حـد الزنـــا

خريطة ذهنية للمسائل المتعلقة بحد الزنا

جدول 153 حد الزنا

معناه:

لغة: قيل: الفجور، وقيل: ال ضـيق.

وشـرعًا: وطء المرأة من غير عقد شـرعي.

حكم الزنا والدليل عليه:

الزنا حرام، وقد اتفقت الملل على تحريمه، فهو جناية على الأعراض والأنساب، ومما يدل على تحريمه وأنه من الكبائر:

من (الكتاب): قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴿ ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ عز وجل الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [الفرقان:68-69].

ومن (السنة): عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»[1].

وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه في حديث طويل لرؤيا رآها النبي ﷺ، وفيه: «فانطلقنا فأتينا على مثل التنور - قال: أحسب أنه يقول: فإذا فيه لغط وأصوات- قال: فاطلعنا فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضَوْضَوْا -أي ضجوا واستغاثوا- قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟... إلي آخر ما رأى - ثم عبر الملكان له ذلك: «قالا: وأما الرجال والنساء العراة الذين رأيتهم في مثل بناء التنور؛ فهم الزناة والزواني»[2].

وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على تحريم الزنا.

وأما (الإجماع): فقد وقع الإجماع بين المسلمين على تحريمه، وهو من المعلوم من الدين بالضـرورة، بل إن تحريمه مما اتفقت عليه جميع الملل كما تقدم.

شروط حد الزنا:

يشترط في إقامة حد الزنا أن يكون الزاني: عاقلًا، مختارًا، عالمًا بالتحريم. وهذه الشـروط سبق ذكرها في الشـروط العامة للحدود، ويزاد على ذلك الشـروط الآتية:

(1) أن يزني بآدمية، فإذا أتي بهيمة فلا حد عليه باتفاق المذاهب الأربعة، ولكنه يعزر.

وهل تقتل البهيمة؟ ذهب الجمهور إلى عدم قتلها، وجواز أكلها، وذهب الحنابلة إلى أنها تقتل بشهادة رجلين على فعله، ويحرم أكلها، ويضمنها (أي: يدفع ثمنها لصاحبها).

(2) أن يكون الوطء بتغييب الحشفة (رأس الذكر) كاملة على الأقل، وأما لو فاخَذَها أو غيب أقل من الحشفة فلا يحد، ولكن يعزر.

(3) أن تنتفي الشبهة، سواء كانت شبهة في العقد، أو في الفعل، فمثال الشبهة في العقد: أن يعقد على امرأة بعقد فاسد أو بعقد باطل، وهو يظن أنه عقد صحيح؛ كأن يتزوج أخته من الرضاع وهو لا يعلم، ثم يتبين له أنها أخته من الرضاع، فإنه يجب عليه أن يفارقها، ولا حد عليهما، وأما إن كان يعلم فإنه يحد بالاتفاق.

ومثال الشبهة في الفعل: أن يطأ امرأة يظنها زوجته، ثم يتبين أنها ليست بزوجته، فلا يحد عند المالكية والشافعية (وهو الراجح)، ويحد عند الحنفية والحنابلة.

شروط ثبوت الزنا:

[تمهيد]

لا يقام حد الزنا إلا بثبوت الفعل ثبوتًا محققًا بأحد هذه الأمور:

أولًا: الإقرار:

[معناه]

بأن يقر البالغ العاقل بوقوع الزنا منه، ويكون إقراره وهو مختار غير مكره، ويتعلق بذلك ما يلي:

(1) هل يشترط تعدد الإقرار؟

الراجح لا يشترط، فيكفي إقراره مرة واحدة، وهذا مذهب المالكية والشافعية؛ لقوله ﷺ: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها»[3]، وكذلك في حديث الغامدية وقد جاءت مقرة بالزنا، ولم يكرر عليها الإقرار.

وقد ذهب الحنفية والمالكية إلى أن الإقرار لا بد أن يكون أربع مرات، ويشترط الحنفية أنها لا بد أن تكون متفرقة في مجالس متعددة؛ عملًا بحديث ماعز؛ إذ أقر أربع مرات، وفي بعض الروايات أنه كان يخرج من المسجد ثم يعود.

قلت: والراجح ما تقدم أنه يكفي إقراره مرة واحدة، وأما حديث ماعز فإن النبي ﷺ أراد أن يتحقق من عدم وجود شبهة عنده؛ لأن الحد يدرأ بالشبهة.

(2) لا بد أن يكون الإقرار أمام القاضـي:

فإذا شهد شهود أنه أقر فإنه لا تقبل هذه الشهادة، بل لا بد أن يأتي بنفسه ويقر أمامه.

(3) الإقرار حجة على المقر فقط:

فإذا أقر رجل أنه زنا بامرأة، وأنكرت هي، أقيم الحد عليه دونها؛ ففي الحديث عن سهل بن سعد رضي الله عنه «أن رجلًا أقر أنه زنا بامرأة، فبعث النبي ﷺ إليها، فجحدت، فحد الرجل»[4].

وهذا دليل على أنه لا يقام عليه إلا حد الزنا فقط، وهذا مذهب المالكية والشافعية، خلافًا لمن يقول: يسقط عنه الحد وهو مذهب الحنفية، ولمن يقول: يحد حدين: الزنا والقذف، ولأنه لا يلزم من أقر بالزنا حد القذف إذا قال: زنيت بفلانة، لأن النبي ﷺ طلب من ماعز تعيين من زنى بها فعينها ثم لم يحده للقذف.

(4) لا بد أن يتحقق القاضـي أنه صحيح العقل:

ليس به خبل، أو جنون، أو سكر، وأن يتحقق هل هو محصن أم أو لا؟ حتى يقيم عليه الحد.

ولا بد كذلك أن يستثبت القاضـي من حقيقة الإقرار قبل إقامة الحد؛ لأنه ربما كان المقر لا يعرف حقيقة الزنا، ولذلك فإن النبي ﷺ قال لماعز: «لعلك قبلت أو غمزت؟» قال: لا، قال: «أنكتها» لا يكني[5]؛ لأن الأمر يحتاج إلى تصـريح لا غموض فيه.

(5) إذا رجع عن الإقرار بعد الحكم:

أو قبله، أو هرب في أثناء الحد، فإنه يسقط عنه الحد عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد؛ لأن ماعزًا عندما أقاموا الحد عليه هرب فاتبعوه، فقال ﷺ: «هلا تركتموه، لعله أن يتوب فيتوب الله عليه؟»[6].

وهو مذهب المالكية أيضًا، إلا أن عندهم قول أنه لا يعذر في إقراره إلا لشبهة.

ويرى الظاهرية أنه لا يقبل رجوعه بعد إقراره؛ لأنه شهد على نفسه، وصدق وصفه بالذنب بإقرار؛ فلا يمكن أن يرفع عنه هذا الوصف.

ومن الأدلة أيضًا أن النبي ﷺ قال: «اذهب يا أنيس إلى امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها» ولم يقل: إلا أن ترجع عن اعترافها، وأما هرب ماعز فلم يكن رجوعًا عن الإقرار، ولكنه هرب عن الحد عندما مس ألمه، وفي قوله ﷺ: «هلا تركتموه، لعله أن يتوب» دليل على أنه ما زال موصوفًا بالذنب، ولكن يستدل به على أن المقر لو طلب ترك إقامة الحد وأن يجعل توبته بينه وبين الله، فلهم أن يقبلوا ذلك منه، وهذا ترجيح الشـيخ ابن عثيمين[7].

ثانيًا: البينة:

[معناها]

وهي شهادة أربعة رجال، ذكور، عدول، أحرار، مسلمين؛ أنهم رأوا أنه وطئها في فرجها -كالمِيل في المُكحُلة أو نحوه- وذلك يؤكد دخول الحشفة أو ما زاد عنها في الفرج؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ [النساء:15]، وقال تعالى: ﴿ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:13]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:4].

وفي الحديث قال سعد بن عبادة لرسول الله ﷺ: إن وجدت مع امرأتي رجلًا، أَأُمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟! قال: «نعم»[8].

شروط ومسائل في الشهادة على الزنا:

(1) لا بد أن يتحقق العدد، فلو شهد ثلاثة فقط دون الرابع لم يقم على الزاني حد الزنا، وحُدَّ الثلاثة حد القذف، وهذا مذهب الجمهور، وذهب الظاهرية إلى أنهم لا يحدون، وهو قول عند الحنفية والشافعية، ودليل الجمهور أن عمر رضي الله عنه حد الذين شهدوا على المغيرة بالزنا؛ لأن الرابع قال: رأيت انبهارًا أو مجلسًا سـيئًا، ولم يذكر الزنا[9]، وحجة الظاهرية أن الشهود لم يقصدوا القذف، وإنما قصدوا أداء الشهادة.

(2) تقدم أنه يشترط في الشهود الإسلام، فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم بالزنا اتفاقًا، لكنهم اختلفوا في شهادة الكفار بعضهم على بعض، فعند الجمهور: لا تقبل، وذهب بعض العلماء إلى قبول شهادتهم.

(3) لا بد من الأصالة في الشهادة، فلا تقبل الشهادة على الشهادة، بل لا بد أن يكون الشهود ممن رأوا ذلك بأنفسهم، وأن يكون ذلك في زنا واحد، فلو شهد اثنان على زنا، واثنان على زنًا آخر لا يحد، ولا يشترط تحديد أو وصف المزني بها؛ لأنها قد لا تكون معلومة للشهود.

(4) أن يتحدوا في شهادتهم على المشهود به، وذلك بسؤالهم واحدًا بعد الآخر، عن المكان، والزمان، ونحو ذلك؛ حتى تتحقق صحة الشهادة.

(5) هل يشترط أن يشهدوا في مجلس واحد؟ قولان للعلماء، والراجح عدم الاشتراط، وهو مذهب الشافعي وجماعة من أهل الحديث؛ لعموم الآية: ﴿ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ [النور:13]، ولم تذكر مجتمعين أو متفرقين.

(6) يشترط أن يصفوا الزنا حقيقة باللفظ الصـريح بأنهم رأوا ذكره في فرجها، وأما لو قالوا: رأيناه فوقها متجردين فلا تقبل الشهادة، ولا يحد بذلك، بل يعزر.

(7) اشترط بعض العلماء عدم التقادم، ومعناه ألا تمضـي مدة بين مشاهدة الجريمة وأداء الشهادة، منعًا من التهمة وإثارة الفتنة؛ لأنه بعد مضـي المدة يكون الحامل على أداء الشهادة الضغينة، وأنهم قد اختاروا قبل ذلك الستر، إلا أن يكون هناك عذر ظاهر يمنع من أدائها، فتقبل حتى لو تقادم الوقت، وهذا مذهب الحنفية، وذهب الباقون إلى قبول الشهادة عمومًا؛ لعموم الآية في شهادة الزنا دون ذكر لهذا القيد، وهذا الراجح، والله أعلم.

ثالثًا: الحمل:

إذا لم يكن للمرأة زوج ولا سـيد، ثم وُجدت حاملًا، فهل تحد أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: أنها تحد؛ لأن الحمل علامة ظاهرة على الزنا، إلا أنها إذا ادعت شبهة في هذا الحمل فيدرأ عنها الحد، وهذا مذهب الإمام مالك وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، واختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية، والدليل على كون الحمل تحد به المرأة ما ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «الرجم على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف»[10].

وأما كونه يدرأ بالشبهة؛ فلما ثبت أن أبا موسـى رضي الله عنه كتب إلى عمر في امرأة أتاها رجل وهي نائمة، فقالت: إن رجلًا أتاني وأنا نائمة، فوالله ما علمت حتى قذف فيَّ مثل شهاب النار، فكتب عمر: تِهامِيَّةٌ تَنوَّمَتْ، قد يكون مثلُ هذا، وأمر أن يدرأ عنها الحد[11].

القول الثاني: أنها لا تحد؛ لأن الزنا لا يثبت إلا بالإقرار، أو البينة (الشهود) فقط، وأما الحمل فلا يثبت به الزنا؛ لأنه قد يكون شبهة، فقد ثبت عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أُتِي بامرأة من همدان وهي حبلى يقال لها شـراحة قد زنت، فقال لها علي: لعل الرجل استكرهك؟ قالت: لا، قال: فلعل الرجل قد وقع عليك وأنت نائمة؟ قالت: لا، قال: فلعل لك زوجًا من عدونا هؤلاء وأنت تكتمينه؟ قالت: لا، فحبسها حتى إذا وضعت جلدها يوم الخميس مائة جلدة، ورجمها يوم الجمعة[12].

قلت: لا تعارض بين هذه الآثار؛ لأن الحمل إذا لم يكن معه شبهة فيثبت به الزنا، وأما إذا كانت شبهة فيدرأ بها الحد، وعلى هذا فالقول الأول هو الأرجح، والله أعلم.

عقوبة الزنا:

[تمهيد]

تختلف عقوبة الزاني حسب كونه محصنًا أو غير محصن، وبيان ذلك فيما يلي:

أولًا: إذا كان الزاني محصنًا:

اتفق العلماء على أن حد الزاني المحصن هو الرجم؛ لما ثبت في السنة من رجم ماعز والغامدية رضي الله عنهما، وقد زنيا وكانا محصنين، وكذلك في الحديث: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»[13].

والسؤال: متى يتحقق الإحصان؟

الجواب: اشترط الفقهاء لتحقق الإحصان أن يكون بالغًا، عاقلًا، حرًّا، وأن يكون قد جامع زوجة له في نكاح صحيح ولو مرة ولو من غير إنزال، ويتفرع على ذلك ما يلي:

(1) العبد والأمة إذا زنيا أقيم عليهما حد الجلد فقط، وقد صح عن علي رضي الله عنه أنه خطب فقال: «يا أيها الناس؛ أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس... الحديث»[14].

(2) اختلف العلماء: هل إسلام الزوجة شـرط في الإحصان؛ فعند الحنفية والمالكية شـرط، فلو تزوج ذمية فليس بمحصن، ولو تحاكم إلينا ذميان لا نرجمهما، وذهب الشافعي وأحمد وأبو يوسف إلى أنه ليس بشـرط؛ لعموم الأدلة: «الثيب بالثيب.. الرجم»[15]، ولأن النبي ﷺ رجم يهوديين قد زنيا[16]، فدل ذلك على عدم اشتراط الإسلام، وهذا هو الراجح، والله أعلم.

(3) لا يتحقق الإحصان إلا بجماع زوجته في نكاح صحيح، وأما لو كان النكاح باطلًا أو فاسدًا فليس بمحصن، وينبني على ذلك أيضًا أنه لو عقد عليها وباشـرها من غير جماع فلا يتحقق الإحصان.

(4) لو تزوج امرأة ووطئها ثم فارقها، فهو محصن يرجم لو زنا؛ لأنه لا يشترط دوام الزواج إلى الزنا.

ثانيًا: إذا كان الزاني غير محصن:

اتفق الفقهاء كذلك على أن الزاني إذا كان غير محصن فإنه يجلد مائة جلدة، ويغرب، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2]، وفي قصة العسـيف قال النبي ﷺ: «وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام»[17]. وكان ابنه غير محصن. قال ابن عثيمين: (لكن يشترط في البلد الذي يغرب فيه ألا يكون فيه إباحة الزنا والعياذ بالله)[18].

ويشترط في تغريب المرأة أن يوجد لها محرم، وأن تكون في مكان آمن، وإذا تعذر التغريب حبست في مكان آمن، وقال بعض العلماء: إذا تعذر التغريب سقط كسائر الواجبات.

وإذا كان الزاني عبدًا أو أمة بكرًا فيجلد خمسـين جلدة ولا يغرب؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ [النساء:25]، ومعلوم أن الذي يتنصف هو الجلد لا الرجم.

مسائل متعلقة بباب الزنا:

الأولى: هل يجمع بين الجلد والرجم إذا كان الزاني محصنًا؟

في المسألة أقوال، والراجح قول الجمهور أنه لا يجمع بينهما؛ لأن النبي ﷺ رجم ماعزًا، والغامدية، واليهوديين، فلم يذكروا إلا الرجم، وليس فيه جلد، وكذلك في قصة العسـيف فإنه قال ﷺ: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن هي اعترفت فارجمها»، ولم يذكر جلدًا. وهذا ما حكم به عمر رضي الله عنه وهو قول جمهور العلماء.

وذهب بعض العلماء إلى الجمع بينهما؛ لقوله ﷺ: «الثيب بالثيب جلد مائة والرجم»[19]؛ ولأن على بن أبي طالب رضي الله عنه قضـى بذلك في قصة شـراحة الهمدانية وقد زنت، فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، ويجاب عن ذلك بأن الأحاديث الأخرى هي السنة العملية للنبي ﷺ في إقامة الحدود، فاختصاصها بالرجم فقط يورث شبهة في الجمع بين الحدين، والحدود تدرأ بالشبهات. والله أعلم.

الثانية: إذا زنى بإحدى محارمه:

ذهب كثير من العلماء أنه إذا زنى بإحدى محارمه، فإنه يحد حد الزاني كما تقدم، ولا فرق، وهذا مذهب الثلاثة ورواية عن أحمد.

وذهب جماعة من أهل الحديث، وهي الرواية الثانية عن أحمد؛ أنه يقتل، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «من وقع على ذات محرم فاقتلوه»[20]، وهو حديث ضعيف، لكن يؤيده حديث البراء رضي الله عنه قال: «مر بي عمي الحارث بن عمرو، ومعه لواء عقده له النبي ﷺ، فقلت له: أي عم، أين بعثك النبي ﷺ؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمرني أن أضـرب عنقه»[21].

الثالثة: حكم اللواط:

معناه: هو إيلاج ذكر في دبر ذكر أو أنثى.

حكمه: اللواط حرام، وقد سماه الله بـ «الفاحشة»؛ فقال تعالى على لسان لوط عليه السلام: ﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف:80]، وقد أجمع العلماء على تحريمه، وأنه من أغلظ الفواحش.

عقوبته: ذهب الحنفية إلى تعزير فاعله، وعدم إقامة الحد عليه؛ لأنه ليس فيه اختلاط أنساب كالزنا، ولأنه لم يرد فيه عقوبة مقدرة.

وذهب جمهور العلماء؛ من الشافعية والحنابلة والمالكية وغيرهم، إلى أن اللواط يوجب الحد، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، لكنهم اختلفوا في بيان هذا الحد:

فيرى الشافعية أنه يحد كحد الزنا: إن كان محصنًا يرجم، وإن كان غير مُحصن يجلد ويغرَّب.

وذهب المالكية والحنابلة في رواية أنه يرجم بكل حال؛ سواء كان ثيبًا أو بكرًا؛ لقوله ﷺ: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به»[22]، ولم يفرق بين من أحصن ومن لم يحصن، وهو قول أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس وغيرهم رضي الله عنهم، وقد أجمع الصحابة على قتله، وإن اختلفوا في كيفية القتل؛ فهناك من يرى إلقاءَه من أعلى مكان، وهناك من يرى تحريقه، وهناك من يرى إلقاء حائط عليه، ويرى الشـيخ ابن عثيمين أن طريقة قتله ترجع إلى اختيار الحاكم. والله أعلم.

الرابعة: حكم إتيان البهيمة:

إتيان البهيمة حرام، لكن اختلف العلماء في عقوبته؛ فمنهم من يرى قتله؛ سواء كان محصنًا أو غير محصن، ومنهم من يرى أنه يحد كحد الزنا؛ فيرجم المحصن، ويجلد غير المحصن، ومنهم من يرى التعزير فقط، وسبب اختلافهم ما ورد في الحديث: «من أتى بهيمة فاقتلوه، واقتلوا البهيمة»[23]، فيرى الأولون صحة الحديث فيذهبون إلى قتله، ويرى الآخرون عدم صحته فيرون التعزير فقط، ولأنه ورد عن ابن عباس: «ليس على من أتى بهيمة حد»[24].

وكما اختلفوا في عقوبته، اختلفوا في حكم البهيمة الموطوءة، فيرى المالكية جواز ذبحها وأكلها، ويرى الشافعية كراهة أكلها، ويرى الحنابلة قتلها؛ سواء كانت مأكولة أو غير مأكولة.

الخامسة: تساحق النساء:

ومعنى المساحقة: تدالكهما واستمتاع كل منهما بالأخرى، وهو حرام باتفاق العلماء، وإنما اختلفوا في العقوبة هل تحد أم لا، والذي ذهب إليه الجمهور أنه لا حد فيه، وإنما فيه التعزير، وهو الراجح، والله أعلم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة